متون الكتب :  
الفهارس :  
أسماء الكتب والمؤلفين :  
4 ـ سلوكه مع الخلفاء
الكتاب : السقيفة    |    القسم : مكتبة رد الشبهات
4 ـ سلوكه مع الخلفاء

اما وقد تركنا الامام يغضي عن حقه ويقرر بالاخير خطة


( 157 )

الصبر على ما فيها من قذى وشجى فماذا تراه يتخذ من خطة في سياسته وسلوكه مع الخلفاء : أيستسلم فيسرع إلى بيعتهم كسائر الناس ويعمل لهم كما يعمل باق المسلمين أم يسلك بقدر ما تسمح به الضرورة وتقتضيه المصلحة للدين ؟
قد ابى بعض المؤرخين من القدماء والمحدثين إلا ان يصور الامام مسالما إلى أبعد حدود المسالمة ، فيسرع إلى البيعة عن طيبة خاطر ورضى بمن نصب لها ، ولكن البحث الصحيح يأبى علينا أن نسلم بهذا التسرع في النقل أو الحكم : فقد ثبت تأريخيا ان عليا لم يبايع ابا بكر إلا بعد موت فاطمة بضعة الرسول ، وفي تقدير ابن الاثير في تاريخه والبخاري ومسلم في صحيحهما وغيرهم انه ستة أشهر ، وفي كل هذه المدة هو جليس بيته لم يشترك في جماعة ولا جمعة ولا أمر ولا نهي ولم يسمع له صوت في حروب الردة وغيرها . واكثر من ذلك كان يطرق ابواب الانصار واهل السوابق ليلا حاملا معه فاطمة والحسنين يدعوهم إلى نفسه ويذكرهم عهد رسول الله صلى الله عليه وآله ، وهذا ما جعله معاوية من ذنوبه في كتابه السابق الذكر ، ثم انه كان يقرعهم بالحجة وينير لهم طريق المحجة ذلك قوله المتقدم : « فلما قرعته بالحجة » .
وهل يظن الظان انه كان يحاول في هذا العمل ان يتحولوا في البيعة وان يتركوا ما ابرموه وهو الذي اسدل دونها


( 157 )

ثوبا وطوى عنها كشحا ورأى الصبر على ذلك احجى وهو الذي يدعوه العباس وابو سفيان إلى البيعة فيأبي ؟ ان هذا الاباء وذاك الصبر لا يجتمعان مع تلكم المحاولة والدعوة إلى نفسه ما لم يكن يرمي الامام من وراء ذلك إلى غرض أسمى مما يظن ، انه كان يقيم الحجة في عمله على اولئك الناس ويفهمهم خطأهم فيما ارتكبوا وتنكبهم عن الحق فيما اسرعوا والى ذلك يشير فيما قال : « اللهم انت تعلم انه لم يكن الذي كان منا منافسة في سلطان ولا التماس شيء من فضول الطعام ولكن لنرد المعالم في دينك ونظهر الصلاح في بلادك » .
ويؤخذ من طيات التأريخ انه لم تأخذه هوادة في الدعاية والدعوة إلى مبدئه اظهارا لحقه واقامة للحجة على سواه ، فلا ينكر التأريخ اجتماع اصحابه عنده طيلة ايام انعزاله ، فيعتبره الطرف الآخر كمؤامرة يحاول ابطالها خشية توسعها ، فيرسل من يفرق القوم المجتمعين فيجتمعون . ولا ينكر التأريخ ايضا تطوافه على الانصار واهل السوابق كما قدمنا . ولا ينكر عدم اشتراكه في جمعة ولا جماعة ، وهو احرص على الشعائر الدينية والواجبات الالهية من أن يجرأ مجترئ على اتهامه بالمسامحة فيها .
وهذه المقاطعة وما إليها اعلان صريح برأيه فيما عليه القوم ولذا نرى الخليفة ابا بكر يتذمر من موقف الامام


( 159 )

فعرض فيه من خطبة : « يستعينون بالضعفة ويستنصرون بالنساء كأم طحال احب اهلها إليها البغي إلا اني لو اشاء ان أقول لقلت ولو قلت لبحت . اني ساكت ما تركت » . وفي هذا تخوف مما يظن انه سيقع وتهديد باذاعة أمر مكتوم . ما أدري ـ ولا أظن أحد يدري اليوم ـ أي شيء هذا الامر الذي يهدد الخليفة بافشائه ، والظنون تذهب ولا تقف على شيء معين !
وزبدة المخض : انا نفهم من كل ذلك ان خطة الامام في حياة فاطمة كانت المقاطعة والدعوة إلى مبدئه وان يقعد حجزة الضنين ـ على تعبير فاطمة نفسها ـ معتزا بوجودها ، وقد جاهدت معه في هذا المضمار جهادا له الاثر فيما بعد في تركيز مقام الامام في ذهنية المجتمع الاسلامي . ولا ننسى خطبتها البليغة التي يرن صداها إلى اليوم .
ولذا نراه بعد وفاتها يبدل خطته ، فبايع ، ويبايع معه اهل بيته واصحابه ، ويدخل فيما يدخل فيه القوم . ولكن إلى حد محدود بقدر ما تحكم به الضرورة الدينية للاحتفاظ بالجامعة الاسلامية .
لنسمعه يحدثنا هو عن تبديل خطته في كتابه إلى اهل مصر : « فأمسكت يدي ، حتى رأيت راجعة الناس قد رجعت عن الاسلام يدعون إلى محق دين محمد صلى الله عليه وآله ،


