3 ـ الانصار حزبان إذ قيل الانصار أرادوا البيعة لسعد ، فانما هم الخزرج فقط دون الاوس (1) . وإذا كان الاوس اجتمعوا في السقيفة مع الخزرج فانما هو على ظاهر الحال ، ولحس مشترك بالخوف ممن قتلوا آباءهم وابناءهم أن ينالوا الامارة ، وهم يبطنون في نفس الوقت للخزرج كمين أحن تتغلغل في صدورهم ، فان بين الحيين دماء مطلولة ما زال نضخها على سيوفهم وجروحا ____________ (1) ولذا يقول المؤرخون عند ذكرهم لبيعة الاوس : « فانكسر على الخزرج ما كانوا اجمعوا عليه » .
( 104 ) بالغة لايلام صدعها ولا يرجى رأبها . وكان آخر أيام حروبهم يوم ( بعاث ) المشهور وهو قبل الهجرة بست سنين ، وهو سبب اسلامهم ـ على ما قيل ـ إذ جاء أحد القبيلين بعد يوم بعاث إلى مكة يستنجد قريشا على الفريق الثاني ، فالتقوا بالنبي ( ص ) وهداهم الله تعالى إلى الاسلام .
وكان رئيس الاوس يوم بعاث حضير الكتائب أبو اسيد بن حضير هذا الذي أفسد الامر على سعد وبايع أبا بكر ومعه الاوس . وكان رئيس الخزرج عمر بن النعمان ، أبو النعمان صاحب راية المسلمين يوم احد (1) .
ولم يلطف الاسلام كثيرا من تنافسهم وتحاسدهم ، وان اطفأ بينهم نار الحروب ، فقد كانا يتصاولان تصاول الفحلين ، لا تصنع الاوس شيئا إلا قالت الخزرج نفاسة : لا يذهبون بهذا فضلا علينا . فلا ينتهون حتى يوقعوا مثله . وكذلك إذا فعلت الخزرج شيئا قالت الاوس مقالتهم وصنعت صنعهم (2) .
ومن منافساتهم التي بلغت حد الافراط يوم استعذر رسول الله من عبدالله بن ابي سلول المنافق الشهير وهو من الخزرج فقال : « يا معشر المسلمين من يعذرني من رجل قد ____________ (1) راجع العقد الفريد ( 2 : 250 ) . (2) الطبري ( 3 : 7 ) وابن الاثير ( 2 : 66 ) .
( 105 ) بلغني عنه اذاه في أهلي . » إلى آخر ما قال ، فقام سعد بن معاذ رئيس الاوس فقال : « يارسول الله انا والله اعذرك منه ان كان من الاوس ضربنا عنقه وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا فيه أمرك » فترى سعدا كيف تجاهل الشخص المعنى وتحفظ عند ذكر الخزرج مما يدل على شديد تنافسهم فقام سعد بن عبادة سيد الخزرج فقال لابن معاذ : « كذبت لعمر الله لا تقتله ولا تقدر على قتله ولو كان من رهطك لما أحببت ان يقتل » فقام اسيد بن حضير ابن عم سعد بن معاذ فقال لابن عبادة : « كذبت لعمر الله لنقتلنه فانك منافق تجادل عن المنافقين » . فثار الحيان الاوس والخزرج حتى هموا ان يقتتلوا ورسول الله قائم على المنبر فنزل فخفضهم حتى سكتوا وسكت (1) .
هكذا هم الاوس والخزرج حزبان متنافسان متحاسدان وانما سعد بن عبادة بادئ بدء ـ يوم السقيفة ـ أراد ان يستميل الاوس باسم الانصار ، وهم حزب واحد امام حزب المهاجرين وقريش ، فقال ـ معرضا بخصومهم في خطبته على الانصار ـ : « يا معشر الانصار ان لكم سابقة في الدين وفضيلة ليست لقبيلة من العرب » . ويقصد المهاجرين . وهكذا مضى في خطبته يضرب على هذا الوتر إلى أن اجابوه جميعا : « أن ____________ (1) راجع البخاري ( 2 : 6 و3 : 24 ) .
( 106 ) وفقت في الرأي وأصبت في القول ولن نعدو ما أمرت ، نوليك هذا الامر ، فأنت لنا مقنع ولصالح المؤمنين رضى » .
