يَمشي وَحْـدَهُ وَيمُوتُ وَحْـدَه « صدق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم »
حين استعدَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم لمحاربة الروم قاصدا « تبوك » من أرض الشام ، كان الفصل قائضا شديد الحرارة . وكان العدو شديد البأس ، كثير العدّة والعدد ، مما دعا نفرا من المتاخذلين ـ ممن أسلم رهبة أو رغبة ـ الى القعود ، والتخلف عن الجهاد . وتابع المسلمون سيرهم بكل ثقة وشجاعة ، وانتهى الامر بالصلح مع الروم على دفع الجزية . فقد ألقى الله في قلوب زعمائهم الهيبة ، لما تناهى الى أسماعهم من أنباء الانتصارات الساحقة التي سجلها المسلمون في أكثر من موقع بالرغم من قلتهم ، ولما سمعوه عن بسالة المقاتل المسلم ، واستماتته في سبيل الدفاع عن اسلامه واضعا نصب عينيه الجنة ، قاتلا أو مقتولا . لذلك ، فقد آثروا الانسحاب على المواجهة . ووجه النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) الى يوحنا بن رؤبة ـ أحد زعماء المنطقة ـ رسالة يدعوه فيها الى الاسلام ، أو دفع الجزية ، فقدم على النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) حاملا الهدايا ، ومعلنا الطاعة . فصالحه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) على الجزية ، في كل سنة ثلاثمائة
(152)
دينار ، كما صالحه على ذلك أهل المناطق الاخرى ، وكتب ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بينه وبينهم كتبا تتضمن شروط الصلح بما يحفظ للمسلمين حقهم في الجزية ، والتجول في تلك المنطقة ، آمنين على انفسهم وأموالهم ، ويضمن لأصحاب تلك المناطق حرية العقيدة ، والعيش مع جيرانهم المسلمين بأمان . في هذه الغزوة ، تخلف بأبي ذر جمله ، فعالجه حتى أعياه أمره ، فأخذ رحله عنه ، وحمله على ظهره ، وتابع سيره ماشيا على قدميه . « ونظر الناس ، فقالوا يا رسول الله ، هذا رجل على الطريق وحده . فقال رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : كن أبا ذر ! فلما تأمله الناس ، قالوا : هو أبو ذر . فقال رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : يرحم الله أبا ذر ، يمشي وحده ، ويموت وحده ، ويبعث وحده ، ويشهده عصابة من المؤمنين . فلما نفى عثمان أبا ذر الى الربذة ، أصابه بها أجله ، ولم يكن معه الا مرأته وغلامه (1) . ____________ 1 ـ الكامل 2 / 280 .
(153)
|