13 - قدماء الشيعة والعلوم العقلية
جاء الإسلام ليحرر عقل الإنسان وتفكيره من الأغلال المتراكمة الموروثة التي توارثها قهرا من الأجيال الماضية ، فهو يخاطب العقل ويدعوه إلى التأمل والتفكير ، ويخاطب القلب والضمير بما حوله من الأدلة الناطقة ، ويكفي في توضيح ذلك أن الذكر الحكيم استعمل مادة " العقل " بمختلف صورها ( 47 ) مرة ، و " التفكر " ( 18 ) مرة ، و " اللب " ( 16 ) مرة و " التدبر " ( 4 ) مرات و " النهى " مرتين . فبذلك نهى عن التقليد وحث على التعقل ببيانات مختلفة .
فتارة يدعو الإنسان إلى التأمل فيما حوله من الكائنات لما فيها من دلائل ناطقة على وجوده سبحانه وصفاته . قال سبحانه : " أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاء بَنَاهَا * رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا * وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا * وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا * أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءهَا وَمَرْعَاهَا * وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا * مَتَاعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ " ( 1 ) .
وأخرى يدعوه إلى التفكير والاستدلال المنطقي ، فقال سبحانه : { أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَّا يُوقِنُونَ } ( 2 ) فعالج المشاكل العلمية والفلسفية تارة بالدعوة إلى النظر في الكون نظرة ثاقبة فاحصة ، وأخرى بالحث على التفكير في المعارف بأسلوب منطقي وبرهاني ، وبذلك أيقظ عقول المسلمين وحثهم على التأمل والتدبر في العلوم المختلفة ، دون التقليد الأعمى والتتبع غير المتبصر ، وجعل لأولئك المكانة المتميزة .
غير أن المسلمين سوى قليل منهم تنكبوا عن هذا الطريق ، خصوصا فيما يرجع إلى المعارف العليا ، فصاروا بين مشبه ومعطل ، فالبسطاء منهم بنوا عقائدهم بالجمود على المفردات الواردة في الكتاب والسنة ، وبذلك استغنوا عن أي تعقل وتفكر ، إلى أن بلغت جرأتهم إلى حد قال بعضهم في الخالق : اعفوني عن الفرج واللحية واسألوني عما وراء ذلك ( 3 ) ! ! ! فهؤلاء هم المجسمة والمشبهة ، وأما غيرهم فاختاروا تعطيل العقول عن التفكر في الله سبحانه ، فقالوا : أعطينا العقل لإقامة العبودية لا لإدراك الربوبية ، فمن شغل ما أعطي لإقامة العبودية بإدراك الربوبية فاتته العبودية ، ولم يدرك الربوبية ( 4 ) .
|
( 1 ) النازعات : 27 - 33 . ( 2 ) الطور : 35 - 36 . ( 3 ) الشهرستاني ، الملل والنحل 1 : 105 ط دار المعرفة ، لبنان . ( 4 ) علاقة الأثبات والتفويض نقلا عن الحجة في بيان المحجة : 33 . ( * ) |
| |
فالأكثرية الساحقة في القرون الأولى كانوا بين مشبه ومعطل ، غير أنه سبحانه شملت عنايته أمة من المسلمين رفضوا التشبيه والتعطيل ، وسلكوا طريقا ثالثا وقالوا بأنه يمكن للإنسان التعرف على ما وراء الطبيعة بما فيها من الجمال والكمال عن طريقين : 1 - النظرة الفاحصة إلى عالم الوجود وجمال الطبيعة كما وردت في القرآن الكريم . 2 - ترتيب المقاييس المنطقية للوصول إلى الحقائق العليا ، وهذا أيضا هو الخط الذي رسمه القرآن الكريم ، وسار على هذا الخط الأئمة ( عليهم السلام ) من أولهم إلى آخرهم .
ترى ذلك في كلام الإمام علي ( عليه السلام ) بوضوح ، في أحاديثه وخطبه ورسائله ، ولا يسعنا هنا أن نستعرض ولو بعضا مما له ( عليه السلام ) في هذا المجال ، إلا أنا نكتفي بحديث واحد . سأله سائل : هل يقدر ربك أن يدخل الدنيا في بيضة من غير أن يصغر الدنيا أو يكبر البيضة ؟ فقال : " إن الله تبارك وتعالى لا ينسب إلى العجز ، والذي سألتني لا يكون " ( 1 ) .
