1 - قدماء الشيعة وعلم البيان 2 - قدماء الشيعة وعلم النحو
إن دراسة القرآن بين الأمة ونشر مفاهيمه يتوقف على معرفة العلوم التي تعد مفتاحا له ، إذ لولا تلك العلوم لكانت الدراسة ممتنعة ، ونشرها في ربوع العالم غير ميسور جدا . بل لولا هذه العلوم ونضجها لحرم جميع المسلمين حتى العرب منهم
من الاستفادة من القرآن الكريم ، لأن الفتوحات فرضت على المجتمع العربي الاختلاط مع بقية القوميات ، وسبب ذلك خطرا على بقاء اللغة العربية ، وكان العرب عند ظهور الإسلام يعربون كلامهم على النحو الذي كان في القرآن ، إلا من خالطهم من الموالي والمتعربين ، ولكن اللحن لم يكثر إلا بعد الفتوح وانتشار العرب في الآفاق ، فشاع اللحن في قراءة القرآن ، فمست الحاجة الشديدة إلى ضبط قواعد اللغة ( 1 ) .
فقام أبو الأسود الدؤلي بوضع قواعد نحوية بأمر الإمام أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، فأبو الأسود إما واضع علم النحو أو مدونه ، وكان من سادات التابعين ، وقد صاحب عليا وشهد معه صفين ، ثم أقام في البصرة .
يقول الشيخ أبو الحسن سلامة الشامي النحوي : إن عليا دخل عليه أبو الأسود يوما . قال : فرأيته مفكرا ، فقلت له : ما لي أراك مفكرا يا أمير المؤمنين ؟ قال : " إني سمعت من بعض الناس لحنا ، وقد هممت أن أضع كتابا أجمع فيه كلام العرب " . فقلت : إن فعلت ذلك أحييت أقواما من الهلاك . فألقى إلي صحيفة فيها : " الكلام كله اسم وفعل وحرف ، فالاسم ما دل على المسمى ، والفعل ما دل على حركة المسمى ، والحرف ما أنبأ عن معنى وليس باسم ولا فعل " . وجعل يزيد على ذلك زيادات . قال : واستأذنته أن أصنع في النحو ما صنع ، فأذن ، وأتيته به فزاد فيه ونقص . وفي رواية : أنه ألقى إليه الصحيفة وقال له : " انح نحو هذه " فلهذا سمي النحو نحوا ( 2 ) .
|
( 1 ) جرجي زيدان : تاريخ آداب اللغة العربية 1 : 219 . ( 2 ) حسن الصدر ، تأسيس الشيعة : 51 ولقد بلغ الغاية في ذلك المجال فنقل كلمات المؤرخين فيما قام به الإمام وتلميذه في تأسيس علم النحو . ( * ) |
| |
ومن المعلوم أن هذه القواعد لم تكن لتسد الحاجة الملحة ، ولكن أبا الأسود قام بإكمالها وضبطها وبتمييز المنصوب من المرفوع ، والاسم من الفعل ، بعلامات نسميها الإعراب .
فالروايات مجمعة على أن أبا الأسود ( وهو شيعي المذهب توفي سنة ( 69 ه ) إما مدون علم النحو أو واضعه ، وأضحى ما دونه مصدرا لهذا العلم في العصور اللاحقة .
وهناك كلام لابن النديم دونك لفظه ، يقول : قال محمد بن إسحاق : زعم أكثر العلماء أن النحو أخذ عن أبي الأسود الدؤلي ، وأن أبا الأسود أخذ ذلك عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) . ثم نقل عن الطبري وقال : إنما سمي النحو نحوا لأن أبا الأسود الدؤلي قال لعلي ( عليه السلام ) وقد ألقى عليه شيئا من أصول النحو ، قال أبو الأسود : واستأذنته أن أصنع نحو ما صنع . فسمي ذلك نحوا ( 1 ) .
