متون الكتب :  
الفهارس :  
أسماء الكتب والمؤلفين :  
3 ـ ايكال الامر إلى اختيار الامة
الكتاب : السقيفة    |    القسم : مكتبة رد الشبهات

3 ـ ايكال الامر إلى اختيار الامة

لنختار الان لحل هذه المشكلة انه صلى الله عليه واله


( 36 )

وسلم أو كل امته إلى اختيارهم ، أو إلى اختيار اهل الحل والعقد منهم خاصة في تقرير شئون الخلافة . فهل يصح هذا الفرض للحل ؟ .
اما انا ـ ايها القارئ ـ لا استطيع ان اقتنع بأن هذا الفرض يكون حلا مرضيا لهذه المشكلة ، ولعلك انت ترى مع من يرى ان تعيين الرئيس بالانتخاب من ارقى التشريعات الحديثة وقد سبق إليه الاسلام ، فهذا من مفاخره .
فوجب علينا ان نبحث هذه الناحية العلمية بدقة ، واملي ـ كما هو مفروض ـ انك تعطيني من نفسك النصف وتفكر معي تفكيرا حرا ، بعيدا عن تأثير العاطفة التي تقضي علينا ان نتمسك بهذه المفخرة للاسلام .
ولا ينبغي لنا ان نحاول هذه المحاولة ، فربما نلصق به ما ليس له ، ولعلها لا تثبت للبحث مفخرة يمتدح بها ، فنكون قد نقضنا غرضنا الذي نريده من إثبات الفضيلة للاسلام بالسبق إلى هذا التشريع .
والذي ادعيه الآن ان إرجاع الامة مدى الدهر إلى اختيارها في تعيين الرئيس لها هو عين الفوضوية التي اردنا التخلص منها في البحث السابق ، وليس معناه إلا إلقاء الامة في اعظم هوة من الخلاف لاحد لها ولا قعر .


( 37 )

وسر ذلك ان الناس مختلفون متباينون ، ليس بينهم اثنان يتفقان في فكر أو عاطفة أو ذوق أو عادة أو عمل ، حتى التؤمين ، إلا من التشابه القريب أو البعيد من غير اتفاق حقيقي ، كاختلافهم في أجسامهم وسحنات وجوههم ، وتشابههم في ذلك . بل الناس مختلفون في كل شيء من دقائق أجسادهم وأخلاقهم ونفوسهم وعاداتهم فلم يتفق لشخصين أن يتفقا تحقيقا حتى في بصمة الاصابع ، حتى قيل ان كل فرد من الانسان نوع برأسه .
وعليه ، فيستحيل أن تتفق أهل بلدة واحدة على حكم واحد أو عمل واحد ، فضلا عن أمة كبيرة كالامة الاسلامية على توالي الزمان . وبالاخص إذا كان الحكم مسرحا للعواطف والاغراض الشخصية والتحيزات كالحكم في الزعامة العامة .
ومن هذا نستنتج ان الرأي العام الحقيقي غير موجود أبدا ، بل يستحيل وجوده لاية امة في العالم ، ومن خطل الرأي أن يطلب الانسان تكوين الرأي العام ، وتوحيد اختيار الامة بأسرها لامر من الامور ، على ان محاولة ذلك يستحيل أن تسلم من منازعات دموية واضطرابات شديدة إذا كان تكوينه يراد لامر ذي شأن ، إلا أن يكون هنا حاكم يفصل بين المتنازعين بماله من القوة القاهرة لمخالفيه ، كما هو موجود فعلا في الانتخابات الجارية عند الامم المتمدنة ، فان تحكيم الاكثرية ذات القوة الطبيعة خير علاج على منازعاتهم في الامور العامة .


( 38 )

وتحكيم الاكثرية في الحقيقة فرار من محاولة تكوين الرأي العام الحقيقي ، بل هو اعتراف باستحالته ، ومع ذلك لم يسغن غالبا الرجوع إلى الاكثرية ليكون لها الفصل عن ملطفات ومؤثرات اخرى تنضم إلى قوته الطبيعية ، أهمها سلطة الحكومة والقانون العام القاضي بتحكيم الاكثرية الذي أصبح بحكم التقليد لا مسيطرا على معتنقيه .
وبتوسيط أمثال هذه الامور تمكن التسوية بين الاكثرية على راي متوسط ، وإلا فالاتفاق الحقيقي على تفاصيل الامور يستحيل حتى في الاكثرية .
وهذا الرجوع إلى الاكثرية اخر ما توصل إليه الانسان بعد العجز عن تحصيل االاتفاق الحقيقي وبعد أن فشل البشر على ممر تلك القرون الطويلة التي انهكته بالتجارب القاسية ، فوجد ذلك خير ضمان للسلام في الامم . وليس معنى ذلك ان الاكثرية لا تخطأ ، كيف والجماعات دائما تفكر بأحط فكرة فيها ، ومن مزاياها انها خاضعة لسلطان العاطفة ، فهي علاج لفض المنازعات ليس إلا ، لا لضمان تحصيل الرأي المصيب .
وبهذا البيان نخرج إلى فكرة ان تعيين الرئيس أو غيره بالانتخاب الذي هو من أرقي التشريعات الحديثة معناه الرجوع إلى الاكثرية دائما التي أصبحت من التقاليد المرعية عند الناس في هذا العصر ، وهذا لم يسبق إليه الاسلام ، ومن يدعي ان النبي صلى الله عليه وآله أوكل أمته إلى اختيارهم


