(1) الاقتراض ـ الإيداع
المصارف والبنوك على ثلاثة أصناف : 1ـ الأهلي: وهو ما يتكوّن رأس ماله من مال شخص واحد أو أشخاص مشتركين. 2ـ الحكومي : وهو الذي يكون رأس ماله مكوّناً من أموال الدولة. 3ـ المشترك : وهو الذي تشترك الدولة والأهالي في تكوين رأس ماله. مسألة 1: لا يجوز الاقتراض من البنوك الأهلية بشرك دفع الزيادة لأنّه رباً محرّم ، ولو اقترض كذلك صحّ القرض وبطل الشرط ، ويحرم دفع الزيادة وأخذها وقاءً للشرط. وقد ذكر للتخلّص من الربا طرق : منها : أن يشتري المقترض من صاحب البنك أو من وكيله المفوّض بضاعة بأكثر من قيمتها الواقعية 10% أو 20% مثلاً
( 60 )
بشرط أن يقرضه مبلغاً معيّناً من النقد لمدّة معلومة يتّفقان عليها ، أو يبيعه متاعاً بأقلّ من قيمته السوقية ويشترط عليه في ضمن المعاملة أن يقرضه مبلغاً عيّناً لمدّة معلومة ، فيقال : إنّه يجوز الاقتراض عندئذٍ ولا ربا فيه. ولكنّه لا يخلو عن إشكال ، والأحوط لزوماً الاجتناب عنه ، ومثله الحال في الهبة والإجارة والصلح بشرط القرض. وفي حكم جعل القرض شرطاً في المعاملة المحاباتية جعل الإمهال في أداء الدين شرطاً فيه. ومنها : تبديل القرض بالبيع ، كأن يبيع البنك مبلغاً معيّناً كمائة دينار بأزيد منه ـ كمائة وعشرين دينار ـ نسيئة لمدّة شهرين مثلاً. ولكن هذا وإن لم يكن قرضاً ربوياً على التحقيق ، غير إنّ صحّته بيعاً محلّ إشكال. نعم ، لا مانع من أن يبيع البنك مبلغاً كمائة دينار نسيئة إلى شهرين مثلاً ، ويجعل الثمن المؤجّل عملة أُخرى تزيد قيمتها على المائة دينار بموجب أسعار صرف العملات بمقدار ما تزيد المائة والعشرون على المائة ، وفي نهاية المدّة يمكن أن يأخذ البنك من المشتري العملة المقرّرة أو ما يساويها من الدنانير ، ليكون من الوفاء بغير الجنس. ومنها : أن يبيع البنك بضاعة بمبلغ كمائة وعشرين ديناراً نسيئة لمدّة شهرين مثلاً ، ثم يشتريها من المشتري نقداً بما ينقص عنها كمائة دينار.
