ومرت الايام وانا أسأل عنها في كل يوم فيكون الجواب انها ما زالت مسافرة وفي اليوم المحدد ذهبت الى الاستاذ واخذت معي الشريط والرسالة شرحت لها فيها كل شيء وكنت امل ان اجدها هناك وفعلا فقد وجدتها قد سبقتني بدقائق ولكنني فوجئت ان رأيتها تلبس ملابس الحداد وقد غطت رأسها بغطاء أسود زادها فتنة وجمالا وتمنيت في تلك اللحظة ان لا تقع عليها عين رجل سواي وعجبت لنفسي ولأمثالي كيف كنت لا اشعر بهذا الشعور من قبل ؟ وسلمت عليها فاجابتني بشيء من التحفظ فقلت لها وانا اشير الى ملابس الحداد متسائلاً :
خيراً ؟ ماذا ارى ؟ فاطرقت قليلا ثم رفعت وجهها وقد اغرورقت عيناها بالدموع وهي تقول :
أبي قد توفي ! فهزني حزنها واثر عليّ صوتها الكئيب وشعرت ان دموعها قد انتقلت الى عيني وخرج صوتي متهدجا وانا اقول :
( 112 )
انا لله وانا أليه راجعون ، وسكت لا اعرف بماذا أزيد ومرت فترة صمت قصيرة كان لا بد لأحد ان يقطعها وكان العالم الديني ساكتا احتراما لحزنها وانا كنت ساكتا افكر بحالها وبموقفي منها اما هي فقد بادرت الى قطع حبل الصمت حيث وجهت الحديث الى الاستاذ قائلة :
أرجو ان تبدأ حديثك يا أستاذ فقد خلفت ورائي العديد من الاسباب التي تدعوني للبقاء واتيت من أجل الاستفادة منك وليس من أجل الجامعة كما انني تمكنت ان أقرأ الكتب التي ذكرتها لنا ولم تصرفني عنها الالام والاحزان لانني اصبحت اجد ان متابعة هذا الأمر هو أهم شيء في حياتي ولهذا فأنا ارجو ان تمارس حديثك كالعادة ، قال الاستاذ :
بارك الله فيك يا بنتاه وارجو من الله عز وجل ان يلهمك الصبر والأجر وانني ابارك فيك هذا الشعور الصالح البناء والحقيقة انني قد اطلت عليكما مع انكما كنتما تتعجلان الأمر ولولا مساعدتكما لي بالمطالعة لاحتجنا الى مدة اطول ، قالت سندس :
الحقيقة انني لولا رغبتي لأن اسمع منك اكثر واكثر لتمكنت ان اقول بانني قد حصلت على القناعة الكافية ولكنني لا اريد ان اخسر بذلك قسما من الحديث ونحن ما زلنا ننتظر حديثك عن الإسلام وتمكنه من تقديم قدوة صالحة او مثل اعلى او وسيلة ايضاح ، قال الاستاذ :
( 113 )
لقد سبق ان مررنا في حديثنا بمراحل :
أولها : توضيح ان الدين ضرورة حتمية في حياة الانسان .
وثانيهما : تناول وصف للدين الصالح وكيف انه ينبغي ان يكون ملائماً للعقل ومنسجما مع الفطرة ومتمكنا من تقديم القيم التي تبني الإنسان والمجتمع وان يكون قادراً على تقديم قدوة ومثل أعلى .
