متون الكتب :  
الفهارس :  
أسماء الكتب والمؤلفين :  
قدماء الشيعة وعلم أصول الفقه
الكتاب : أضواء على عقائد الشيعة الإمامية و تاريخهم (2)    |    القسم : مكتبة عقائد الشيعة

10 - قدماء الشيعة وعلم أصول الفقه

إن السنة النبوية بعد القرآن الكريم هي المصدر للتشريع ، وقد سبق أن الخلافة - بعد رحلة الرسول ( صلى الله عليه وآله ) - حالت دون تحديث ما تركه بين الأمة ، وكتابته وتدوينه . فلم تدون السنة إلى عصر أبي جعفر المنصور ، إلا صحائف غير منظمة ولا مرتبة ، إلى أن شرع علماء الإسلام في التدوين سنة ( 53 هـ) ( 1 ) .

إن الحيلولة بين السنة وتدوينها ونشرها أدت إلى نتائج سلبية عظيمة ، منها قصور ما وصل إلى الفقهاء في ذلك العصر صحيحا من الرسول ( صلى الله عليه وآله ) عن تلبية متطلباتهم في مجال الأحكام ، حتى اشتهر عن إمام الحنفية أنه لم يثبت عنده من أحاديث الرسول ( صلى الله عليه وآله ) في مجال التشريع إلا سبعة عشر حديثا .

ونحن وإن كنا لا نتوافق مع ما حكي عن النعمان ، ولكن نؤكد على شئ آخر ، وهو أن ما ورد في مجموع الصحاح والمسانيد والسنن الأعم من الصحيح والضعيف في مجال الأحكام الشرعية لا يتجاوز 500 حديث .
قال السيد محمد رشيد رضا : إن أحاديث الأحكام الأصول لا تتجاوز 500 حديث تمدها ( 2 ) أربعة آلاف موقوفات ومراسيل .

 

( 1 ) جلال الدين السيوطي ، تاريخ الخلفاء : 261 .
( 2 ) الوحي المحمدي : 212 ، ط 6 . نعم أنهاه ابن حجر في كتابه " بلوغ المرام " إلى ( 1596 ) حديثا لكن كثيرا منها لا يتضمن حكما شرعيا ، وإنما هي أحاديث أخلاقية وغيرها ، فلاحظ . ( * )

 
 

- ص 278 -

ويقول أيضا في تفسيره : يقولون إن مصدر القوانين الأمة ، ونحن نقول بذلك في غير المنصوص في الكتاب والسنة . كما قرره الإمام الرازي والمنصوص قليل جدا ( 1 ) .

وما ذكره من قضية الإمداد ، يوحي إلى الموقوفات عن الصحابة ، من دون أن يثبت صدورها عن النبي ( صلى الله عليه وآله ) فهذه الموقوفات تعرب عن اجتهادات الصحابة في المسألة .

ومن المعلوم أن قول الصحابي لا يكون حجة إلا إذا نسبه إلى الرسول ( صلى الله عليه وآله ) .
هذا وإن الحافظ ابن حجر العسقلاني ( ت 852 ه‍ ) جمع كل ما ورد في مجال التشريع في كتاب أسماه بلوغ المرام من أدلة الأحكام ( 2 ) وهو كتاب صغير جدا .

إن افتقاد النص في مجال التشريع الذي واجه فقهاء أهل السنة بعد رحلة الرسول ( صلى الله عليه وآله ) ، هو الذي دعاهم إلى التفحص عن الحل لهذه الأزمة حتى تسد حاجاتهم الفقهية ، فعكفوا على المقاييس الظنية التي ما أنزل الله بها من سلطان ، كالقياس ، والاستقراء ، والاستحسان ، وسد الذرائع ، وسنة الخلفاء ، أو سنة الصحابة ، أو رأي أهل المدينة ، إلى غير ذلك من القواعد ، أسسوا عليها فقههم عبر قرون متمادية ، وقد جاء ذلك نواة لتأسيس علم أصول الفقه بصورة مختصرة نمت ونضجت في الأجيال .

