11 - قدماء الشيعة وعلم المغازي والسير
مغازي النبي الأكرم ( صلى الله عليه وآله ) جزء من تاريخ حياته وسيرته ، والرسول ( صلى الله عليه وآله ) قدوة وأسوة ، وفعله كقوله حجة بلا إشكال ، وقد وضع بعضهم كتبا في فقه السيرة ( 1 ) فكان على المسلمين ضبط دقيقها وجليلها ، وقد قاموا بذلك لولا أن الخلافة حالت دون الأمنية ، ولكن قيض الله سبحانه ، رجالا في الشيعة في ذلك المجال ضبطوا سيرة الرسول ( صلى الله عليه وآله ) ومغازيه ، منهم : 1 - ابن إسحاق ، محمد بن إسحاق ( ت 151 ه ) عده الشيخ الطوسي في رجاله ( 2 ) من أصحاب الإمام الصادق . ولأجل انتمائه إلى بيت النبوة وصفه ابن حجر في التقريب : " بأنه إمام المغازي ، صدوق ، يدلس ، ورمي بالتشيع والقدر " ( 3 ) .
وفي مختصر الذهبي : أنه كان صدوقا من بحور العلم . في تاريخ اليافعي عن شعبة بن الحجاج أنه قال : محمد بن إسحاق أمير المؤمنين في الحديث ( 4 ) .
|
( 1 ) كزاد المعاد لابن القيم ، وفقه السيرة للغزالي المعاصر له . ( 2 ) الطوسي ، الرجال : 281 . |
( 3 ) ابن حجر التقريب 2 : 144 / 40 . ( 4 ) مرآة الجنان 1 : 313 . ( * ) |
| |
وعن الشافعي : من أراد أن يتبحر في المغازي فهو عيال محمد بن إسحاق ( 1 ) .
ولما كان المترجم شيعيا مجاهرا في ولائه لأهل البيت عمد ابن هشام ( ت 212 ه ) بتلخيص كتابه على أساس حذف ما لا يلائم نزعته ، فحذف أكثر ما له صلة بفضائل الإمام علي وأهل بيته . فعلى المسلمين الغيارى الباحثين عن الحقيقة التفحص في مكتبات العالم وفهارسها ، حتى يعثروا على النسخة الأم ، وينشروا هذا الكنز الدفين خدمة للدين وإحياء لسيرة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، وكان قد أعلن أحد المستشرقين أنه قد عثر على الأصل ونشره باسم سيرة ابن إسحاق إلا أنه جزء من السيرة لا كلها .
ومن حسن الحظ أن سيرة ابن إسحاق وإن لم تكن موجودة بصورتها لكنها موجودة بمادتها ، فقد بثها الطبرسي ( 470 - 548 ه ) في أجزاء مجمع البيان ، وابن الجوزي ( ت 597 ه ) في المنتظم ، وابن كثير في تاريخه وغيرهم . فيمكن للباحثين ، استخراج مادة السيرة متفرقة عن هذه الكتب ، وملخصها المعروف بالسيرة النبوية لابن هشام .
2 - عبيد الله بن أبي رافع ، وكان قد سبق ابن إسحاق ، وهو من أصحاب الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) ، فقد ألف كتابا أسماه " تسمية من شهد مع أمير المؤمنين الجمل وصفين والنهروان من الصحابة " ذكره الشيخ في الفهرست ( 2 ) ، إلا أنه ألف في مغازي الإمام علي ( عليه السلام ) لا في مغازي الرسول الأكرم ( صلى الله عليه وآله ) .
3 - جابر الجعفي ( ت 128 ه ) ألف كتبا في ذلك المجال : قال النجاشي : جابر : عربي قديم ، ثم ذكر نسبه وعد من كتبه : كتاب الجمل ، وكتاب صفين ، وكتاب
|
( 1 ) المامقاني ، تنقيح المقال 3 : 79 / 1038 . |
( 2 ) الطوسي ، الفهرست : 202 . ( * ) |
| |
النهروان ، وكتاب مقتل أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، وكتاب مقتل الحسين ( عليه السلام ) ( 1 ) .
4 - أبان بن عثمان الأحمر البجلي الكوفي ، هو ممن ألف في ذلك المجال أيضا والذي أخذ عنه أبو عبيدة معمر بن المثنى ( 110 - 209 ه ) وأبو عبد الله بن القاسم ابن سلام ( 157 - 224 ه ) وأكثروا الحكاية عنه في أخبار الشعراء والنسب والأيام . له كتاب حسن يجمع المبتدأ والمغازي والوفاة والردة ( 2 ) . وقد جمع فيه أخبار ابتداء أمر النبي ( صلى الله عليه وآله ) من مبعثه ومغازيه ووفاته ، وأخبار يوم السقيفة وارتداد بعض القبائل .