( 39 )

في تقرير شئون الخلافة لا يدعي انه شرع قانون الاكثرية لانه ليس لهذه الدعوى شاهد في زبر الاولين ، على انه ـ كما ذكرنا ـ لا يسلم من الخطأ ، فلا يسوغ لنا أن ننسبه إلى من لا ينطق إلا عن وحي ولا يريد إلا الحق .
وإذا ادعى انه أوكل الامر إلى اتفاق أمته واختيارهم جميعا ، فمن خطل الرأي ، إلا إذا جوزنا عليه ان يطلب المستحيل أو تعمد ايقاع أمته في منازعات دائمية تفضي إلى ازهاق النفوس واضعاف القوي المادية والادبية ، ثم إلى ضعف كلمة الاسلام في الارض .
فتلخص ان هذا التشريع أعني تشريع تعيين الامام بالانتخاب لا يصح لنا ان ننسبه إلى منقذ البشرية من الضلالة إلى الهدى الذي لا ينطق إلا عن وحي ، سواء فسرناه بالاكثرية أو باتفاق الجميع .

* * *

ومهما حاولنا اصلاح هذا التشريع بتفسير الامة بأهل الحل والعقد منها خاصة ، فلا اجد هذه المحاولة تسلم من ذلك النقص البارز فان اهل الحل والعقد وكبار الامة هم بؤرة الخلاف والنزاع . فان الخاصة مع اختلاف نفوسهم وتباين نزعاتهم كسائر الناس ، لا ينفكون عن تحيزات فيهم اعظم منها في غيرهم . ويندر ان يتجردوا من اهواء نفسية واغراض


( 40 )

شخصية ، تجعل كل فرد يشرئب إلى هذا المنصب الرفيع ما هيء له ووجد مجالا لارتقائه ، ولو عن غير قصد ، بل عن رغبة نفسية كامنة هي غريزية لا يفطن لها صاحبها أو لا يعدها باطلا وخروجا عن محجة الصواب . بل حب النفس قد يحمله على الاعتقاد بأن زعامته اصلح للامة واجدى ، فيوحي الهوى للنفس البرهان المقنع على صحة رأيه .
وللمعتقد ان يعتقد ان الخليفة ابا بكر تفطن إلى سوء عواقب هذا الشريع ، فأسرع إلى تعيين الخليفة من بعده ، بالرغم على جدة هذا التشريع الذي به كان خليفة ، وعلى تركزه في النفوس تتوقف صحة خلافته . كيف لا وقد شاهد هو الموقف في بيعته يوم السقيفة ، وكان أدق من سم الخياط ، مع غفلة الناس يومئذ عن الامر ، وانشغالهم بفاجعة نبيهم .
وهكذا حذا حذوه خليفتة ، فاخترع طريقة الشورى من ستة اشخاص ، وهي تبعد كل البعد عن قاعدة الرجوع إلى اختيار اهل الحل والعقد ، على ان وجدنا هؤلاء ـ وهم ستة لا غير ـ لم يتفقوا على رأي واحد ، فلعبت دورها التحيزات والعواطف ، فصغى رجل لضغنه ، ومال الاخر لصهره ، على حد تعبير الامام علي بن أبي طالب .
ولا شك لم يخف على الخليفة عمر استحالة حتى اتفاق الجماعة الصغيرة ، فحكم فيها الاكثرية ، وعند التساوي فالكفة الراجحة التي فيها عبدالرحمن بن عوف . ومع ذلك


( 41 )

حدد لهم الوقت بثلاثة ايام ، واعطى السلطة التنفيذية لغيرهم ، ليقهرهم على تنفيذ خطته .
لماذا كل هذه القيود التي وضعها ، مع تهديدهم بالقتل إن تأخروا عن الموعد ولم يبرموا العهد ؟ لاشك انها كانت لقصد الابتعاد عن الخلاف والنزاع الطبيعي لمثل هذا الامر . إذا القى حبله على غاربه . وهنا وجدنا كيف أحكم عمر بن الخطاب وضع هذه الخطة ، اتقاء للخلاف والنزاع على الامارة الذي لا ينفك عادة عن اراقة الدماء ، في وقت اراد ألا يتحمل تبعة تعيين شخص الخليفة بعده ، أو انه في الاصح لم يجد نفسه تميل كل الميل إلا لتعيين احد الثلاثة الذين قد ماتوا يومئذ ، وهم ابو عبيدة بن الجراح ، وسالم مولى ابي حذيفة ، ومعاذ بن جبل .