ثم انهم ترادوا الكلام فيما إذا أبت المهاجرين من قريش بيعتهم ، فقالت طائفة : « اذن نقول منا امير ومنكم امير » . فقال سعد : « هذا أول الوهن » وقد سبقت الاشارة إليه . وفي الحقيقة انه اول الوهن وتنازل منهم عرفنا فيما سبق دلالته على مبلغ ضعف ارادتهم امام ارادة قريش حتى قبل مواجهتهم ، بل يدل ايضا على تخلخل صفوفهم ووجود خلاف كامن كمون النار في الرماد ، فلم يتأثروا بدعوة سعد ، وأبطأوا عليه حتى داهمهم المهاجرون ، وهم إنما اسرعوا إلى عقد هذا الاجتماع ليسبقوا الحوادث ، وإلا فقد كانت الفرصة الكافية لبيعته من قبل ان يعلم جماعة المهاجرون باجتماعهم فتكبسه عليهم . لولا انهم اضاعوها باختلافهم وتباطؤهم حتى مضى الوقت . ومثل هذه الامور ـ بعرف الساسة ـ لا تقبل الاناة والابطاء .
والحق ان الاوس كانوا غير مرتاحين لبيعة سعد ، وهم يتنافسون مع الخزرج في أتفه الاشياء وادناها ، وكأنهم كانوا لا يريدون ان يبدأوها بالخلاف خشية أن يقال : « اوس وخزرج » ، وفي هذه الكلمة ما فيها من معان لا تتفق وروحية الاسلام ، فيبتعدون عنها ما استطاعوا على ان المجاملة محفوظة
( 107 ) بين الطرفين . ولذلك لما رأوا المجال للوثبة واسعا نقضوا أمر سعد وما اجتمعت عليه الخزرج ، وهذا عندما رأوا ان الخلاف جاء من الخزرج انفسهم بمقالة بشير بن سعد الخزرجي ، وستأتي ، وباسراعه إلى بيعة ابي بكر ، وقد كان اول المبايعين . وايضا رأوا ان الدعوة ضد سعد إنما جاءت من قبل غيرهم وهم المهاجرون .
فظهرت منهم حسيكة الخلاف والتنافس ، وقال بعضهم لبعض وفيهم اسيد بن حضير زعيمهم : « لئن وليتموها سعدا عليكم مرة واحدة لا زالت لهم بذلك الفضيلة ولا جعلوا لكم فيها نصيبا أبدا فقوموا فبايعوا ابا كبر » فقام اسيد فبايع ومعه الاوس ، وليسأل السائل هل جعل لهم نصيب فيها بمبايعتهم لابي بكر ؟ ولكنه التنافس هو الذي أملى عليهم هذا القول ومنافسة القرابة ابعد أثرا واعظم مفعولا .
هذا ولا ينكر ما لابي بكر من كبير أثر في استمالة الاوس إلى جانب المهاجرين ، فقد وقف موقفا مؤثرا وكان يعرف من اين تؤكل الكتف فلم يفته ما كان يعلمه من التنافس بين الحيين ، حتى استغله لانقاذ الموقف وبرع في هذا الاستغلال ، فقد قال في ذلك اليوم : « ان هذا الامر ان تطاولت إليه الخزرج لم تقصر عنه الاوس وان تطاولت إليه الاوس لم تقصر عنه الخزرج ، وقد كانت بين الحيين قتلى لا تنسى وجراح لا
( 108 ) تداوى ، فان نعق منكم ناعق جلس بين لحيي اسد يضغمه المهاجري ويجرحه الانصاري » (1) .
فانظر إلى كلمة ( لم تقصر ) وما لها من بليغ اثر في القلوب المتحاسدة وما بها من تحريض لاحد المتناظرين على نظيره المتطاول .
نعم ! انها لتجعل لكل من الحيين الكفاية تجاه الحي الآخر ، فان تطاول احدهما ـ وهم الخزرج الآن ـ فحقيق بالآخر ان يتطاول لها ككفتي ميزان ، من غير فضيلة يختص بها المتطاول . فلا تسل كيف أشرأبت اعناق الاوس لهذا الامر ؟
وبعدها انظر كيف ذكر الترات السابقة ونبش الدفائن . وهذا ما يثير بالحفائظ ويوقظ الضغائن . وهنا راح يستدل على خطأ تولي أحد الحيين لهذا الامر ، لانه يقع بين خصمين الدين : فرماهم بالمسكنة كما يقول ابن دأب عيسى بن زيد .
استطعنا في هذا البحث أن نلمس التنافس بين الاوس والخزرج لنعرف مدى تأثيره على مجرى حادث السقيفة ، كما عرفنا ان اهل الدعوة ـ عند التحقيق ـ انما هم الخزرج فقط ، ولم تشاركهم الاوس مشاركة جدية . ____________ (1) البيان والتبيين ( 3 : 181 ) .
( 109 )
فلنترك الانصار الآن مجتمعين في السقيفة يتبارون الخطب ويتحمسون لجهادهم وتضحيتهم ، وسعد بن عبادة قد ترأس حفلهم يخطبهم ويقول في آخر خطبته : « استبدوا بالامر دون الناس فانه لكم دون الناس » . ولنذهب ميممين المهاجرين وباقي المسلمين حول دار النبي في المسجد ، لنراهم ماذا هم صانعون !
|