8 - قدماء الشيعة وعلم الحديث
إن السنة هي المصدر الثاني للثقافة الإسلامية بجميع مجالاتها ، ولم يكن شئ أوجب بعد كتابة القرآن وتدوينه وصيانته من نقص أو زيادة ، من كتابة حديث الرسول ( صلى الله عليه وآله ) وتدوينه وصيانته من الدس والدجل ، وقد أمر به الرسول الأكرم ( صلى الله عليه وآله ) غير مرة ، فقد روى الإمام أحمد عن عمر بن شعيب عن أبيه عن جده أنه قال للنبي ( صلى الله عليه وآله ) : يا رسول الله أكتب كل ما أسمع منك ؟ قال : " نعم " . قلت : في الرضا
والسخط ؟ قال ( صلى الله عليه وآله ) : " نعم ، فإنه لا ينبغي لي أن أقول في ذلك إلا حقا " ( 1 ) .
إن الله سبحانه أمر بكتابة الدين حفظا له ، واحتياطا عليه ، وإشفاقا من دخول الريب فيه ، فالعلم الذي حفظه أصعب من حفظ الدين أحرى بأن يكتب ويحفظ من دخول الريب والشك فيه ( 2 ) .
فإذا كان النبي ( صلى الله عليه وآله ) لا ينطق عن الهوى وإنما ينطق عن الوحي الذي يوحى إليه ( 3 ) فيجب حفظ أقواله وأفعاله أسوة بكتاب الله المجيد ، حتى لا يبقى المسلم في حيرة من أمره ، ويستغني عن المقاييس الظنية والاستنباطات الذوقية . وبالرغم من وضوح الأمر وأهميته القصوى إلا أن الخلافة الإسلامية باجتهاداتها حالت دون ذلك ، بل وحاسبت عليه حتى أن الخليفة الثاني عمر بن الخطاب قال لأبي ذر وعبد الله بن مسعود وأبي الدرداء : " ما هذا الحديث الذي تفشون عن محمد ؟ " ( 4 ) .
ولقد أضحى عمل الخليفة سنة فاتبعه عثمان ومشى على خطاه معاوية ، فأصبح ترك كتابة الحديث سنة إسلامية ، وعدت الكتابة شيئا منكرا مخالفا لها . إن الرزية الكبرى هي المنع عن التحدث بحديث رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وكتابته وتدوينه ، وفسح المجال في نفس الوقت للرهبان والأحبار للتحدث بما عندهم من صحيح وباطل ، ولقد أذن عمر لتميم الداري النصراني الذي استسلم في عام تسعة من الهجرة أن يقص ( 5 ) .
|
( 1 ) مسند أحمد 2 : 207 . ( 2 ) الخطيب البغدادي ، تقييد العلم : 70 . ( 3 ) اقتباس من قوله سبحانه : { مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى } ، النجم : 2 - 4 . ( 4 ) كنز العمال 10 : 293 / 29479 . وفيه : ما هذه الأحاديث التي قد أفشيتم عن رسول الله في الآفاق . ( 5 ) كنز العمال 10 : 281 . ( * ) |
| |
ولما تسنم عمر بن عبد العزيز منصب الخلافة ، أدرك ضرورة تدوين الحديث ، فكتب إلى أبي بكر بن حزم في المدينة ، أن يقوم بتدوين الحديث قائلا : إن العلم لا يهلك حتى يكون سرا ( 1 ) .
ومع ذلك فلم يقدر ابن حزم على القيام بما أمر به الخليفة ، لأن رواسب الحظر السابق المؤكد من قبل الخلفاء حالت دون أمنيته ، إلى أن زالت دولة الأمويين وجاءت دولة العباسيين ، فقام المسلمون بتدوين الحديث في عصر أبي جعفر المنصور سنة ( 143 ه ) ، وأنت تعلم أخي القارئ الكريم أن الخسارة التي لحقت بالتراث الإسلامي من منع تدوين السنة لا تجبر بتدوينه بعد مضي قرن ونيف ، وبعد موت الصحابة وكثير من التابعين الذين رأوا النور المحمدي وسمعوا منه الحديث ، ولم يحدثوا بما سمعوه إلا سرا ومن ظهر القلب إلى مثله . أضف إلى ذلك أن الأحبار والرهبان والمأجورين للبلاط الأموي نشروا كل كذب وافتراء بين المسلمين .
