6 ـ تأثير دخول المهاجرين في اجتماع الانصار
لنجئ الآن مع ابي بكر وعمر وابي عبيدة إلى السقيفة ، فنرى الانصار مجتمعين يتداولون الحديث ، وسعد بن عبادة بينهم مزمل وجع يخطب فيهم وقد ترأس حفلهم مرشحا للخلافة . ولا نشك ان الانصار الآن في لغط وحماس ، قد اخذت الانانية والفخر بأطرافهم معدين للوثبة عدتها ، يريدون في اجتماعهم السري هذا ان يقبضوا على ناصية هذا الامر العظيم ، وليس امامهم من يطاولهم .
وإذ يدخل عليهم وجوه المهاجرين فجأة لا بد ان يسقط ما في أيديهم بافتضاح امرهم قبل ابرامه ، وبتخوفهم من خروجه من ايديهم بعدما قالوا وصنعوا . ولا بد ان يرتبكوا لذلك ويقوى فيهم شعور الخذلان . وقد عرفنا نفسياتهم التي يتغلب عليها الضعف ، فيتغير عليهم مجرى الحادثة . وهنا ينقلب الدور فيتهيئون لمواجهة هذا الحادث الجديد بما يقتضيه : فمن كان يبغض الامارة لسعد وجد الفرصة قد حانت للانتقاض عليه ، وبالعكس اصحابه الذين يوادونه لابد ان ينقلبوا مدافعين . وهذا أول تبدل في حالهم وانخذال في اجتماعهم .
وبعد دخول جماعة المهاجرين هذا الاجتماع وسؤالهم عن
( 125 ) هذا المزمل من هو ؟ وما شأنه ؟ نرى عمر يذهب ليبتدئ المنطق ، وقد زور في نفسه مقالة في الطريق ليقولها بين يدي ابي بكر ، وكان يخشى جد ابي بكر أو حدته ، وكان ذا جد كما يقول هو . ومن الواضح ان الموقف دقيق جدا يدعوا إلى كثير من اللين واللباقة رعاية لهذه العواطف الثائرة المتحفزة ، ولكن ابا بكر يمنع عمر من ابتداء الكلام ، وكأنه هو ايضا يرقب شدته وغلظته المعرفتين فيه فانطلق يتكلم ، وما شيء كان زوره عمر إلا أتى به أو بأحسن منه على ما يحدثنا عمر نفسه .
ولقد كان ابو بكر يحسن المعرفة بما يتطلب هذا الوضع من الرفق والسياسة ، أو لا ترى لما كادوا ان يطأوا سعدا قال قائل : قتلتم سعدا . . فقال عمر وهو مغضب : « اقتلوا سعدا قتله الله انه صاحب فتنة » فالتفت إليه ابو بكر قائلا : « مهلا يا عمر ! الرفق هنا ابلغ » .
ولا اعتقد مع ذلك ان عمر كان يجهل ضرورة الموقف ، ولكني اخاله ـ وقد تمت البيعة لابي بكر ـ لم يجد حاجة لكثير من هذا اللين والمداراة ، وقد أخذ بموافقة الانصار إلا القليل ، وتحقق فشل سعد وانخذاله . فهو اذن يعرف موضعي اللين والشدة . ولعله ـ وهو رجل الساعة بعد أبي بكر ـ أراد ان يظهر بالغلظة لينطق ابا بكر بكلمة اللين .
|