إن خطب الإمام علي ( عليه السلام ) ورسائله وقصار حكمه كانت هي الحجر الأساس لكلام الشيعة وآرائهم في العقائد والمعارف ، ولم يتوقف نشاط الشيعة في ذلك المجال ، بل ونتيجة لتوالي الأئمة ( عليهم السلام ) إمام بعد إمام ، كان يعني ذلك استمرار عين المنهج السابق الذي ربى عليه الإمام علي ( عليه السلام ) شيعته ، فواصل الأئمة من بعده - عليهم وعليه السلام - في حياتهم تربية شيعتهم ، فشحذوا عقولهم بالدعوة إلى التدبر والتفكر في المعارف ، حتى تربى في مدرستهم عمالقة الفكر من عصر سيد
|
( 1 ) الصدوق ، التوحيد : 130 باب " القدرة " برقم 9 . ( * ) |
| |
الساجدين إلى عصر الإمام العسكري ، تجد أسماءهم وتآليفهم وأفكارهم في المعاجم وكتب الرجال ، وقد نبغ في عصر أئمة أهل البيت مفكرون بارزون أدوا لعموم المسلمين خدمات لا تنكر ، وأشرعوا أبواب المعرفة للباحثين والمفكرين الذين تلوهم ، ومن هؤلاء : متكلمو الشيعة في القرن الثاني : 1 - زرارة بن أعين : مولى بني عبد الله بن عمرو السمين بن أسعد بن همام بن مرة بن ذهل بن شيبان ، أبو الحسن : شيخ أصحابنا في زمانه ، ومتقدمهم ، وكان قارئا ، فقيها ، متكلما ، شاعرا ، أديبا ، قد اجتمعت فيه خصال الفضل والدين ، صادقا فيما يرويه . قال أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه : رأيت له كتابا في الاستطاعة والجبر ( 1 ) . وقال ابن النديم : وزرارة أكبر رجال الشيعة فقها وحديثا ومعرفة بالكلام والتشيع ( 2 ) . وهو من الشخصيات البارزة للشيعة التي أجمعت الطائفة على تصديقهم ، وهو غني عن التعريف والتوصيف .
2 - محمد بن علي بن النعمان بن أبي طريفة البجلي : مولى الأحول " أبو جعفر " كوفي ، صيرفي يلقب ب " مؤمن الطاق " و " صاحب الطاق " ، ويلقبه المخالفون ب " شيطان الطاق " . . . وكان دكانه في طاق المحامل في الكوفة ، فيرجع إليه في النقد فيرد ردا فيخرج كما يقول ، فيقال " شيطان الطاق " . أما منزلته في العلم وحسن الخاطر فأشهر ، وقد نسبت إليه أشياء لم تثبت عندنا .
|
( 1 ) النجاشي ، الرجال 1 : 397 / 481 ، الطوسي ، الفهرست / 314 ، الكشي ، الرجال / 62 ، الذهبي ، ميزان الاعتدال ج 2 / 2853 . ( 2 ) ابن النديم ، الفهرست : 323 . ( * ) |
| |
وله كتاب " افعل لا تفعل " وهو كتاب حسن كبير ، وقد أدخل فيه بعض المتأخرين أحاديث تدل على فسادها ، ويذكر تباين أقاويل الصحابة . وله كتاب " الإحتجاج في إمامة أمير المؤمنين ( عليه السلام ) " وكتاب كلامه على الخوارج ، وكتاب مجالسه مع أبي حنيفة والمرجئة . . . ( 1 ) . وقال ابن النديم : وكان متكلما حاذقا ، وله من الكتب كتاب الإمامة ، كتاب المعرفة ، كتاب الرد على المعتزلة في إمامة المفضول ، كتاب في أمر طلحة والزبير وعائشة ( 2 ) .
