(تمهيد)ـ تفسير آية الانقلاب بحوادث الردة أو السقيفة وتقسيم الكتاب |
الكتاب :
السقيفة | القسم :
مكتبة رد الشبهات
|
|
بسم الله الرحمن الرحيم
تمهيد في عام 11 للهجرة يفعل الدهر فعلته الاولى ، فيقلب صفحة من صفحات التاريخ الاسلامي المجيدة كتبت بأحرف من النور الالهي . كلها ايمان وصدق ، جهاد وتضحية ، فخر وقوة ، عز ومجد ، عدل ورحمة ، اخوة وانسانية .
يقلب الدهر هذه الصفحة الناصعة بالخيرات والفضائل ، بأفول ذلك النور المقدس من الارض ، فيستقبل بالمسلمين صفحة من كتابه التكويني مشوشة الخط قال عنها الكتاب التشريعي : ( أفان مات أو قتل انقلبتم على اعقابكم . . . ) . لاشك عند من يعترف بالقرآن الكريم وحيا إلهيا لا ينطق صاحبه عن الهوى ، في ان هذا الحادث التاريخي العظيم بموت منقذ الانسانية ، كان حدا فاصلا بين عهدين يختلفان كل الاختلاف : ذاك اقبال بالنفس والنفيس على الحق تعالى ، وهذا انقلاب عنه على الاعقاب . إذن نحن الآن أمام أمر واقع :
مات النبي صلى الله عليه وآله وسلم !
( 24 )
ولا بد أن يكون المسلمون ( ـ كلهم ؟ ـ لا أدري الآن ) قد انقلبوا على اعقابهم .
ولكن . . . بأي حادث كان مظهر هذا الانقلاب ؟ .
* * *
اعطني من نفسك ـ أيها القارئ ـ وفكر بحرية ، والتمس لي حادثا ذا بال وقع بعد وفاة صاحب الرسالة مباشرة ، فنضح برذاذه جميع المسلمين ، فهل تجد غير حادث « السقيفة » ؟ ما أعظمه من حادث ! وهل تدري ان الشيعة تفسر الآية الكريمة به ؟ .
فإذا أردنا الآن أن نبحث عن « السقيفة » ، فانما نبحث عن أعم حدث في الاسلام ، واول حوادثه بعد الوفاة ، له علاقتة الخاصة بالآية الكريمة ، أتفسر به أم لا ؟ .
وعلى هذا الاساس قلت في المقدمة شرق فيها قوم وغرب آخرون فدخلت العقائد والاهواء في سرد الحادثة ، فكانت ذات ألوان ووجوه يكد فيها الباحث ، ويجهد مستهدف الحقيقة .
* * *
وما علي لو أدعي قبل الدخول في بحث السقيفة ان الآية الكريمة تفسر بحوادث الردة التي وقعت في خلافة ابي بكر .
( 25 ) ولكني لا اطمئن إلى هذا الاحتمال ، ما دامت الآية تشعرنا بأن الانقلاب يقع بعد موت النبي مباشرة ، وما دامت هي خطابا لجميع المسلمين ، واهل الردة ـ كيفما فرضناهم ـ هم اقل القليل من المسلمين ، بل في العدوة القصوى منهم .
وفوق ذلك نجد ان عمدة من نسميهم بأهل الردة هم المتنبؤن واشياعهم ، كمسيلمة واتباعه ، وطليحة واوليائه . وهؤلاء كانوا في عهد النبي واستغلظ امرهم بعده ، ما عدا سجاح التميمية ، وما كان لها كبير شأن وقد اندمجت بمسيلمة . اما الاسود العنسي فقد قتل في حياة الرسول ولازم انصاره طريقته بعده . وعلقمة بن علاثة ارتد في زمانه صلى الله عليه وآله . ومثله ام رفل سلمى بنت مالك وتابعوها .
أفيصح ان نقول : إن هؤلاء انقلبوا على الاعقاب بعد النبي ، وكان الخطاب بالآية لهم ؟ اللهم ان هذا يأبى الانصاف ان يصدق به ، عند من كان له شيء من حرية الرأي وصحة التفكير .
ومالك بن نويرة (1) .
ـ مالك وادع سجاح ( والموادعة . المتاركة والمسالمة على ترك الحرب كما كان كعب القرضي موادعا لرسول الله ) . وليست الموادعة من الردة في شيء واكثر من ذلك إنما كانت ____________ (1) وبه يضرب المثل المشهور : « فتىً ولا كمالك » .
( 26 ) منه لمصلحة المسلمين ، ليرد سجاح عن غزوهم في تلك الاصقاع النائية عن مركز المسلمين . وكان الذي أراد .
وإن كانت تلك الموادعة ذنبا ، فقد اظهر هو وقومه التوبة بعد ذلك ، كما صنع وكيع وسماعة ، وهما وادعا سجاح ايضا ، وقبل المسلمون المحاربون توبتهما .
