9 ـ المهاجرون يربحون الموقف
إن الحقيقة هي التي وصفناها لك . إن القوم قد تكهربوا بدعوة المهاجرين وتهيئوا لبيعة واحد منهم بالرغم من وجود التنافس بين الحزبين كما أشرنا إليه وصرح به أبو بكر في خطبته التي تقدمت في البحث « 3 » إذ قال : « فقد جلس بين لحي اسد يقضمه المهاجري ويجرحه الانصاري » وزاد في تهيئهم هذا منافسة الاوس للخزرج وحسدهم لسعد . وطبيعي ان تنافس القريب اكثر أثرا من منافسة البعيد مهما كانت .
ولذلك نرى ابا بكر لما سمع مقالة بشير لم يتأخر عن تقرير النتيجة من هذا النقاش ، فلا بد انه علم بانقلاب الجمع تأثرا بدعوتهم كيف وهو قد هيمن عليهم ونومهم تنويما مغناطيسيا ، فيعرف كيف سخره وقاده فقدم للبيعة أحد الرجلين اللذين معه : عمر بن الخطاب وابي عبيدة الجراح ، وقال : « قد رضيت لكم أحد هذين الرجلين فأيهما شئتم فبايعوا » .
وقد جرى في هذا الكلام هنا على نفس تلك الطريقة التي سلكها في خطبته المتقدمة في البحث « 7 » من ترفعه عن مقام المعارضة ، وتجريده من نفسه حكما للحزبين يختار لهما ما هو الصالح باجتهاده ، فاختار لهم احد هذين الرجلين .
ولكن الجمهور كما قلنا ضعيف الرأي والاختيار ،
( 138 ) لايعرف ان يختار ولا يعرف ان يعين ما يختار ، ويبقى في مثل هذا الحال منتظرا اشارة من سخرة ونومه التنويم المغاطيسي أو لاي شخص آخر يفاجئه بارادة قوية حازمة ، فلو ان احدا من الحاضرين قام فبايع احدا منهما عمر أو أبا عبيدة لبويع وانتهى كل شيء . ولو ان ابا بكر عين واحدا لما تأخروا عن بيعته ، ولكن هذا الترديد بين الرجلين يظهر انه كان مقصودا تمهيدا لارجاع الامر إليه ، ولعله عن تفاهم سابق واتفاق بين الثلاثة ليتعاقبوا هذا الامر . ولذلك تمنى عمر عند الموت ان يكون ابو عبيدة حيا ليعهد إليه .
اما هما فقد أبيا عليه وقال عمر : « لا والله لا نتولى الامر عليك ابسط يدك نبايعك ! » قال هذا القول ولم يترك فرصة تستغل للرد والحجاج ، فحقق القول بالعمل ، وأقدم بارادة جازمة لا تعرف التردد يتطلبها الموقف الدقيق ، فذهب ليبايع ابا بكر ، ولم يتمنع ابو بكر فمد يده ، ولكن بشير بن سعد هذا الذي تقدمت خطبته سابق عمر بن الخطاب إليها فوضع يده بين يديهما مبايعا ، كأنما اراد بذلك ان يحرز الفضيلة في السبق أو ليبرهن على اخلاصه للمهاجرين ، بل هذا من اندفاعات الجمهور المدهشة بنتيجة انفعالهم بالمؤثرات التي تطرأ عليهم .
وهو من ابلغ الشواهد على ما قلنا من تكهرب نفوس جمهور السقيفة بتلك المؤاثرات التي استعملها ابو بكر بتلك
( 139 ) الحذاقة واللباقة ، فان لبعض الالفاظ والجمل سلطانا لا يضعفه العقل ولا يؤثر فيه الدليل . الفاظ وجمل يفوه بها الخطيب خاشعا أمام الجمهور ، فلا تكاد تخرج من فيه حتى تعلو الوجوه هيبتها وتعنو القلوب لها احتراما كأن فيها قوة إلهية أو موجة سحرية ، فتثير تارة في النفوس أشد الصواعق من الغضب ، وتسكنها تارة إذا جاشت فتمزق اشلاءها وتقودها إلى حيث يريد المتكلم راضية قانعة (1) .