2 - وإذا كان أبو الأسود الدؤلي واضعا للنحو ، فالخليل بن أحمد الفراهيدي هو المنقح له والباسط له . قال أبو بكر محمد بن الحسن الزبيدي : والخليل بن أحمد ، أوحد العصر ، وفريد الدهر ، وجهبذ الأمة ، وأستاذ أهل الفطنة ، الذي لم ير نظيره ، ولا عرف في الدنيا عديله ، وهو الذي بسط النحو ومد أطنابه وبين علله وفتق معانيه وأوضح الحجاج فيه ، حتى بلغ أقصى حدوده ، وانتهى إلى أبعد غايته . . . وسيوافيك أن الخليل من أصحاب الإمام الصادق ومن شيعته . إن علماء الفريقين شاركوا في إنضاج هذا العلم وإيصاله إلى القمة . وليس للمنصف بخس حق طائفة لمصالح أخرى ، ولكن لما كان الهدف هو بيان دور الشيعة في تطوير العلوم وتتبعها فإنا نذكر من ألف في علم النحو من قدماء الشيعة فقط ، ومنهم :
|
( 1 ) ابن النديم ، الفهرست : 66 وللكلام صلة فمن أراد فليرجع إلى المصدر . ( * ) |
| |
1 - عطاء بن أبي الأسود : قال الشيخ الطوسي في باب أصحاب الحسين بن علي : ومنهم ابن أبي الأسود الدؤلي . وقال الحافظ السيوطي في الطبقات : عطاء ، أستاذ الأصمعي وأبو عبيدة ( 1 ) .
2 - أبو جعفر محمد بن الحسن بن أبي سارة الرواسي الكوفي : قال السيوطي : هو أول من وضع من الكوفيين كتابا في النحو وسماه الفيصل ، وهو أستاذ الكسائي والفراء ( 2 ) . قال النجاشي : روى هو وأبوه عن أبي جعفر وأبي عبد الله ( عليهما السلام ) وله : كتاب الوقف والابتداء ، وكتاب الهمز ، وكتاب إعراب القرآن ( 3 ) .
3 - حمران بن أعين ، أخو زرارة بن أعين : كان نحويا إماما فيه ، عالما بالحديث واللغة والقرآن ، أخذ النحو والقراءة عن ابن أبي الأسود ، وأخذ عنه الفراء ، وكان قد أخذ الحديث عن الإمام السجاد والباقر والصادق . وآل أعين بيت كبير بالكوفة من أجل بيوت الشيعة ، ولأبي غالب الزراري رسالة في ترجمة آل أعين قال : كان حمران من أكابر مشايخ الشيعة وكان عالما بالنحو واللغة ( 4 ) .
4 - أبو عثمان المازني ، بكر بن محمد : قال النجاشي : كان سيد أهل العلم بالنحو والعربية واللغة ، ومقدمته بذلك مشهورة ، وكان من علماء الإمامية ، قد تأدب على يد إسماعيل بن ميثم ( 5 ) ، له في الأدب : كتاب التصريف ، كتاب ما يلحن فيه العامة ،
|
( 1 ) تأسيس الشيعة : 65 . ( 2 ) المصدر نفسه : ص 67 . ( 3 ) النجاشي : الرجال 2 : 200 / 884 . |
( 4 ) أبو غالب ، رسالة في آل أعين : 2 - 3 بتلخيص . ( 5 ) وهو من أئمة المتكلمين الشيعة . ( * ) |
| |
التعليق . مات سنة 248 هـ ( 1 ) .
5 - ابن السكيت ، يعقوب بن إسحاق السكيت : كان مقدما عند أبي جعفر ( الجواد ) وأبي الحسن ( الهادي ) ( عليهما السلام ) وكانا يختصانه . وله عن أبي جعفر ( عليه السلام ) رواية ومسائل ، وقتله المتوكل لأجل تشيعه عام 244 ه ، وأمره مشهور . وكان وجيها في علم العربية واللغة ، ثقة ، مصدقا ، لا يطعن عليه . وله كتب : إصلاح المنطق ، كتاب الألفاظ ، كتاب ما اتفق لفظه واختلف معناه ، كتاب الأضداد ، كتاب المذكر والمؤنث ، كتاب المقصور والممدود ، و . . . ( 2 ) . وسبب قتله : أن المتوكل سأله يوما وهو يعلم ابنيه وقال : يا يعقوب ، أيهما أحب إليك ، ابناي هذان ، أم الحسن والحسين ؟ فأجابه : " إن قنبر خادم علي خير منك ومن ابنيك " فأمر المتوكل ، فسلوا لسانه من قفاه فمات ، وقد خلف بضعة وعشرين أثرا في النحو واللغة والشعر ( 3 ) .
6 - ابن حمدون ، أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن داود بن حمدون : قال فيه النجاشي : الكاتب النديم شيخ أهل اللغة ووجههم . أستاذ أبي العباس ( 4 ) وكان خصيصا بسيدنا أبي محمد العسكري وأبي الحسن قبله . له كتب . ثم ذكر كتبه ( 5 ) .