وهذا ابو بكر يدي مالكا إذ قتله خالد بن الوليد وخلا بزوجته ليلة قتله ، فهل تفسر بهذا آية الانقلاب ؟ .
ولا ذنب لمالك ـ إذ عد من اهل الردة ـ إلا أن قاتله بطل المسلمين يومئذ وقائدهم . وحقيق عليهم ان يدافعوا عن فعلته ويبرروا عمله . فليكن مالك مرتدا يستحق القتل ! وما يهمنا ان نشين مالكا بما يستحق وبما لا يستحق ، ما دامت كرامة خالد محفوظة مصونة من النقد ! .
عمر بن الخطاب يريد ان يؤخذ خالد بقتله لمالك ونزوه على زوجته وابو بكر يعتذر عنه ( انه اجتهد فأخطأ ) . وما الخطأ على المجتهدين بعزيز . وهذا من اوليات ابي بكر ، إذ يجعل الاجتهاد عذرا للمخالفة الصريحة للقانون الاسلامي .
وابو بكر لم يقل لمتمم اخي مالك انه ارتد فقتل بل قال له : ما دعوته وما قتلته ، لما قال له متمم من ابيات :
ادعـوته بـالله ثـم قتلته * لو هو دعاك بذمة لم يغدر
( 27 )
نعم ! التاريخ ينزه مالكا . وقضى الدفاع عن خالد ان يحكم بعض الكتاب في هذا العصر بكفر مالك وارتداده ! .
* * * ومن هم أهل الردة غير هؤلاء ؟ .
ـ مانعوا الزكاة .
ـ مانعوا الزكاة ؟ . من هؤلاء بأسمائهم وقبائلهم ! ليت احدا يرشدني إليهم ! فقد وجدت التأريخ يجمجم في ذكرهم فيحصر ، ويروح ويغدو فلا يجد غير المتنبئين واشياعهم . وأبو بكر لما قال كلمته المشهورة : ( لو منعوني عقالا لجاهدتهم عليه ) ، فانما قالها عندما جاء وفد طليحة المتنبئ المتقدم ذكره يطلبون الموادعة على الصلاة وترك الزكاة ، لا في قوم غير المتنبئين .
وإذا كانوا ـ وربما كانت بعض القبائل المجهولة امتنعت عن الزكاة ـ فهل العصيان بترك واجب ، وهم يقيمون الصلاة يكون كفرا وارتدادا ؟ بأي مذهب وبأي دين ؟ فليتأول المتأولون ما شاؤا .
ولم يعرف عنهم انهم أنكروا وجوب الزكاة بقول ، حتى يكونوا من منكري ضروريات الدين الذين يعدون في الكافرين المرتدين . وأكثر ما عرف عنهم إذا كان لهم من منكري ضروريات الدين الذين يعدون في الكافرين المرتدين .
( 28 ) وأكثر ما عرف عنهم إذا كان لهم وجود غير المتنبئين انهم امتنعوا عن أدائها .
وتغلق دعوى المدعي أن هؤلاء أنكروا بيعة ابي بكر التي كانت عن غير مشورة من المسلمين كما صرح به عمر بن الخطاب ، فلم يعترفوا له بامامة وولاية حتى يؤدوا له الزكاة . ولعلهم كانوا يطالبون بخلافة من كان النص من النبي على خلافته ، فأهمل مطالبتهم التأريخ .
هذه احتمالات لا يفندها التأريخ والاعتبار ، وادعتها الشيعة فيهم ، فما لنا بتكذيبها من برهان ، فالاحسن لنا ألا نعترف بوجودهم كما أهمل التأريخ أسماءهم وقبائلهم .
ومهما كان الامر ، فان استطاع الكاتب ان يثبت الانقلاب بأول حدث في الاسلام ، فلا يهمه ماذا سيكون شأن الحوادث اللاحقة ، بل يستعين على تفسيرها بتفسير الحادث الاول ، وكفى !
وأجدني مضطرا قبل كل شيء إلى ان أقف مع القارئ على ما صنعه النبي صلى الله عليه وآله ، من حل للخلاف بعده : إما في وصية باستخلاف أحد ، أو في قاعدة مضبوطة يرجعون إليها ، أو انه اهمل الامر وتركهم وشأنهم ، لان هذا البحث له علاقة قوية في موضوع بحثنا ، يتوقف عليه تفسير كثير من الحوادث .
( 29 )
إذن سنعقد الكتاب على اربعة فصول : الفصل الاول ـ في موقف النبي تجاه الخلافة الفصل الثاني ـ في تدبيره لمنع الخلاف الفصل الثالث ـ في بيعة السقيفة الفصل الرابع ـ موقف علي بن ابي طالب .
|