اهتمام الشيعة بتدوين الحديث : قام الإمام أمير المؤمنين علي ( عليه السلام ) بتأليف عدة كتب في زمان النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، فقد أملى رسول الله كثيرا من الأحكام عليه وكتبها الإمام واشتهر بكتاب علي ، وقد روى عنه البخاري في صحيحه في باب " كتابة الحديث " ( 2 ) وباب " أثم من تبرأ من مواليه " ( 3 ) وتبعه ( عليه السلام ) ثلة من الصحابة الذين كانوا شيعة له ، وإليك أسماء من اهتم بتدوين الآثار وما له صلة بالدين ، وإن لم يكن حديث الرسول .
|
( 1 ) صحيح البخاري 1 : 27 . ( 2 ) صحيح البخاري 1 : 27 كتاب العلم . |
( 3 ) المصدر نفسه 8 : 154 ، كتاب الفرائض ، الباب 20 . ( * ) |
| |
1 - قام أبو رافع صحابي الرسول ( صلى الله عليه وآله ) بتدوين كتاب السنن والأحكام والقضايا ( 1 ) .
2 - وقام الصحابي الكبير سلمان الفارسي : ( ت 34 ه ) بتأليف كتاب حديث الجاثليق الرومي الذي بعثه ملك الروم بعد وفاة الرسول ( صلى الله عليه وآله ) . قال الشيخ الطوسي : روى سلمان حديث الجاثليق الذي بعثه ملك الروم بعد النبي ( صلى الله عليه وآله ) ( 2 ) .
3 - وألف الصحابي الورع أبو ذر الغفاري المتوفى سنة 32 ه كتاب الخطبة التي يشرح فيها الأمور بعد رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ( 3 ) .
هذا ما يرجع إلى الصحابة من الشيعة ، وأما الشيعة من غير الصحابة - أعني : التابعين وتابعي التابعين منهم - فقد قام عدد منهم بتدوين السنة إلى عصر الغيبة الكبرى ، وقد تكفلت بذكرهم وذكر تآليفهم معاجم الرجال قديما وحديثا ، وإليك عرضا موجزا من محدثي الشيعة ومؤلفيهم في القرن الأول وبداية القرن الثاني .
طبقات محدثي الشيعة الطبقة الأولى : 1 - الأصبغ بن نباتة المجاشعي ، كان من خاصة أمير المؤمنين ( عليه السلام ) روى عنه ( عليه السلام ) عهد الأشتر ، ووصيته إلى ابنه محمد ( 4 ) .
2 - عبيد الله بن أبي رافع المدني ، مولى النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، كان كاتب أمير المؤمنين ( عليه السلام ) له
|
( 1 ) النجاشي ، الرجال 1 : 64 / 1 . ( 2 ) الطوسي الفهرست : 8 . |
( 3 ) المصدر نفسه : 54 . ( 4 ) النجاشي الرجال 1 : 70 / 4 . ( * ) |
| |
كتاب قضايا أمير المؤمنين ( عليه السلام ) وتسمية من شهد مع أمير المؤمنين الجمل وصفين والنهروان ( 1 ) .
3 - ربيعة بن سميع ، له كتاب في زكاة النعم عن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ( 2 ) .
4 - سليم بن قيس الهلالي ، أبو صادق ، له كتاب مطبوع باسم : سليم بن قيس .
5 - علي بن أبي رافع ، قال النجاشي عنه : تابعي من خيار الشيعة ، كانت له صحبة مع أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، وكان كاتبا له ، وحفظ كثيرا ، وجمع كتابا في فنون من الفقه : الوضوء ، والصلاة ، وسائر الأبواب ( 3 ) .
6 - عبيد الله بن الحر الجعفي ، الفارس ، الفاتك ، الشاعر ، له نسخة يرويها عن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ( 4 ) .
7 - زيد بن وهب الجهني ، له كتاب خطب أمير المؤمنين ( عليه السلام ) على المنابر في الجمع والأعياد وغيرها ( 5 ) .
الطبقة الثانية : 1 - الإمام السجاد زين العابدين علي بن الحسين ( عليهما السلام ) ، له الصحيفة الكاملة ، المشتهرة بزبور آل محمد ( عليهم السلام ) .
2 - جابر بن يزيد بن الحارث الجعفي ، أبو عبد الله ، ( ت 128 ه ) ، له كتب ( 6 ) .
|
( 1 ) الطوسي ، الفهرست : 107 . ( 2 ) النجاشي ، الرجال 1 : 67 / 2 . ( 3 ) النجاشي ، الرجال 1 : 65 / 1 . |
( 4 ) المصدر نفسه 1 : 71 / 5 . ( 5 ) الطوسي ، الفهرست : 72 . ( 6 ) النجاشي ، الرجال 1 : 313 / 330 . ( * ) |
| |
3 - لوط بن يحيى بن سعيد ، شيخ أصحاب الأخبار بالكوفة ، له كتب كثيرة ، أوردها الشيخ في رجاله وعده في أصحاب الحسن والصادق ( عليهما السلام ) ( 1 ) .