وقد تحدثنا يإيجاز عن كل مرحلة من هذه المراحل وعرفنا ان الاسلام هو الدين الوحيد الذي يتكفل بذلك وبقي علينا ان نذكر ما قدمه الإسلام من قدوة أو وسيلة ايضاح ، لأن الفكرة التشريعية واي فكرة كانت لا يمكن ان يكتب لها النجاح ما لم تقدم مثالا معبرا عن طبيعة ما تدعو اليه وموضحا ابعاد الخطوات التي وضعها ، فإن عدم تقديم القدوة او وسيلة الإيضاح يعني عدم واقعية هذا التشريع واستحالة تطبيقه على الوجه الصحيح ، ولكن الحقيقة ان الحديث عن القدوة طويل وطويل جداً فإن أول قدوة وهو نبي الاسلام محمّد بن عبدالله ( ص ) كما جاء في الآية المباركة ( ولكم في رسول الله أسوة حسنة ) والحديث عن الرسول ( ص ) وحده يحتاج الى ساعات وساعات بالاضافة الى القدوة الثانية ابن عمه وخليفته علي بن أبي طالب ( ع ) والأئمة الاحد عشر من ولده ( ع ) ويمكنكما مطالعة كتاب ـ عبقرية محمد ـ للعقاد ـ
( 114 ) وكتاب ـ حياة الإمام أمير المؤمنين ـ للسيد محمد صادق الصدر وكتاب ـ الإمام علي ـ لعبد الفتاح عبد المقصود وسلسلة ـ في رحاب اهل البيت ـ لبحر العلوم ، ثم هناك أيضا شخصيات اسلامية اخرى يستحق كل منها ان يكون قدوة صالحة على مدى التاريخ امثال عمار بن ياسر وابا ذر الغفاري ومصعب بن عمير وميثم التمار ويمكنكما لدارسة شخصية هؤلاء العظام مطالعة كتاب ـ بين يدي الرسول ـ و ـ من مدرسة الإمام علي ـ لبحر العلوم ولهذا فنحن نؤجل اللقاء القادم الى بعد مطالعتكما لهذه الكتب عند ذلك يمكنكما ان تتصلا وتحددا موعداً أرجو ان يكون هو الموعد الأخير ان شاء الله ...
عند هذا شكرنا الاستاذ واستأذنا للخروج وفي الخارج وقفت امام سندس وانا اريد ان اقول لها شيئاً ، ولكن وقفتها المحتشمة الوقور وابرادها السوداء التي تلف جسمها وتغطي رأسها اضاعت عليّ الكلمات فلم اعد اعرف ماذا اقول ؟ ورحت افتش عن عبارة أبدأ بها ولكنني عجزت عن الحصول على شيء فبدأت الحديث قائلة :
مع السلامة يا فؤاد ثم استدارت لتذهب وهنا خرج صوتي مبحوحاً وهو يقول :
كلا لا تذهبي يا سندس فإن لدي ما اقوله لك ، فوقفت هنيئة ثم قالت :
( 115 )
ماذا لديك يا فؤاد ؟ قلت :
انني اريد ان اثبت لك برائتي اريد ان تعرفي انني لك انت وحدك يا سندس وانني لم اخنك غمضة عين ، فشحب وجهها قليلاً ثم قالت :
آه وكيف تثبت ذلك يافؤاد ؟ قلت :
انني اريد ان احدثك بكل شيء ولكن ليس هنا وعلى قارعة الطريق ، قالت :
إذن اين ؟ قلت :
في اي مكان تقترحين ، قالت :
لا اعرف مكانا مناسبا اقترحه ، قلت :
ما رأيك ان تأتي معي للبيت ؟ قالت بصوت يفصح عن التأثر :
أنا اتي معك الى البيت كما جاءت فدوى ؟! كلا انني لن اتي ، قلت :
لو اتيتي لعرفتي عن فدوى كل شيء ، قالت باصرار :
ولكنني لن آتي يا فؤاد قلت :
وذهابي معك الى القسم غير ممكن بطبيعة الحال وجلوسنا في مكان عام غير ممكن أيضا لأن لدينا احاديثا خاصة فماذا نصنع إذن ؟ فالتفتت سندس الى بيت العالم الديني وكأنها
( 116 ) تريد ان تقول شيئاً وبقيت ساكتة ، فخمنت ماذا تريد أن تقول فسألتها :
ماذا خطر لك ؟ قالت :
لماذا لا نعود الى بيت الاستاذ ؟ قلت :
ونطلب منه خلوة نتحدث بها ؟ قالت :
خلوة ؟ كلا بل نتحدث أمامه أو ليس هو أبونا الروحي وباعث النور في حياتنا اذن فلماذا لا نجعله شاهدا على ما نقول ؟ والحقيقة انني ارتحت لهذه الفكرة ولكنني شعرت بالحرج لتنفيذها ، قلت :
