4 ـ هل مات النبي محمد . . . ؟
نعم ! كان رسول الله صلى الله عليه واله وسلم قد خرج في آخر فجر من حياته إلى الصلاة ، فصلى بالمسلمين الغداة . وكان هذا آخر عهدهم برؤية تلك الطلعة المحبوبة وذلك النور الالهي .
ولم تزل شمس السماء إلا وقد آذنت شمس الارض بالمغيب من افقها إلى افق الحق الدائم ، وها هو ذا النبي مسجى بين اهله ينتدبون فيه حظهم ، والباب مغلق دون الناس .
انه يوم . . . ! وأي يوم هو على اهل المدينة والمسلمين ! .
فقدوا . . . ؟ وأية نعمة فقدوا . . ؟
فقدوا الرحمة والانسانية . فقدوا الاخلاق الالهية . فقدوا
( 110 ) حياتهم وعزهم ومجدهم . فقدوا طريق الحق اللاحب وصراط الله المستقيم ونوره المشرق بآياته الباهرة . . !
فقدوا نبيهم العظيم وأباهم الكريم . . !
فاعظم بيومه يوما ! واعظم به فقيدا !
انه يوم كان للمسلمين مضرب المثل فإذا بالغوا في يوم مصيبة قالوا : « انه كيوم مات فيه رسول الله » .
وما تنتظر من المسلمين ساعة يسمعون الواعية والباب مغلق على من فيه ، إلا ان يهرعوا فيجتمعوا في مسجدهم والطرقات ، نكسا ابصارهم مطأطئي رؤسهم . ولم تبق عين لم تدمع ، ولا قلب لم يجزع ، ولا نفس لم يتقطع .
وما ينتظرون هم . . ؟
ـ لاشك ليس هناك ما يدعوهم إلى تكذيب النعاة . وإذ علموا آنئذ أن مجرى حياتهم قد تبدل راحوا ـ ولا شك ـ يتطلعون إلى ما يظهر لهم على مسرح العالم الاسلامي من حوادث ومفاجآت ، فتطيش لذلك عقولهم ، ويقوى حسهم بمستقبل هذا الدين الجديد الذي أخذ بأطراف الجزيرة ، والمنافقون يتحينون به الفرص ، فتنهد عزائمهم ، ويستشرفون ـ على الاكثر ـ على خليفة النبي الذي سيقود الامة لينقذ الموقف ، فيضربون اخماسا في اسداس .
كل هذه الافكار وأكثر منها ـ بغير شك ـ كانت تمر على
( 111 ) رؤوس ذلك الجمع الحاشد الطائش اللب الحائر الفكر ، الذي يحوم حول دار النبوة والوحي ، يرقب منها ـ على عادته ـ ان تبعث له بما يطمن خاطره ويهدئ روعه ويعرفه مستقبل أمره ، حتى اصبح الناس كالغنم المطيرة في الليلة الشاتية ( كما في الحديث ) .
ولكن . . ولكن عمر بن الخطاب صاحب رسول الله ذلك الرجل الحديدي أبى على الناس تصديقهم بموت نبيهم ؛ إذ طلع صارخا مهددا « وقد قطع عليهم تفكيرهم وهواجسهم » وراح يهتف بهم : « ما مات رسول الله ولا يموت حتى يظهر دينه على الدين كله . وليرجعن فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم ممن ارجف بموته . لا اسمع رجلا يقول مات رسول الله إلا ضربته بسيفي » .
اتراك « لو خلوت بنفسك وأنت هادئ الافكار » تقتنع بوحي هذه الفكرة من هذا الذي لا يقعقع له بالشنان ، وأنت لا تدري لماذا رسول الله يقطع أيدي وارجل من أرجف بموته ، أو بالاصح من قال بموته ؟ ولاي ذنب يستحق الضرب بالسيف هذا القائل ؟ ومن أين علم ان رسول الله لا يموت حتى يظهر دينه على الدين كله ؟ وما هوهذا الرجوع ؟ أرجوع بعد الموت أو بعد غيبة « كغيبة موسى بن عمران كما يدعيها عمر بن الخطاب في بعض الحديث » ولكنها أية غيبة هذه وهو مسجى بين اهله لا حراك فيه ؟
إلا اني اعتقد انك لو كنت ممن ضمه هذا الاجتماع
( 112 ) لذهبت بتياره ولتأثرت بهذا القول إلى أبعد حد كسائر من معك ما دام الاجتماع بتلك الحال التي وصفناها ، والخطيب هو عمر بن الخطاب ، وقد جاء بتلك الدعوة الثائرة ، في صرامة ارادة ورأي بلغا أقصى درجات الصرامة ، وقد استعمل المغريات الخلابة للجماعات : فمن أمل بحياة الرسول وباظهار دينه على الدين كله ـ إلى توعيد بقطع رسول الله أيدي وأرجل المرجفين بموته ، وتهديد منه ( اعني عمر ) بقتل من يقول مات رسول الله .