3 - هشام بن الحكم : قال ابن النديم : هو من متكلمي الشيعة الإمامية وبطانتهم ، وممن دعا له الصادق ( عليه السلام ) ، فقال : " أقول لك ما قال رسول الله لحسان : لا تزال مؤيدا بروح القدس ما نصرتنا بلسانك " . وهو الذي فتق الكلام في الإمامة ، وهذب المذهب ، وسهل طريق الحجاج فيه ، وكان حاذقا بصناعة الكلام حاضر الجواب ( 3 ) . ويقول الشهرستاني : وهذا هشام بن الحكم ، صاحب غور في الأصول ، لا ينبغي أن يغفل عن إلزاماته على المعتزلة ، فإن الرجل وراء ما يلزم به على الخصم ، ودون ما يظهره من التشبيه ، وذلك أنه ألزم الغلاة . . . ( 4 ) . وقال النجاشي : هشام بن الحكم ، أبو محمد مولى كندة ، وكان ينزل بني شيبان بالكوفة ، انتقل إلى بغداد سنة ( 199 ه ) ، ويقال : إنه مات في هذه السنة ، له كتاب
|
( 1 ) النجاشي ، الرجال 2 : 203 / 887 ، الطوسي ، الرجال أصحاب الكاظم / 18 ، والفهرست للطوسي / 594 ، الكشي ، الرجال / 77 . ( 2 ) ابن النديم ، الفهرست : 264 وأيضا 258 . ( 3 ) المصدر نفسه : 257 . ( 4 ) الشهرستاني ، الملل والنحل 1 : 185 . ( * ) |
| |
يرويه جماعة . ثم ذكر أسماء كتبه فبلغت ثلاثين كتابا ( 1 ) .
وأما أحمد أمين فيقول عنه : أكبر شخصية شيعية في الكلام ، وكان جدا قوي الحجة ، ناظر المعتزلة وناظروه ، ونقلت له في كتب الأدب مناظرات كثيرة متفرقة تدل على حضور بديهيته وقوة حججه . إن الرجل كان في بداية أمره من تلاميذ أبي الشاكر الديصاني ، صاحب النزعة الإلحادية في الإسلام ، ثم تبع الجهم بن صفوان الجبري المتطرف المقتول بترمذ عام ( 128 ه ) ، ثم لحق بالإمام الصادق ( عليه السلام ) ودان بمذهب الإمامية ، وما تنقل منه من الآراء التي لا توافق أصول الإمامية ، فإنما هي راجعة إلى العصرين اللذين كان فيهما على النزعة الإلحادية أو الجهمية ، وأما بعد ما لحق بالإمام الصادق ( عليه السلام ) فقد انطبعت عقليته بمعارف أهل البيت إلى حد كبير ، حتى صار أحد المناضلين عن عقائد الشيعة الإمامية ( 2 ) .
4 - قيس الماصر : أحد أعلام المتكلمين ، تعلم الكلام من علي بن الحسين ( عليهما السلام ) . روى الكليني : أنه أتى شامي إلى أبي عبد الله الصادق ( عليه السلام ) ليناظر أصحابه ، فقال ( عليه السلام ) ليونس بن يعقوب : أنظر من ترى بالباب من المتكلمين . . . إلى أن قال
|
( 1 ) النجاشي ، الرجال 2 : 397 / 1165 . وذكر أسماء كتبه على النحو التالي : علل التحريم ، الفرائض ، الإمامة ، الدلالة على حدث الأجسام ، الرد على الزنادقة ، الرد على أصحاب الاثنين ، التوحيد ، الرد على هشام الجواليقي ، الرد على أصحاب الطبائع ، الشيخ والغلام في التوحيد ، التدبير في الإمامة ، الميزان ، إمامة المفضول ، الوصية والرد على منكريها ، الميدان ، اختلاف الناس في الإمامة ، الجبر والقدر ، كتاب الحكمين ، الرد على المعتزلة وطلحة والزبير ، القدر ، الألفاظ ، الاستطاعة ، المعرفة ، الثمانية أبواب ، على شيطان الطاق ، الأخبار ، الرد على المعتزلة ، الرد على أرسطاطاليس في التوحيد ، المجالس في التوحيد ، المجالس في الإمامة . ( 2 ) إن للعلامة الحجة الشيخ عبد الله نعمة كتابا في حياة هشام بن الحكم ، وقد أغرق نزعا في التحقيق ، وأغنانا عن كل بحث وتنقيب . ( * ) |
| |
يونس : فأدخلت زرارة بن أعين وكان يحسن الكلام ، وأدخلت الأحول وكان يحسن الكلام ، وأدخلت هشام بن الحكم وهو يحسن الكلام ، وأدخلت قيس الماصر وكان عندي أحسنهم كلاما وقد تعلم الكلام من علي بن الحسين ( عليهما السلام ) ( 1 ) .