( 61 )
وهذا أيضاً لا يصحّ إذا اشترط في البيع الأول قيام البنك بشراء البضاعة نقداً بالأقلّ من ثمنه نسيئة ولو بإيقاع العقد مبنيّاً على ذلك ، وأمّا مع خلوّه عن الشرط فلا بأس به. ويلاحظ أنّ هذه الطرق ونحوها ـ لو صحّت ـ لا تحقّق للبنك غرضاً أساسياً وهو استحقاق مطالبة المدين بمبلغ زائد لو تأخّر عن أداء دينه عند نهاية الأجل وازدياده كلّما زاد التأخير ، فإنّ أخذ الفائدة بإزاء التأخير في الدفع يكون من الربا المحرّم ولو كان ذلك بصيغة جعله شرطاً في ضمن عقد البيع مثلاً. مسألة 2: لا يجوز الاقتراض من البنوك الحكومية بشرط دفع الزيادة ، لأنّه ربا ، بلا فرق بين كون الاقتراض مع الرهن أو بدونه ، ولو اقترض كذلك بطل القرض والشرط معاً ، لأنّ البنك لا يملك ما تحت يده من المال ليملّكه للمقترض. وللتخلّص من ذلك يجوز للشخص أن يقبض المال من البنك بعنوان مجهول المالك لا بقصد الاقتراض ، والأحوط أن يكون ذلك بإذن الحاكم الشرعي ، ثم يتصرّف فيه بعد المراجعة إليه لإصلاحه ، ولا يضرّه العلم بأنّ البنك سوف يستوفي منه أصل المال والزيادة قهراً ، فلو طالبه البنك جاز له الدفع حيث لا يسعه التخلّف عن ذلك. مسألة 3 : يجوز الايداع في البنوك الأهلية ـ بمعنى إقراضها ـ مع عدم اشتراط الحصول على الزيادة ، بمعنى عدم إناطة القرض بالتزام البنك بدفع الزيادة ، لا بمعنى أن يبني في نفسه على أنّ البنك لو لم يدفع الزيادة لم يطالبه منها ، فإنّ البناء على المطالبة
( 62 )
يجتمع مع عدم الاشتراط ، كما يجتمع البناء على عدم المطالبة مع الاشتراط ، فأحدهما أجنبي عن الآخر. مسألة 4 : لا يجوز الإيداع في البنوك الأهلية ـ بمعنى إقراضها ـ مع شرط الزيادة ، ولو فعل ذلك صحّ الإيداع وبطل الشرط ، فإذا قام البنك بدفع الزيادة لم تدخل في ملكه ، ولكن يجوز له التصرّف فيها إذا كان واثقاً من رضا أصحابه بذلك حتى على تقدير علمهم بفساد الشرط وعدم استحقاقه للزيادة شرعاً ـ كما هو الغالب ـ. مسألة 5 : لا يجوز الإيداع في البنوك الحكومية ـ بمعنى إقراضها ـ مع اشتراط الحصول على الزيادة ، فإنّه ربا ، بل إعطاء المال إليها ولو من دون شرط الزيادة بمنزلة الإتلاف له شرعاً ، لإنّ ما يمكن استرجاعه من البنك ليس هو مال البنك ، بل من المال المجهول مالكه ، وعلى ذلك يشكل إيداع الأرباح والفوائد التي يجنيها الشخص أثناء سنته في البنوك الحكومية قبل إخراج الخمس منها ، لأنّه مأذون في صرفه في مؤونته وليس مأذونا في إتلافه ، فلو أتلفه ضمنه لأصحابه. مسألة 6 : لا فرق في الإيداع ـ فيما تقدّم ـ بين الإيداع الثابت الذي له أمد خاصّ ـ بمعنى أنّ البنك غير ملزم بوضع المال تحت الطلب ـ وبين الإيداع المتحرّك ـ المسمّى بالحساب الجاري ـ الذي يكون البنك ملزماً بوضع المال تحت الطلب. مسألة 7 : تشترك البنوك المشتركة مع البنوك الحكومية فيما تقدّم من الأحكام ، لأنّ الأموال الموجودة لديها يتعامل معها
( 63 )
معاملة مجهول المالك ، فلا يجوز التصرّف فيها من دون مراجعة الحاكم الشرعي. مسألة 8 : ما تقدّم كان حكم الإيداع والاقتراض من البنوك الأهلية والحكومية في الدول الإسلامية ، وأمّا البنوك التي يقوم غير محترمي المال من الكفّار بتمويلها ـ أهلية كانت أم غيرها ـ فيجوز الإيداع فيها بشرط الحصول على الفائدة ، لجواز أخذ الربا منهم على الأظهر. وأمّا الاقتراض منها بشرط دفع الزيادة فهو حرام ، ويمكن التخلّص منه بقبض المال من البنك لا بقصد الاقتراض بل استنقاذاً ، فيجوز له التصرّف فيه بلا حاجة إلى مراجعة الحاكم الشرعي.
( 64 )
|