* * *

ولا اعجب ان يكون ابو بكر وعمر تفطنا إلى ما في تشريع إلقاء الامر على عاتق اختيار الامة من فساد ، وما ينجم منه من جدال وجلاد . ولكن عجبي ممن يتسرع فينسب ذلك التشريع إلى النبي الحكيم الذي لا يفعل إلا عن وحي ولا يحكم الا بوحي . ومع ذلك يدعي الاسلام وعرفان الرسول العظيم .
ولو كان للخليفة عثمان كلمة تسمع ورأي يطاع يوم


( 42 )

حوصر وأيس من الحياة ؛ لما تأخر عن تعيين من يخلفه قطعا . ولكن الموقف كان ابعد من ان يتحكم عليه بمثل ذلك ، وهو محاط به ليخلع .
ومما يزيدنا اعتقادا بعقم هذا الحل لمشكلتنا الاجتماعية الخطيرة ، انا لم نعرف خليفة تعين بهذه الطريقة إلا ابا بكر وعلي بن أبي طالب ، وابو بكر كانت بيعته فتنة أو فلتة وقى الله شرها على حد تعبير عمر عنها وهو نفسه الذي شيد اركانها ، ومع ذلك قال عنها : ( فمن دعا إلى مثلها فهو الذي لابيعة له ولا لمن بايعه ) (1) .
اما علي عليه السلام ، فبعد تمام البيعة له ( الشرعية بنظر اصحاب هذا الرأي ) قد وجدنا كيف انتفض عليه نفس اهل الحل والعقد ، والاسلام بعد لم يرث والعهد قريب ، وهؤلاء المنتقضون هم جلة الصحابة . فكانت حرب الجمل فحرب صفين اللتان اريقت بهما الاف الدماء المحرمة هدرا ، وانتهكت فيهما حرمات الشريعة ، وشلت بهما حركة الدين الاسلامي .
ولم نعرف بعد ذلك خليفة تعين إلا بتعيين من قبله أو بحد السيف ، ولقد لعب السيف دورا قاسيا جعل العالم الاسلامي يمخر في بحر من الدماء . ولم يجرئ الطامعين بالخلافة على
____________
(1) كنز العمال ـ ج 3 ـ رقم 2326 وغيره .
( 43 )

خوض غمار الحروب إلا سن هذا القانون . قانون الاختيار ، فمهد السبيل لطلحة والزبير ان يشعلا نار حرب الجمل ، ومهد لمعاوية ما اجترم ، ولابن الزبير تطاوله للخلافة وهو القصير ، وللعباسيين ثورتهم على الامويين ولغيرهم ما شئت ان تحدث والحديث ذو شجون .
إلى هنا اجد من نفسي القناعة والاطمئنان إلى القول بفساد تشريع تعيين الامام باختيار اهل الحل والعقد . وهيهات ان يكون من النبي الحكيم مثل هذا التشريع .
وكيف يخفى عليه ضرر هذا التشريع ، ولا يخفى على عائشة ام المؤمنين يوم تقول لعمر على لسان ابنه عبدالله : ( لا تدع امه محمد بلا راع . استخلف عليهم ولا تدعهم بعدك هملا فاني اخشى عليهم الفتنة ) .
وما ادري لماذا لم يشر احد على محمد عليه افضل التحيات ان يستخلف أو يبين على الاقل طريقة الاستخلاف حتى لا يفتتنوا ، كما اشارت عائشة على عمر ؟ ولماذا لم يسأله احد عن هذا الامر ، وهم يسألونه عن الكبيرة والصغيرة لماذا ؟ . . . ؟
والمرجح انه سئل فأجاب ، ولكن التأريخ هو المتهم في اهمال مثل هذه القضيا . على ان تأريخ الشيعة لم يمهل مثل هذا السؤال والجواب الصريح عليه .


 شبكة البتول عليها السلام  @ 11-2006  -  www.albatoul.net

إنتاج : الأنوار الخمسة للإستضافة والتصميم @ Anwar5.Net