5 - عيسى بن روضة حاجب المنصور : قال عنه النجاشي : كان متكلما ، جيد الكلام ، وله كتاب في الإمامة . وقرأت في بعض الكتب : أن المنصور لما كان بالحيرة ، تسمع على عيسى بن روضة ، وكان مولاه ، وهو يتكلم في الإمامة فأعجب به واستجاد كلامه ( 2 ) .
6 - الضحاك ، أبو مالك الحضرمي : كوفي ، عربي ، أدرك أبا عبد الله ( عليه السلام ) وقال قوم من أصحابنا : روى عنه ، وقال آخرون : لم يرو عنه ، روى عن أبي الحسن ، وكان متكلما ثقة ثقة في الحديث ، وله كتاب في التوحيد رواه عنه علي بن الحسن الطاطري ( 3 ) فالرجل من متكلمي القرن الثاني . وقال ابن النديم : من متكلمي الشيعة ، وله مع أبي علي الجبائي مجلس في الإمامة وتثبيتها بحضرة أبي محمد القاسم بن محمد الكوفي ، وله من الكتب : كتاب الإمامة ، نقض الإمامة على أبي علي ولم يتمه ( 4 ) .
7 - علي بن الحسن بن محمد الطائي : المعروف ب " الطاطري " كان فقيها ثقة في حديثه ، له كتب منها : التوحيد ، الإمامة ، الفطرة ، المعرفة ، الولاية ( 5 ) وغيرها . وعده ابن النديم من متكلمي الإمامية وقال : ومن القدماء الطاطري ، وكان
|
( 1 ) الكليني ، الكافي 1 : 171 . ( 2 ) النجاشي ، الرجال 2 : 145 / 794 . ( 3 ) المصدر نفسه 1 : 451 / 544 . |
( 4 ) ابن النديم ، الفهرست : 266 . ( 5 ) النجاشي ، الرجال 2 : 77 / 665 . ( * ) |
| |
شيعيا ، وله من الكتب كتاب الإمامة حسن ( 1 ) .
8 - الحسن بن علي بن يقطين بن موسى ، مولى بني هاشم ، وقيل مولى بني أسد ، كان فقيها متكلما ، روى عن أبي الحسن والرضا ( عليهما السلام ) ، وله كتاب مسائل أبي الحسن موسى ( عليه السلام ) ( 2 ) وبما أن أبا الحسن الأول توفي عام ( 183 ه ) ، والثاني توفي عام ( 203 ه ) ، فالرجل من متكلمي القرن الثاني وأوائل الثالث . وذكره الشيخ في رجاله في أصحاب الإمام الرضا ( عليه السلام ) ( 3 ) .
9 - حديد بن حكيم : أبو علي الأزدي المدائني ، ثقة ، وجه ، متكلم ، روى عن أبي عبد الله ، وأبي الحسن ( عليهما السلام ) وله كتاب يرويه محمد بن خالد ( 4 ) .
10 - فضال بن الحسن بن فضال : وهو من متكلمي عصر الصادق ( عليه السلام ) وذكره الطبرسي في احتجاجه ومناظرته مع أبي حنيفة ، فلاحظ ( 5 ) .
إن ما ذكرناه من أساتذة الكلام كانوا نماذج مصغرة من تلامذة أهل البيت ( عليهم السلام ) وخريجي مدرستهم ، وقد اكتفينا بذكر هذه الطائفة تجنبا عن الإطالة والإسهاب ، ومن ابتغى الاستزادة فعليه بالمراجع التاريخية وكتب الكلام المختلفة التي حفلت بأسماء الأعلام الباقين ، أمثال حمران بن أعين الشيباني ، وهشام بن سالم الجواليقي ، والسيد الحميري ، والكميت الأسدي ( 6 ) .
|
( 1 ) ابن النديم ، الفهرست : 266 . ( 2 ) النجاشي ، الرجال 1 : 148 / 9 . ( 3 ) الشيخ الطوسي ، الرجال / 7 . |
( 4 ) النجاشي ، الرجال 1 : 377 / 383 ، وذكره الخطيب في تاريخه ج 8 / 4377 . ( 5 ) التستري ، قاموس الرجال 4 : 313 . ( 6 ) لاحظ أعيان الشيعة 1 : 134 - 135 . ( * ) | |
|