انهما الخوف والامل إذا اجتمعا مع هذا الرأي القاطع والارادة الصارمة لهما التأثير العظيم الذي لا يوصف على افكار الجماعة الاجتماعية وأي تخدير بهما لاعصاب المجتمعين . ومن وراء ذلك أن شأن المحبين يتعللون في موت حبيبهم إذا نعي بالاوهام ولا يرضون لانفسهم التصديق بموته لا سيما مثل فقيدهم هذا العظيم الذي يجوز عليه ما لا يجوز على البشر .
ولا شك ان مميزات الجماعة المقصودة لعلماء الاجتماع كانت متوفرة في الاجتماع الفجائي المضطرب الافكار المتأثر بهذا الحدث العظيم المتحفز للحوادث المجهولة والمفاجات المنتظرة . ومن البديهي ان الاجتماع الذي يتألف على هذا النحو تتكون منه روح واحدة مشتركة حساسة تتغلب على نفسيات أفراده الشخصية ، وتكون هذه الروح خاضعة
( 113 ) لمؤثرات لا حكم لها غالبا على روحية الفرد لو كان خارج الاجتماع . وأهم خواص هذه الروح انها تكون عرضة للتقلبات والانقلابات الفجائية ويبطل فيها حكم العقل وسلطانه ويقوى سلطان المحاكاة والتقليد الاعمى . ولذلك لا تفكر الجماعات إلا بأحط فكرة فيها ، وتقبل ايضا كل فكرة تعرض عليها إذا اقترنت بالمؤثرات الخلابة وان خرجت عن حدود المعقول . ومن أقوى المؤثرات شخصية الخطيب وصرامة رأية .
فلا نستغرب قناعة المسلمين يومئذ برأي عمر بقدر ما نستغرب منه نفسه هذا الرأي وإن لم ينقل لنا صريحا قبولهم له ، كما لم ينقل في الوقت نفسه اعتراض أحد عليه سوى ابي بكر وقد جاء متأخرا . وإذا أبيت فعلى الاقل شككهم في موت النبي وألهاهم عن التفكير فيما يجب أن يكون بعده وفيما سيحدث من حوادث منتظرة ، لانهم ـ لاشك ـ التفوا حوله عجبين مستغربين وهو مستمر يبرق ويرعد مهددا حتى ( ازبد شدقاه ) .
ولكلمة ( الارجاف ) هنا التأثير البليغ في اقلاع أفكار الجماعات عن الدعوى التي يدعونها لانها من الالفاظ الخلابة التي تتضمن التهجين الشنيع للدعوى والاشمئزاز منها إلى أبعد حد ، إذ تشعر هنا ان مدعيها من المنافقين الذي لهم غرض مع النبي والاسلام ، فقال : « . . . ممن ارجف بموته »
( 114 ) ولم يقل ممن ادعى أو قال . وهذا كاف للتأثير على الجماعات وتكوين الشعور بكراهية دعواها .
ويشهد لتأثير كلامه على سامعيه التجاء ابي بكر لما جاء من السنح (1) أن يكشف عن وجه النبي ليتحقق موته ، ثم يخرج إلى الناس مفندا مزاعم عمر ، وعمر مستمر يحلف انه لم يمت . وطلب إليه ان يجلس ـ فلم يجلس ـ ثلاث مرات ، فقال له : « أيها الحالف على رسلك » . . ثم قام خطيبا في ناحية اخرى وقد اجتمع حوله الناس فتشهد وقال ـ وعمر مستمر وقد تركه الناس ـ :
« من كان يعبد محمدا فان محمدا قد مات ، ومن كان يعبد الله فان الله حي لا يموت . . . » . ثم تلا هذه الآية الكريمة : « أفان مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم . . . » . و( شاهد ثان ) : أن الناس لما سمعوا كلام أبي بكر اصبحوا كأنما اخرجوا من مأزق أو اطلقوا من عقال ، فانهم تلقوا الآية وكلهم وراحوا يلهجون بها « فما تسمع بشرا من الناس إلا يتلوها » . أما عمر فقد صعق إلى الارض وصدق ____________ (1) وهو يبعد عن المسجد بميل واحد « وفي الرواية عن عائشة » وكذا في معجم البلدان ولعله اعتمد على هذه الرواية . ولكن السنح هو عالية من عوالي المدينة وأدنى العوالي ـ بتقدير نفس المعجم ـ يبعد أربعة أميال أو ثلاثة .