ولكن كيف سوف نعود اليه وما انصرفنا عنه الا الأن ؟ قالت :
إذن فليس لدينا وسيلة ثانية وليذهب كل منا الى مكانه ، فشعرت بقلبي وهو يهوي خشية ان تتركني قبل ان تعرف براءتي ولهذا قلت لها بتوسل :
انتظري دقائق فقد يفتح الله علينا يا سندس ، فابتسمت بمرارة وقالت :
وهل ترى ان الوقوف على قارعة الطريق مما يستساغ يا فؤاد ؟ قلت :
صحيح انه امر بعيد عن اللياقة ولكنني سوف أطرق
( 117 ) باب الاستاذ فهو انسان نبيل ولن يحرجنا على أي حال من الاحوال قلت هذا وتقدمت نحو الباب بضع خطوات واذا بالباب يفتح ويخرج منه العالم الديني ، وما ان رأنا حتى استغرب وقوفنا هناك طيلة هذه المدة فسألنا باهتمام قائلا :
ماذا ؟ هل كنتما تنتظران سيارة ؟ وجرأني سؤاله وما بدا عليه من اهتمام بامرنا لأن اقول له بشيء من الارتباك :
الحقيقة بأننا في حيرة يا سيدي فإن لدينا مشكلة خاصة لا نعرف المكان المناسب لعرضها ثم خطر لنا اخيرا ان نختار بيتك فهل تأذن لنا ؟ فمد يده يفتح الباب وهو يقول :
تفضلا وادخلا الى نفس الغرفة التي كنا فيها قبل قليل ولن يضايقكما أحد ، قلت ولكننا أردنا ان نعرض مشكلتنا امامك لتبارك لنا حلها ، قال :
أما الأن فإن لدي موعدا ولكنني سوف أوعود اليكما بعد ساعة ارجو ان تكونا خلالها قد توصلتما الى الحل الصحيح .
* * *
( 118 )
( 119 )
واستقر بنا المقام في الغرفة وهنا كدت ان انكر نفسي فقد وجدتني وفي حال كوني فانيا في حب سندس لا أجرؤ حتى ان امس يدها ووجدت هذا الحب الذي يملأ وجودي كله قد غلف بقدسية كان يفتقدها من قبل ، فأن الأن اغار عليها حتى من نفسي ، وانا الأن اهاب حتى النظر إلى عينيها ، ولا اجرأ حتى على لمس اطراف اناملها ، وقد ضاعفت هذه المشاعر من رغبتي فيها وحرصي عليها ، فقد اصبحت احس انها بالنسبة لي امل كبير وكبير جدا علي ان اسعى لتحقيقه واجتهد لنيله وقد كان هذا الاحساس كفيل باعطاء حبي شكلا جديدا يزيده روعة وحرصا واصرارا ، وتمنيت ان ابقى صامتا مندمجا مع مشاعر الحب الطاهرة التي نورت جنبات روحي بنورها المشرق ولكن كانت امامي مهمة اثبات براءتي وغسل الشوائب عن قلب سندس وفعلا فقد بدأت اتحدث بحديث تلك الليلة وكانت تستمع اليّ بهدوء حتى انتهيت وكأن الصدق الذي كان يبدو على كلماتي وعلى تعابير وجهي قد اغناها عن طلب الدليل ولهذا فقد بدا عليها الاقتناع بعد ان انتهيت من الحديث ، وانتظرت ان تطلب مني الدليل ولكنها لم تطلب وقالت بصوت يعبر عن الراحة والفرحة :
الحمد لله ، نعم الحمد لله الذي لم يخيب املي فيك واعادك اليّ وانت احسن مما كنت ، قلت :
( 120 )
اراك لم تطالبيني بالدليل على ما ذكرت ؟ قالت :
لقد اقتنعت بدون دليل لأنك مسلم والمسلم لا يكذب ، قلت :
ولكنني اريد ان اقدم الدليل لكي ارتاح انا يا سندس ثم قدمت لها الشريط قائلاً :
هذا هو الشريط الذي يحكي عن موقفي في تلك الليلة والذي كان يعمل داخل المسجلة التي كنت احملها بيدي ، قالت :
كلا انني لا اريد ان اسمعه لكي تعلم بانني ما زلت اثق فيك ، قلت :
إذن دعي الشريط لديك يا سندس ، فاخذته وهي تقول :
استجابة لرغبتك يا فؤاد ، وبعد هذا بدأنا نتحدث فترة عاد خلالها الاستاذ فشرحنا له امرنا يايجاز فبارك لنا صلاح حالنا وودعناه وانصرفنا وكلانا يشعر براحة كان قد افتقدها منذ زمان .
* * *
|