4 ـ لانص في قاعدة الاختيار
لنتنازل الان جميع ما قلناه في البحث السابق من فساد تشريع قاعدة الاختيار ، ولكن ألا يجب علينا ان نسأل مدعي صدور هذا التشريع من النبي عن الدليل عليه في كتاب أو سنة .
وبودي ان يدلني احد على قول الرسول في هذا الشأن ، فما سمعنا عنه انه قال يوما : ان الاختيار في تعيين الامام لاهل الحل والعقد ، أو انه امر الامة باختيار الامام بعده ، لا تصريحا ولا تلويحا . على ان الدواعي جد متوفرة لنقل مثل هذا القول ، والقوة والحول في صدر الاسلام إلى ما بعده في يد من يرتئي هذا الرأي ويدافع عنه ، فليس لاحد ان يدعي ان هذا الاثر قد خفي علينا أو امتنع الرواة عن نقله .
أجل ! إلا ان الله تعالى قال في كتابه العزيز : ( وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة ) .
إذن لم يثبت عن النبي قول وتصريح في هذا الامر من الاتكال على اختيار الامة ، بل قال تعالى : ( ما كان لهم
( 45 ) الخيرة ) . فلنذهب الان من طريق ثانية إلى إثبات صحة هذا التشريع ، فنقول :
« أليس النبي كان غير غافل عن امر الخلافة ! ولكنه سكت عن الحل لمشكلتها بطريق النص على احد من اصحابه ، فلا بد انه أوكل ذلك إلى اختيار أمته ، فيكون سكوته إذن دليلا على هذا الايكال » .
وهذا يقرب من التفكير الصحيح لاول وهلة ، إذا استطعنا التصديق بسكوته عن النص ، فلذلك لا يصح إلا إذا ثبت لنا ان لا نص هناك ، فوجب ان ننظر فيما تقوله اهل السنة والشيعة من النص على أبي بكر أو علي بن أبي طالب . وسيأتي في البحث ( 7 ) و( 8 ) .
ولكن لو فكرنا قليلا ، فلا نرضى لمصلح عاقل فضلا عن النبي الكريم ان يرمز لهذا الامر العظيم الذي وقع فيه اعظم خلاف في الامة بمثل هذا الرمز الخفي . وما الذي يلجئه إلى مثل هذا الدليل الصامت ـ إن صح هذا التعبير ـ مع علمه بما سيقع بعده من انشقاق وخلاف تتسع شقته هذا الاتساع ، وتتخلله فتن وحروب أنهكت المسلمين وأفسدت روحية الاسلام ؟ ! .
أما كان الجدير ـ إذا لم يكن قد نص على احد ـ ان يصرح لامته بايكال الامر إلى اختيارهم ؟ ثم يحدده باختيار اهل الحل والعقد منهم ، أو يحدده بخصوص اهل المدينة أو
( 46 ) اهل عاصمة الخلافة ، ثم يكتفي باختيار الواحد والاثنين منهم ( على ما يذهب إليه جماعة من علماء اهل السنة ) ، ثم يذكر شروط الامام حتى يعرفوا من يجب ان يختاروه !
أكل هذه الامور والقيود نستقيها من هذا الدليل الصامت ويكون هذا السكوت حجة على من يشكك في واحد من هذه الشئون فيستحق عقاب الخالق الجبار ، ثم مع ذلك يخرج عن ربقة الاسلام ويدخل في زمرة الكافرين ؟ ! .
اللهم اشهد علي اني لا أستطيع أن أؤمن بصحة دليل صامت يدل هذه الدلالة الواسعة على اعظم الشئون العامة التي يعم بلاؤها جميع الخلق في كل زمان ومكان ، في وقت الحاجة إلى دليل ناطق وحجة واضحة .
اللهم اشهد اني لا استطيع ان أؤمن بذلك إلا إذا فقدت حرية التفكير ومسكة العقل .
|