( 115 ) حينئذ بموت النبي بعد ان تحقق ان الآية من القرآن ، كما يقول .
* * *
لله ابوك يابن الخطاب ! ما أدهشني بك ، وأنت أنت ، إذ تقف ذلك الموقف الرهيب حالفا مهددا ، لتنكر أمرا واضحا ، ألم يعلمك الاسلام حقيقة محمد فتنكر انه يموت ؟ ثم تسمي مدعي موته ( مرجفا ) ؟
ـ لا ؟
ـ لا ؟ ولكنك تحاول ان تقنع الناس انه غاب موسى بن عمران ، فيرجع ليقطع الايدي والارجل . إلا انه ـ بالله عليك ـ أية غيبة هذه ؟
وأنت أعجب وأعجب حين تسرع مصدقا وتنقاد طائعا لقول قاله ابو بكر لا يكذبك ولا يصدقك ، بعد ذلك التوعيد والتهديد . أو لست أنت كنت تعترف انه يموت بعد ان يظهر دينه على الدين كله ؟ فأي دليل كان في الآية ناقض قولك فأقنعك حتى صعقت إلى الارض . والآية لا تدل على انه يموت يوم مات ! . . . ؟
واعجب من ذلك وقوفك بعد يوم معتذرا فتقول : « فاني قلت بالامس مقالة ما كانت إلا عن رأيي وما وجدتها في كتاب الله ولا كانت عهدا عهده الي رسول الله . ولكن كنت
( 116 ) ارجو ان يعيش رسول الله فيدبرنا ويكون آخرنا موتا » (1) . فأين هذا الرجاء الفاتر من تلك الصرخة المعلنة وذلك الحلف والتهديد وطعن القائل بموته بالارجاف ؟ واين هذا الاعتذار الهادئ من تلك الدعوى الثائرة ؟
إن لك لسرا عظيما !
يبدو لي ان عمر كان أبعد من أن يظهر بهذه السهولة لقارئي هذه الحادثة . ومن البعيد جدا وفوق البعد ان يعتقد مثله ان النبي لا يموت يوم مات ، وهو الذي قال في مرضه ـ كما سبق ـ بكل رباطة جأش : « ان النبي قد غلبه الوجع . . . حسبنا كتاب الله » . فأي معنى تراه لقوله « حسبنا » لرد الكتاب الذي أراده النبي لامته بعد موته ، لو لم يكن معتقدا انه سيموت وان كتاب الله يغني عن أي شيء آخر يريد ان يقرنه النبي به
وهل تراه قال ما قال دهشة بالمصيبة ؟ فما باله لم يعتذر بذلك بعد يوم وقد سمعت اعتذاره ! بل ما باله لم يزد دهشة ____________ (1) اقتبسنا مجموع هذه العبارة من كنز العمال ( 3 : 129 و4 : 53 ) ومن تاريخي الطبري وابن الاثير والبخاري ( 4 : 152 ) والسيرة الدخلانية ( 2 : 347 ) ولفظ ( كنت أرجو أن يعيش . . . ) في الصحيح والسيرة . والمروي في هذه الكتب وغيرها بألفاظ متقاربة جدا وتختلف بما لا يضر بالمعنى .
( 117 ) لما تحقق انه قد مات ! هيهات ان يكون قد دهش فيخفى عليه موت النبي وهو هو من نعرف .
وبعض الناس قد جهلوا عمر بهذا وابعدوا ، فقالوا : من يجهل مثل هذا الامر الواضح المعلوم بالاضطرار جدير بألا يكون إماما راعيا للامة . . .