( 160 )

فخشيت ان لم انصر الاسلام وأهله ان أرى فيه ثلما أو هدما تكون المصيبة به علي اعظم من فوت ولايتكم . . » .
ولم تكن نصرته للاسلام وأهله إلا بسكوته عن حقه ومتابعته للقوم ، ونصيحته لهم في مواقع النصح ، وإلا فلم يشترك معهم في طعنة رمح ولا ضربة سيف في جميع المواقف إلى يوم بويع بالخلافة .
وماذا يظن الظان في من جاهد وجالد في سبيل الاسلام عشرين عاما ، وفي كل هذه المدة كان سيفه يقطر من دماء المشركين ، ولم تثر حرب إلا وهو ابن بجدتها ، وحامل لوائها ، ومقطر أبطالها والمقذوف في لهواتها ؟ ماذا يظن الظان فيه عندما يجلس جلس البيت عن هذا الدين الذي قام بسيفه ، وقد تألبت العرب عليه واشرأبت اعناق النفاق ؟ والجهاد فرض من فروض الاسلام ، أكان ذلك زهدا في الجهاد وتواكلا عن الواجب ، أم ماذا ؟ أهناك غير ما نقول من رأيه في المقاطعة إلا ما تدعو إليها ضرورة المحافظة على الجامعة .
وقد يقول القائل : ان الخلفاء هم الذين لم يدعوه إلى الدخول معهم في الحروب والاشتراك في الحكم لمصلحة يرونها ، وما كان يجب عليه ان يقدم نفسه متبرعا ، كما لم يدع إلى ذلك جميع الهاشميين ، ولم يسمع ان هاشميا اشترك قائدا في حرب أو حكم في عهد الخلفاء الثلاثة . ويشهد لذلك


( 161 )

المحاورة (1) بين الخليفة عمر بن الخطاب وابن عباس حينما يدعوه إلى العمل في حمص ، فيقل لابن عباس : « وفي نفسي شيء لم أره منك وأعياني ذلك » ثم يصرح بذلك الشيء : « اني خشيت ان يأتي علي الذي هو آت وأنت في عملك فتقول : هلم إلينا ولا هلم اليكم دون غيركم اني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل الناس وترككم » .
فيقول ابن عباس : فلم نراه فعل ذلك ؟
فقال عمر : والله ما أدري اضن بكم عن العمل ، فأهل ذلك انتم ، أم اخشى ان تبايعوا بمنزلتكم منه ، فيقع العقاب ولا بد من عتاب ؟
وعندئذ يمتنع ابن عباس عن قبول العمل ويقول : ان اعمل لك وفي نفسك ما فيها لم ابرح قذى في عينيك .
أليست هذه المحاورة شاهدة على ان الخلفاء هم الذين كانوا يمتنعون عن استعمال بني هاشم خوف ان يستغلوا مناصبهم للدعوة إلى أنفسهم ؟
وللمجيب ان يجيب ، فيقول : ان امتناع الخلفاء عن استعمال علي وبني هاشم ـ ان صح ـ فهو دليل آخر على سيرة الامام معهم ، واستعماله خطة يخشون معها ان يأخذ وقومه ناصية الامر ان تولوا عملا من الاعمال . على انا لا
____________
(1) راجع مروج الذهب ( 1 : 427 ) .
( 162 )

نعدم شاهدا على ان عليا هو الذي كان يمتنع عن قبول اعمالهم ، فلنستمع إلى الحديث الذي جرى بين الخليفتين عمر وعثمان .
يشير عثمان على عمر : « ابعث رجلا ـ أي لحرب فارس ـ له تجربة بالحرب ومضر بها .
عمر : من هو ؟
عثمان : علي بن أبي طالب !
عمر : فالقه وكلمه وذاكره ذلك ، فهل تراه مسرعا إليه ؟
فيخرج عثمان . ويلقى عليا ، فيذاكره فيأبى علي ذلك ويكرهه » .
تأمل استفهام عمر وشكه في قبول علي ، ثم امتناع علي وكراهيته للامر ! وما نستنتج من ذلك ؟
من هذا وامثاله نعرف ماذا كان علي عليه السلام يتبع في سيرته مع القوم ، وما كان يجري عليه في معاملته معهم ، حتى كان يخفت صوته في جميع الحروب والمواقف ، وكأنه ليس من المسلمين أو ليس موجودا بينهم ، وهو منهم في الرعيل الاول ، اللهم إلا صوته إذا استشير ونبراس علمه إذا استفتي ، حتى اشتهر عن عمر كلمته « لولا علي لهلك عمر » أو « لا كنت لمعضلة ليس لها ابو الحسن » .


( 163 )

وتتبع استشاراته واحكامه في كثير من الوقائع يخرج بنا إلى موضوع آخر يحتاج إلى كتاب آخر .

انتهى
29 جمادى الاولى 1368 هـ

 شبكة البتول عليها السلام  @ 11-2006  -  www.albatoul.net

إنتاج : الأنوار الخمسة للإستضافة والتصميم @ Anwar5.Net