5 - ومن مشاهير هذا الفن من الشيعة أبو مخنف لوط بن يحيى الأزدي الغامدي ، شيخ أصحاب الأخبار بالكوفة ، روى عن جعفر بن محمد ( عليهما السلام ) . وصنف كتبا : منها كتاب المغازي ، كتاب السقيفة ، كتاب الردة ، كتاب فتوح الإسلام . . . ( 3 ) .
6 - ومن أعلامه نصر بن مزاحم ( 212 ه ) ألف كتبا كثيرة في ذلك المجال ، لعل أهمها كتاب " وقعة صفين " الشهير ( 4 ) .
7 - هشام بن محمد بن السائب الكلبي ( المتوفى 206 ه ) أعلم علماء النسب والسير والآثار ، ذكره النجاشي وقال : الناسب ، العالم بالأيام ، المشهور بالفضل والعلم ، وكان يختص بمذهبنا ، ثم ذكر كتبه ( 5 ) .
هذا عرض موجز لمن شارك المسلمين من قدماء الشيعة في بناء الحضارة الإسلامية عن طريق تدوين السيرة والمغازي والمقاتل والتاريخ ، وأما المتأخرون
|
( 1 ) النجاشي ، الرجال 1 : 313 / 330 . ( 2 ) المصدر نفسه 1 : 80 / 7 وفي فهرست الشيخ / 62 يجمع المبدأ والمبعث . ( 3 ) المصدر نفسه 2 : 384 / 1149 . |
( 4 ) المصدر نفسه 2 : 191 - 192 / 873 . ( 5 ) المصدر نفسه 2 : 399 / 1167 . ( * ) |
| |
فسل عنهم ولا حرج ، وراجع المعاجم كأعيان الشيعة للسيد الأمين العاملي ، والذريعة لشيخنا الطهراني .
12 - قدماء الشيعة وعلم الرجال
اهتم علماء الشيعة بعد عصر التابعين بعلم الرجال ، وأولوه اهتماما كبيرا ، فبرزت منهم ثلة كبيرة من سادة هذا العلم ، وسنحاول هنا أن نذكر أوائل المؤلفين منهم : 1 - عبد الله بن جبلة الكناني ( ت 219 ه ) . قال النجاشي : وبيت جبلة مشهور بالكوفة ، كان فقيها ثقة مشهورا ، له كتب ، منها كتاب الرجال . . . ( 1 ) .
2 - علي بن الحسن بن فضال ، كان فقيه أصحابنا بالكوفة ووجههم وثقتهم ، وعارفهم بالحديث ، من أصحاب الإمام الهادي والعسكري ، له كتب منها كتاب الرجال ( 2 ) .
3 - الحسن بن محبوب السراد ( 150 - 224 ه ) الراوي عن ستين رجلا من أصحاب الصادق ( عليه السلام ) ، له كتاب " المشيخة " وكتاب " معرفة رواة الأخبار " ( 3 ) .
4 - أبو عمرو الكشي ، البصير بالأخبار والرجال ، تلميذ الشيخ العياشي ، وكتابه المعروف ب " معرفة الرجال " هو الذي لخصه الشيخ الطوسي وأسماه ب " اختيار معرفة الرجال " وهو الموجود في الأعصار الأخيرة .
5 - الشيخ أبو العباس أحمد بن علي النجاشي ( 372 - 450 ه ) من نقاد هذا
|
( 1 ) النجاشي ، الرجال 2 : 13 / 561 . ( 2 ) المصدر نفسه 2 : 82 / 674 . ( 3 ) الطوسي ، الفهرست : 71 / 162 ، ابن شهرآشوب ، معالم العلماء : 333 / 182 ، الطهراني ، مصفى المقال : 128 . ( * ) |
| |
الفن ومن أجلائه وأعيانه حاز قصب السبق في ميدان علم الرجال ، له كتاب فهرس مصنفي الشيعة المعروف برجال النجاشي .
6 - والشيخ الطوسي ( 385 - 460 ه ) الغني عن التعريف ، عمل كتابين أحدهما الفهرست والآخر الرجال ، ويعدان من أمهات الكتب الرجالية .
وتوالى التأليف في علم الرجال كما في قرينه علم الدراية إلى عصرنا هذا ، وقد أنهى الشيخ الطهراني ، المؤلفين من الشيعة في علم الرجال فبلغوا قرابة خمسمائة مؤلف ، شكر الله مساعي الجميع .
هذا عرض موجز لمشاركة علماء الشيعة في بناء الحضارة الإسلامية عن طريق تأسيس العلوم وإكمالها وتطويرها ، وأنت إذا وقفت على جهودهم الجبارة في القرون الأولى وما بعدها إلى عصرنا الحاضر ، تقف على طائفة كبيرة من عمالقة العلم وجهابذة الفضل ، كرسوا حياتهم الثمينة في إرساء صرح الحضارة الإسلامية ورفع قواعدها ، فخلدوا لأنفسهم صحائف بيضاء ، ولصالح أمتهم حضارة إنسانية ، كل ذلك في ظروف قاسية ، وسلطات ظالمة شديدة الكلب ، وأضغان محتدمة ، إلا في فترات يسيرة .
|