والتجأ بعضهم الآخر ان يعتذر عنه بأن ذلك من فرط دهشته .
وفيما عندي ان الطرفين لم يعرفاه حق عرفانه ولم يصلا إلى غوره وتدبيره في هذا الحادث المدهش . فان من يعتقد ان النبي قد غاب فيحلف لا يقنعه مثل حجة ابي بكر فيرتدع . ومن خبل بالمصيبة فهو عند اليقين بها ادهش وادهش .
* * *
ويكفي المتدبر في مجموع نقاط هذه الحادثة ان يفهم هذا الذي لا يختل بالحرش ، فيعرف ان وراء الاكمة ما وراءها ، ولا يضعه حيث وضعه الناس .
ألا تعتقد معي انه كان يخشى ان يحدث القوم ما لا يريد ، وقد اشرأبت الاعناق ـ بطبيعة الحال ـ إلى من سيخلف النبي ، وهذه ساعة طائشة ، وابو بكر بالسنح غائب ، وهو خدنه وساعده ، وهما اينما كانا هما . ولعلهما
( 118 ) وحدهما وقد تفاهما في هذا الامر . . . فأراد أن يصرف القوم عما هم فيه ، ويحول تفكيرهم إلى ناحية اخرى ، ان لم يجعلهم يعتقدون غياب النبي . حتى لا يحدثوا بيعة لاحد من الناس قبل وصول صاحبه . وليس هناك من تحوم حوله الافكار إلا عليا للنص عليه كما نعتقد أو لانه اولى الناس ، ما شئت فقل « حتى كان عامة المهاجرين وجل الانصار لا يشكون ان عليا هو صاحب الامر بعد رسول الله » (1) .
وكانوا يلاحظون في علي بن أبي طالب صغر سنه (2) وحسد العرب وقريش خاصة إياه ، وتمالؤها عليه ، ولا تعصب الدماء التي اراقها الاسلام إلا به ، لانه الامثل ، في عشيرة الرسول على عادة العرب وبسيفه قتل اكثر ابطالهم . ويلاحظون « رابعا » كراهة قريش لاجتماع النبوة والخلافة في بني هاشم فيبجحون على قومهم بجحا بجحا كما يراه عمر فيما سبق في الفصل الثاني من محاورته مع ابن عباس . ويلاحظون « خامسا » انه سيحملهم إذا ولي الامر على الحق الابلج والمحجة البيضاء وان كرهوا « على حد تعبير عمر نفسه » ، والحق مر في الاذواق . ويظهر أن عمر كان بطل المعارضة في إمارة علي كما ____________ (1) شرح النهج لابن أبي الحديد ( 2 : 8 ) . (2) راجع الامامة والسياسة .
( 119 ) شاهدنا موقفه في قصة الكتاب الذي أراد ان يكتبه النبي وفي مواقفه التي أشرنا إليها في الفصل الثاني ، فلا نعجب إذا رأيناه يقف هذا الموقف ليلهي الناس عما يخشاه من استباق احد إلى بيعة علي قبل مجئ أبي بكر .
اما انه هل كان يدري كيف سيخرج من هذا المأزق الذي ادخل نفسه فيه فاغلب الظن انه غامر بنفسه ليقف الناس عند حدهم . وعلى صاحبه إذا جاء ان يدبر الامر حينئذ .
واقوى الشواهد على هذا التعليل ما قلناه من سرعة قناعته بقول صاحبه ابي بكر ، وهو لا يمس دعواه تكذيبا . . . وليس إلا ان جاء ابو بكر ووقف خطيبا والتف حوله الناس وهو يعلم من ابو بكر فقد انتهت مهمته وانقلب الدور ، ولم يبق إلا ان يخرج من موقفه الحرج بلباقة ، لئلا يحسوا بهذا التدبير فينتقض الغرض ، فصعق إلى الارض كأنما تحقق موت النبي من جديد مظهرا القناعة بقول صاحبه . ثم لم يلبث ان راح يشتد معه لعملهما كأنما نشط من عقال ولم يقل ما قال ، ولم يظهر ما أظهر من الدهشة والاضطراب ، حتى رمي بالخبل وهو عنه بعيد ، فقد ذهب بعد ذلك إلى السقيفة مع ابي بكر حينما علما باجتماع الانصار السري ووقفا ذلك الموقف العجيب . وسنحدثك :
|