4 - جارود بن منذر ، الثقة ، أورده الشيخ في أصحاب الحسن والباقر والصادق ( عليهم السلام ) ، له كتب ( 2 ) .
الطبقة الثالثة : وهم من أصحاب السجاد والباقر ( عليهما السلام ) : 1 - برد الإسكاف ، من أصحاب السجاد والصادقين ( عليهم السلام ) ، له كتاب ( 3 ) .
2 - ثابت بن دينار ، أبو حمزة الثمالي الأزدي ، الثقة ، ( ت 150 ه ) ، روى عنهم ( عليهم السلام ) ، له كتاب ، وله النوادر والزهد ، وله تفسير القرآن ( 4 ) .
3 - ثابت بن هرمز الفارسي ، أبو المقدم العجلي ، مولاهم الكوفي ، روى نسخة عن علي بن الحسين ( عليهم السلام ) ( 5 ) .
4 - بسام بن عبد الله الصيرفي ، مولي بني أسد ، أبو عبد الله ، روى عن أبي جعفر وأبي عبد الله ( عليهما السلام ) ، له كتاب ( 6 ) .
5 - محمد بن قيس البجلي ، له كتاب قضايا أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ( 7 ) .
6 - حجر بن زائدة الحضرمي ، روى عن الباقر والصادق ( عليهما السلام ) ، له كتاب ( 8 ) .
|
( 1 ) الطوسي ، الرجال : 279 من أصحاب الصادق ( عليه السلام ) ولاحظ تعليقة المحقق . |
|
( 2 ) المصدر نفسه : 112 في أصحاب الباقر ( عليه السلام ) . ( 3 ) النجاشي ، الرجال 1 : 284 / 289 . ( 4 ) المصدر نفسه 1 : 289 / 294 . ( 5 ) المصدر نفسه 1 : 292 / 296 . |
( 6 ) المصدر نفسه 1 : 282 / 286 . ( 7 ) الطوسي ، الفهرست : 131 . ( 8 ) النجاشي ، الرجال 1 : 347 / 382 . ( * ) | |
7 - زكريا بن عبد الله الفياض ، له كتاب ( 1 ) .
8 - ثوير بن أبي فاختة " أبو جهم الكوفي " ، واسم أبي فاختة : سعيد بن علاقة ( 2 ) .
9 - الحسين بن ثور بن أبي فاختة ، سعيد بن حمران ، له كتاب نوادر ( 3 ) .
10 - عبد المؤمن بن القاسم بن قيس الأنصاري ، ( ت 147 ه ) ، عده الشيخ في رجاله من أصحاب السجاد والصادقين ( عليهما السلام ) ، له كتاب ( 4 ) .
ولقد خصص أبو عمرو الكشي بابا للمحدثين المتقدمين من الشيعة وجعله في صدر رجاله ، وتبعه النجاشي في رجاله فخص الطبقة الأولى بباب ، ثم أورد أسماء الرواة على حسب الحروف الهجائية .
ولقد أجاد الشيخ الطوسي في التعرف على طبقات الشيعة بعد رسول الله إلى عصره ، فذكر الأئمة الاثني عشر ، وذكر أصحاب كل إمام وفق الترتيب الزمني ، ثم ذكر بابا آخر باسم من لم يرهم ولكن روى عنهم بالواسطة .
وأحسن كتاب ألف في هذا المجال هو ما ألفه أستاذنا الجليل السيد النحرير المحقق البروجردي - رحمه الله - الذي أخرج رجال الشيعة في ( 34 ) طبقة ، من عصر الصحابة إلى زمانه ( 1292 - 1380 ه ) فهذا الكتاب يكشف عن سبق الشيعة في نظم الحديث وتدوينه ، وأنهم لم يقيموا لمنع الخلفاء وزنا ولا قيمة .
وبذلك حفظوا نصوص النبي الأكرم ( صلى الله عليه وآله ) وأهل بيته وقدموها إلى المجتمع الإسلامي ، فعلى جميع علماء المسلمين أن يتمسكوا بهذا الحبل الذي هو أحد الثقلين .
|
( 1 ) النجاشي ، الرجال 1 : 391 / 452 . ( 2 ) المصدر نفسه ، 295 / 301 . |
( 3 ) المصدر نفسه ، 166 / 124 . ( 4 ) المصدر نفسه ، 2 : 168 / 653 . ( * ) |
| |
هذا عرض موجز لمحدثي الشيعة من عصر الإمام أمير المؤمنين علي ( عليه السلام ) إلى عصر السجاد والباقر ( عليهما السلام ) وأما الطبقات الأخرى فيأتي الكلام في فصل قدماء الشيعة والفقه ، لأنهم تجاوزوا التحديث إلى درجة الاجتهاد .
|