ويظهر ان عمر ايضا أدرك حقيقة الموقف وكيف قد ربحه المهاجرون فلم يبق إلا أن يصدر أحدهم الحكم الفاصل في تعيين من يبايع منهم ، فأقدم على بيعة ابي بكر ـ كما رأيناه ـ غير متردد ولا متخوف ولا مستشير ، ومد يده مسرعا . وإلا فان الامر أعظم من أن يتم بهذه السرعة والسهولة التي كانت : باقدام شخص واحد يعقد البيعة لشخص آخر الظاهر ظهور الشمس انه صاحبه المنحاز إليه في وقت هو احد ثلاثة أو أربعة من الحزب المعارض لقوم في عقر دارهم معتزين بقوتهم يريدون أن يملكوا أعظم سلطان لاعظم أمة ، وهو لم يأخذ رأيهم وتصديقهم على ما أراد (2) . ____________ (1) راجع كتاب « روح الاجتماع » المعرب لغستاف لبون ص 113 . (2) على انه قال بعد ذلك في خلافته : « فمن بايع اميرا من غير مشورة المسلمين فلا بيعة له ولا بيعة للذي بايعه تغرة يقتلا » راجع كنز العمال الجزء الثالث رقم الحديث 2323 .
( 140 ) وإنما اقدم كأن الامر لا يدور إلا بينه وبين ابي بكر كأمر ثابت لاشك فيه . وهذه مغامرة خطيرة لها ما بعدها ، ولم تكن منه إلا لانه أدرك نضج القوم وتهيئهم لبيعة أحد المهاجرين .
ولذلك لم نجد معارضة من القوم ، بل الاوس ذهبت جميعها مسرعة للبيعة من غير تردد ولا تلكؤ يقدمها أسيد بن حضير بعد ان قالت ما قالت كما تقدم في البحث « 3 » . ثم تبعهم جميع الانصار ما عدا سعدا ومن كان شديد التعصب له كأبنه قيس والحباب . ولا شك ان للعدوى أثرها الفعال في الجماعات فتسري سريان النار في الهشيم ، أو تيار الكهرباء في سلكه ، فقد وجدنا كيف كان هلعهم في تزاحمهم على البيعة وتسابقهم إليها ، كأنما تفوت دونها الفرصة ، فأقبلوا من كل جانب يبايعون ابا بكر ، حتى ازدحموا على سعد بن عبادة السيد المطاع في الخزرج بل الانصار كلهم ، هذا الزعيم الذي كان قبل ساعة مرشحا للبيعة خليفة للنبي وأميرا على جميع المسلمين ، وكادوا يطأونه فيقتلونه وهو مزمل وجع ، فحمل إلى داره صفر اليدين .
وهذا ألطف شيء في تناقض أفعال الجمهور وعدم ثباته وتطرفه في اعماله وآرائه وشدة نزقه ، فانه لا يعرف الحلم والصبر ولا قمع النفس عن الاسترسال في نزعاتها ، ولا المحافظة على الآداب العامة المصطلح عليها ، وهو مع ذلك كثير النسيان لاحواله السابقة .
أما الحباب ـ ولا ينبغي أن ننساه ـ لما رأى اقبال الناس على البيعة انتضى سيفه ، فحامله عمر فضرب يده ، فندر السيف ، فأخذ منه . فجعل يضرب بثوبه وجوههم حتى فرغوا من البيعة ، ولكن من المعلوم أنه لم يصنع شيئا ولم يستطيع رد جماح أي شخص من قومه حتى تمت البيعة مرغما ، وصدق فيه وفي قومه المثل المشهور « رب ساع لقاعد » . وليتني أراه في تلك الساعة كيف كان حاله فتزبد شدقاه ويتميز غيظا ويعض على أنامله وقد ملكت حواسه سورة الغضب ، وماذا كان يقول لقومه ولنفسه بعد ذلك الذي مضى منه من التهديد والوعيد ثم ذهب هباء وخار ضعفا ؟ لا شك انه لو كان من ابناء هذه المدينة الحديثة متشبعا بعاداتها ، لكان ـ هو على مثل هذه الحال ـ ضحية الانتحار ليتخلص من شنارها ويستر عارها .
|