7 - أبو إسحاق النحوي ، ثعلبة بن ميمون : قال عنه النجاشي : كان وجها في أصحابنا ، قارئا ، فقيها ، نحويا ، لغويا ، راوية ، وكان حسن العمل ، كثير العبادة
|
( 1 ) النجاشي ، الرجال 1 : 272 / 277 وذكره ابن النديم في أخبار النحويين واللغويين : 90 ، والخطيب البغدادي في تاريخ مدينة بغداد ج 7 / 3529 . ( 2 ) رجال النجاشي 2 : 425 / 1215 . ( 3 ) جرجي زيدان : تاريخ آداب اللغة العربية 1 : 424 وترجمه ابن خلكان في وفياته ، وياقوت في طبقات الأدباء وغيرهم . ( 4 ) يريد ثعلبا ( 200 - 291 ه ) . ( 5 ) النجاشي : الرجال 1 : 237 / 228 . ( * ) |
| |
والزهد ، روى عن الصادق والكاظم ( 1 ) . وبما أن الإمام الكاظم توفي عام مائة وثلاثة وثمانين ، فهو من أهل المائة الثانية .
8 - قتيبة النحوي الجعفي الكوفي : قال النجاشي : المؤدب ، المقرئ ، ثقة عين ، روى عن الصادق ( عليه السلام ) ( 2 ) . وذكره السيوطي في بغية الوعاة ، ووصفه في تأسيس الشيعة بأنه إمام أهل النحو واللغة ( 3 ) .
9 - إبراهيم بن أبي البلاد : قال النجاشي : كان ثقة ، قارئا ، أديبا ، روى عن الصادق والكاظم ( عليهما السلام ) ( 4 ) .
10 - محمد بن سلمة اليشكري : قال النجاشي : جليل من أصحابنا الكوفيين ، عظيم القدر ، فقيه ، قارئ ، لغوي ، راوية ، خرج إلى البادية ولقى العرب وأخذ عنهم . وأخذ عنه يعقوب بن السكيت . ثم ذكر كتبه ( 5 ) ، وبما أنه شيخ ابن السكيت فهو من أهل المائة الثانية وأوائل الثالثة .
11 - أبو عبد الله النحوي ، الحسين بن أحمد بن خالويه : سكن حلب ومات بها ، وكان عارفا بمذهبنا ، مع علمه بعلوم العربية ، واللغة ، والشعر . وله كتب ، ومن كتبه : مستحسن القراءات والشواذ ، كتاب في اللغة ( 6 ) . ووصفه السيوطي في الطبقات : إنه إمام اللغة والعربية ، وغيرهما من العلوم الأدبية ، دفن ببغداد سنة 314 ه .
|
( 1 ) المصدر نفسه : 1 : 294 / 300 ، وذكره ابن حجر في لسان الميزان ج 2 برقم 332 . |
|
( 2 ) المصدر نفسه : 2 : 185 / 867 . ( 3 ) تأسيس الشيعة : 76 . ( 4 ) النجاشي ، الرجال 1 : 102 / 31 . |
( 5 ) المصدر نفسه 2 : 218 / 897 . ( 6 ) المصدر نفسه 1 : 188 / 159 . ( * ) | |
12 - أبو القاسم التنوخي : قال الشيخ رشيد الدين بن شهرآشوب : إنه من جملة الشعراء المجاهرين بالشعر في مدح أهل البيت . وقال ياقوت : كان في النحو وحفظ الأحكام وعلم الهيئة والعروض قدوة ، وكان يحفظ من اللغة والنحو شيئا عظيما ( 1 ) .
ما ذكرناه نماذج من أئمة اللغة من الشيعة الإمامية في القرون الأولى ، وأما من وليهم من الأئمة فحدث عنهم ولا حرج ، فإن ذكر أسمائهم ونبذ من حياتهم يدفعنا إلى تأليف كتاب مفرد ، وقد كفانا في ذلك ما كتبه السيد الصدر في هذا المجال ، فقد بلغ النهاية ، وقد ذكر أئمة النحو من الشيعة إلى القرن السابع ( 2 ) فبلغوا ( 140 ) إماما وأستاذا ومؤلفا في الأدب العربي ، ولا سيما النحو ، وبينهم شخصيات بارزة كالشريف المرتضى والشريف الرضي وابن الشجري الذي يقول في حقه السيوطي : كان أوحد زمانه ، وفرد أوانه في علم العربية ومعرفة اللغة وأشعار العرب ، توفي عام ( 542 ه ) . ونجم الأئمة الرضي الاسترآبادي ، إلى غير ذلك من الشخصيات البارزة .
|
( 1 ) تأسيس الشيعة : 91 . |
( 2 ) لاحظ تأسيس الشيعة : 39 - 137 . ( * ) | |
|