وأما الشيعة فحيث إنهم لم يفتقدوا سنة الرسول بعد وفاته لوجود باب علم النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، علي ( عليه السلام ) والأئمة المعصومين بين ظهرانيهم ، فلم تكن هناك أية حاجة للعمل بتلك المقاييس ، وبالتالي لم يكن هناك أي دافع للاتجاه نحو أصول الفقه .
نعم لما كان الإسلام دينا عالميا ، والنبي ( صلى الله عليه وآله ) خاتم الأنبياء ، والأصول والسنن

 

( 1 ) تفسير المنار 5 : 189 . 

( 2 ) بلوغ المرام من أدلة الأحكام ، ط مصر تحقيق محمد حامد الفقي . ( * )  
 

- ص 279 -

مهما كثرت لا يمكن أن تلبي بحرفيتها حاجات المسلمين إلى يوم القيامة ، انبرى أئمة أهل البيت إلى إملاء ضوابط وقواعد يرجع إليها الفقيه عند فقدان النص أو إجماله أو تعارضه إلى غير ذلك من الحالات التي يواجه بها الفقيه .

وتلك الأصول هي التي تكون أساسا لعلم أصول الفقه ، ولقد جمعها عدة من الأعلام في كتاب خاص أفضلها " الفصول المهمة في أصول الأئمة " للشيخ المحدث الحر العاملي المتوفى سنة ( 1104 ه‍ ) .

ومن هنا فإنا يمكننا القول إن وجود أئمة أهل البيت ( عليهم السلام ) بين ظهراني الشيعة أغنى هذه الطائفة عن الحاجة الملحة لتدوين مسائل أصول الفقه إبان تلك الفترة الماضية ، إلا أن هذا لا يعني أنه لم ينبر لفيف من صحابة الأئمة لدراسة بعض مسائل الفقه نظير :
 1 - هشام بن الحكم ( ت 199 ه‍ ) ، صنف كتاب الألفاظ ( 1 ) .
 2 - يونس بن عبد الرحمن ، صنف كتاب اختلاف الحديث ومسائله . وهو مبحث تعارض الحديثين ( 2 ) .
 3 - إسماعيل بن علي بن إسحاق بن أبي سهل بن نوبخت ( 237 - 311 ه‍ ) .
قال عنه النجاشي : كان شيخ المتكلمين من أصحابنا . وذكر مصنفاته وعد منها كتاب الخصوص والعموم ( 3 ) . وذكره ابن النديم في فهرسته ، وعد من مصنفاته كتاب إبطال القياس ، وكتاب

 

( 1 ) النجاشي : الرجال 2 : 398 / 1165 وهو مردد بين كونه كتاب لغة أو أدب ، أو كونه باحثا عن الألفاظ التي يستخدمها الفقيه في استنباط الأحكام لكون الأمر للوجوب والمرة والتكرار ، أو الفورية والتأخير إلى غير ذلك .
( 2 ) الطوسي : الفهرست : 211 / 810 والنجاشي 2 : 420 .
( 3 ) النجاشي ، الرجال 1 : 121 برقم 67 . ( * )

 
 

- ص 280 -

نقض اجتهاد الرأي على ابن الراوندي ( 1 ) .
 4 - أبو محمد الحسن بن موسى النوبختي ، من علماء القرن الثالث ، له كتاب الخصوص والعموم والخبر الواحد والعمل به ( 2 ) .
 5 - أبو منصور صرام النيشابوري ، من علماء القرن الثالث وأوائل القرن الرابع ، له إبطال القياس ( 3 ) .
 6 - محمد بن أحمد بن داود بن علي ( ت 368 ه‍ ) ، قال النجاشي : شيخ هذه الطائفة وعالمها ، له كتاب الحديثين المختلفين ( 4 ) .
 7 - محمد بن أحمد بن الجنيد المتوفى سنة ( 381 ه‍ ) ، له كتاب كشف التمويه والالتباس في إبطال القياس ( 5 ) .
والطابع السائد على هذه الكتب هو دراسة بعض المسائل الأصولية ، كحجية خبر الواحد ، أو حل مشكلة اختلاف الحديثين ، أو نقد بعض الأساليب الرائجة في تلك الأجيال في استنباط الأحكام ، كالقياس وغيره ، ولا يصح عدها كتبا أصولية بالمعنى المصطلح .
نعم ، يمكن عدها مرحلة أولى ونواة بالنسبة إلى المرحلة الثانية .

