2 ـ نفسية الانصار
حاولنا في البحث السابق ان نتشبث بما يرفع الانصار عن سوء النية والقصد ، ولكنا نؤمن بأن ما قلنا عنهم لا يخرج عن عده من الوساوس التي لا تبرر عمل المرء من الناحية الدينية . على انا نرجو ان يكونوا معذورين فيما عملوا لئلا نخسر عددا وفيرا من الصحابة .
اما نفس عملهم ـ سواء كانوا بسوء نية أم لا ـ فلا يسعنا ان نحكم بصحته ، فانا مهما فرضنا الحقيقة من جهة النص على الامام فان استبدادهم هذا وتسرعهم في عقد اجتماعهم لنصب خليفة منهم لا يخرج عن عدة خيانة للاسلام وتفريطا في حقوق المسلمين بلا مبرر ، وفي وقت قد دهمت الاسلام فيه هذه الفاجعة
( 100 ) الدهيماء ، والمسلمون كالمذهولين بمصابهم لا يعلمون ماذا سيلاقون من العرب واعداء الاسلام .
ولا نريد الآن نجلس في دست القضاء لنحكم لهم أو عليهم ، ولعل هناك من يرى صحة عملهم فلا نضايقه ، وإنما مهمتنا ان ندرس الاسباب التي دعتهم إلى عملهم هذا ، وأن ندرس نفسياتهم .
في البحث السابق رأينا ان خدمتهم للاسلام الممتازة هي التي خيلت لهم الحق في الخلافة أو في سلطان المسلمين . وهذا نعرفه من حجتهم على لسان المرشح منهم للخلافة ـ سعد بن عبادة ـ في خطبته ذلك اليوم ، ينضم إلى ذلك تخوفهم من ان يخلص الامر إلى من قتلوا أبناءهم وآباءهم واخوانهم ، مع اعتقادهم بخروج الامر عن أهله ، ويدل على هذا الاخير ـ كما تقدم ـ طلبهم مبايعة علي بعد اليأس .
هذه الاسباب التي استطعنا عرفانها . وكل ذلك تقدم ، وفيها قبس نسير على ضوئه لمعرفة نفسياتهم .
فانا نعرف من مجموعها انهم في محاولتهم كانوا مدافعين اكثر منهم مهاجمين ، والدفاع دائما يكون عن الشعور بالضعف والانخذال وهذا الشعور من أعظم الادواء النفسية لمن أراد الظفر في الحياة ، إذ ينشأ منه الوهن في العزيمة والضعف في
( 101 ) الارادة والاضطراب في الرأي والتدبير . وكل ذلك كان ظاهرا على الانصار في إجتماعهم بالسقيفة .
والشاهد على ذلك : انقسامهم على انفسهم وانسحابهم امام خصومهم كما سترى ، وأعظم من ذلك تنازلهم إلى الشركة في الامر من قبل أن ينازعهم منازع ، اعني قبل مجيء جماعة المهاجرين إليهم ، إذ قال قائلهم : « فانا نقول إذن ـ أي عندما ينازعوننا ـ منا أمير ومنكم أمير ، ولن نرضى بدون هذا أبدا » ، فقال لهم سعد : « هذا اول الوهن » . والحق انه اول الوهن وآخره . ثم يستمر معهم هذا التنازل حتى مجيء المهاجرين ، فكرروا هذه الكلمة بالرغم على تنبيه سعد لهم انها من الوهن .
وهذا يكشف ـ ايضا ـ عن سماحة في نفوسهم ولين في طباعهم ، ويصدق ما قلناه انهم مدافعون اكثر منهم مهاجمين ، فلم يطلبوا الامارة ليملكوا مقدرات الامة وشئونها بل ليدفعوا ضرر من يخافون ضرره ، فاكتفوا بالشركة التي يحصل بها الغرض من الدفاع .
والانصاف ان الانصار لا ينكر ما هم عليه من استكانة واستخذاء وقصر الرأي والتدبير ، وضعف في العزائم ، ولا سيما امام دهاء قريش وقوتها ، وان حاول بعضهم ـ وهو الحباب بن المنذر ـ ان يستر هذا الضعف . إذ قال في خطابه
( 102 ) ذلك اليوم : « يا معشر الانصار املكوا عليكم أمركم فان الناس في فيئكم وفي ظلكم ولن يجترئ مجترئ على خلافكم ولن يصدر الناس إلا عن رأيكم . وأنتم اهل العزة والثروة . . . » . فاطرد خطبته على هذا الاسلوب زاعما ان سيرفع من منعتهم وبأسهم ويسد خللهم ، ونهاهم عن الاختلاف وحذرهم عواقبه حتى قال : « فان أبى هؤلاء فمنكم أمير ومنهم أمير » . ولكنه ـ كما ترى ـ بينا هو محلق في السماء رفعة وتعاظما ويملي ارادته قوة إذا به يهبط إلى الحضيض ضعفا ، إذ يقول : « فان ابي هؤلاء . . » ونقول له : فان ابى هؤلاء الشركة ايضا فما أنتم صانعون ؟ لا شك ان ذلك الضعف الذي يملي عليه التنازل هو ذلك الضعف عينه موجود ايضا سيملي عليه التنازل عن جميع الامر ، كما وقع .
وهذا من تنازل الخائر المغلوب على امره وتدبيره . وكانت عليه بذلك الحجة الظاهرة ، فقال له عمر بن الخطاب : « هيهات لا يجتمع اثنان في قرن » أو ما ينسق على هذا المعنى ، على ان الحباب هذا من أقوى من وجدنا يومئذ واشجعهم قلبا وأجرأهم لسانا ، وأغلظهم على المهاجرين ، لولا سعد بن عبادة .
إلى هنا لعلنا لمسنا شيئا من نفسية الانصار وادركنا مقدار الضعف في نفوسهم ، والوهن في عزائمهم ، والاضطراب في
( 103 ) تدبيرهم . كيف وقد تجلى ذلك في الحباب لسانهم المفوه وخطيبهم المصقع ذلك اليوم ، وهو أقوى شكيمة واكثرهم إعتدادا بنفسه وقومه ، وكان يدعي بينهم « ذا الرأي » .
بقي علينا ان ندرك لماذا كل هذا الحذر من الحباب من اختلافهم إذ يقول : « ولا تختلفوا فيفسد عليكم رأيكم وينتقض عليكم أمركم » ؟ ـ لابد انه كان يحس بشرارة الخلاف تقدح ، ويتوجس خيفة من الانتقاض وهذا ما سنبحث عنه في الاتي .
|