وأما المرحلة الثانية فقد امتازت بالسعة والشمول ، بإدخال كثير من المسائل الأدبية والكلامية في علم أصول الفقه ، وأول من فتح هذا الباب للشيعة على مصراعيه :
 1 - معلم الأمة الشيخ المفيد ( 336 - 413 ه‍ ) ألف رسالة في هذا المضمار

 

( 1 ) ابن النديم ، الفهرست : 265 ط مطبعة الاستقامة القاهرة .
( 2 ) النجاشي ، الرجال 1 : 180 - 181 / 146 .
( 3 ) الطوسي ، الفهرست ، قسم الكنى 381 / 588 .

( 4 ) النجاشي ، الرجال 2 : 305 / 1046 .
( 5 ) المصدر نفسه 2 : 304 / 1048 . ( * )
 
 

- ص 281 -

وأدرجها تلميذه العلامة الكراجكي في كتابه كنز الفوائد ( 1 ) .
وألف بعده تلميذه الجليل علم الهدى المعروف بالسيد المرتضى كتابه القيم " الذريعة إلى أصول الشريعة " ، والذي طبع في جزأين ، وقد رأيت منه نسخة مخطوطة في مدينة قزوين كتب فيها : إن تاريخ فراغ المؤلف منه عام ( 400 ه‍ ) .

 2 - الشيخ الطوسي : ( 385 - 460 ه‍ ) ألف كتاب عدة الأصول والذي يحتل مكانة رفيعة في هذا الميدان ، حتى أنه أعيد طبعه لمرات متكررة . وهكذا يمكن القول بأن هذه الكتب كونت اللبنة الأساسية التي توسعت بواسطتها وانتشرت آراء الشيعة في علم الأصول .

وأما في المرحلة الثالثة من مراحل تطور علم الأصول لدى الشيعة فقد شهدت بزوغ جملة واسعة من كبار العلماء توسعوا بشكل كبير في تثبيت وشرح الأبعاد الأساسية لعلم الأصول ، فكان من نتاج تلك المرحلة :
 1 - التقريب في أصول الفقه للشيخ أبي ليلى المعروف بسلار بن عبد العزيز الديلمي صاحب المراسم ، توفي عام ( 463 ه ) ( 2 )
- غنية النزوع إلى علمي الأصول والفروع ، تأليف أبي المكارم حمزة بن علي المعروف بابن زهرة ، المتوفى عام ( 585 ه ) ( 3 )
- المصادر ، تأليف الشيخ سديد الدين الحمصي ، المتوفى حدود سنة ( 600 ه‍ ) .

هذه هي المراحل الثلاث التي مر بها علم الأصول ، وقد تلتها مراحل أخرى إلى أن بلغت في القرن الرابع عشر ذروتها وقمتها ، وأعلى مراحل كمالها ، ويتضح ذلك من ملاحظة ما ألف من عصر الأستاذ الأكبر المحقق البهبهاني ( 1118 - 1206 ه‍ ) إلى يومنا ، فقد راج التحقيق في المسائل الأصولية من عصره إلى عصر الشيخ

 

( 1 ) كنز الفوائد 2 : 15 - 30 ، ط بيروت . ( * )

 
 

- ص 282 -

مرتضى الأنصاري ( 1212 - 1281 ه‍ ) وعصر تلميذه الشيخ محمد كاظم الخراساني ( 1255 - 1329 ه‍ ) ففي هذه الفترة ، أي القرون الثلاثة ، ألفت مئات الكتب والرسائل في ذلك المجال ، ولا أغالي إذا قلت : إنه لم تبلغ طائفة من الطوائف الإسلامية تلك الدرجة التي وصلت إليها الشيعة في علمي الفقه والأصول من جانب كثرة الإنتاج والاستيعاب ودقة النظر ، شكر الله مساعيهم .


 شبكة البتول عليها السلام  @ 11-2006  -  www.albatoul.net

إنتاج : الأنوار الخمسة للإستضافة والتصميم @ Anwar5.Net