بسم الله الرحمن الرحيم
وله الحمد على سوابغ آلائه . والصلاة والسلام على نبيه وآله وصحبه النجباء .
ـ 1 ـ تأثير العقيدة على المؤرخ
من اشق الفروض على المؤرخ ان نفض عن ردائه غبار التعصب لنزعاته الشخصية من دينية أو قومية أو وطنية ونحوها . بل لعله من شبه المستحيل ان ينزع من قلمه لحاء عقائده وأهوائه . فان النفس تلهم عقل صاحبها التصديق بميولها وعواطفها ، وكثيرا ما تقف سدا منيعا بين بصيص عقله والحقيقة ، وإن حاول ان يخرج من نفسيته التي ورثها ونشأ عليها . ويتحلل فكره من أسرها وسجنها ليحلق في جو الحق الطليق . وإذا رأيت طائرا أسعده الحظ فتحرر من سجنه فالحقه إذا كنت حرا مثله ، فستجد ان جناحه مثقل بغبار
( 17 )
السجن ، وارجله لا تزال متأثرة بالقيود ، فيختلج في رفيفه ويتثاقل في طيرانه ، وقد يهوي أحيانا إلى الهوة غير مختار .
هذا من حاول ان يتحرر من شخصيته الاعتقادية وتأثيرها عليه . اما من يؤرخ لاجل غذاء عقيدته ، أو يؤلف ارضاء نفسه أو محيطه ، فاقرأه ألف سلام ! وأرجو من الله تعالى أن يوفقني لئلا أكونه .
وأظنني غير مبالغ إذا قلت : إن المؤرخين من السلف على الاكثر ـ وأقول « على الاكثر » إذا أردت الاحتياط في القول كانوا من النوع الثاني . بل حتى المؤرخين النوع الثاني . بل حتى المؤرخين في عصرنا لا يخرجون عن هذه الطريقة على الغالب . وإن تظاهروا بحرية الرأي وانصاف الواقع والحق ، فظهر جليا ـ بالرغم على المؤرخ ـ نزعته على قلمه ويتماشى تأريخه وتأليفه مع الروح التي يحملها ، فيختار من الاحاديث مالا يفسد عليه رأيه ، ولا يصدق إلا بما يجري على هواه . فكم يكون الرجل عنده كذابا وضاعا ، لانه نقل مالا يتفق ومبادءه ، وكم يكون ثقة صدوقا لانه لم يرو إلا أحاديث تؤيد طريقته .
ـ 2 ـ اضطراب التاريخ وهناك بلاء مني به التاريخ الاسلامي خاصة حماه
( 18 ) بالغموض والشك عن الباحثين المنصفين . ذلك كثرة ما لفقه الوضاعون والدساسون في القرون الاولى من الهجرة ، لاسيما القرن الاول فاشاحوا بوجه الحقائق وقلبوها رأسا لعقب .
وليس أدل على ذلك من التناقض والاضطراب الموجود في اكثر احاديث الوقائع التاريخية ، فضلا عن الاحكام الشرعية ، ما عدا الاختلاف في خصوصيات الحوادث والاحكام مما يذهب بالاطمئنان إلى كل حديث . ولا اظن ناظرا في التاريخ لا يصطدم بهذه الحقيقة المرة . ولا يمكن ان يحمل كل ذلك على الغلط في النقل والغفلة في ارواية .
ولنعتبر بأهم حادثة يجب اتقانها عادة ، مثل يوم وفاة الرسول صلى الله عليه وآله ، فانك تعلم كيف وقع الاختلاف في تعيين اليوم من الشهر بل في تعيين الشهر . وهذا أمر شهده جميع المسلمين وهزهم هزا عنيفا فلا يمكن ان يفرض فيه النسيان أو الغفلة . فماذا ننتظر بعد هذا من تاريخ حروبه واحواله ، ومن نقل اقواله واحاديثه لاسيما فيما يتعلق بالشئون التي اختلف فيها المسلمون فتحاربوا عليها ، أو تشاتموا لاجلها فكفر بعضهم بعضا .
ولعل اسباب الوضع ثلاثة اشياء :
1 ـ حب تأييد النزاعات والعقائد ، فيغري على الكذب ولعل ذلك يخدعه بأن الرأي الذي يعتقده حقا يسوغ له الوضع ، مادام الموضوع في اعتقاده هو أو شبيه به .
( 19 )
2 ـ حب الظهور والتفوق فقد كان للمحدث في العصور الاولى المنزلة العظيمة بين العامة ، وبالحديث كان التفاخر والتقدم ، ويمتاز من كان عنده من الحديث ما ليس عند الناس ، فأغرى ذلك ضعفاء العقول وعبدة الجاه وعبدة الجاه ، فاحتالوا للحديث من كل سبيل ، حتى من طريق الوضع والتزوير .
3 ـ ما بذله الامويون واشياعهم من كل غال ورخيص للمحدثين على وضع ما يؤيد دستهم وملكهم واهواءهم ، ولا سيما فيما يحط من كرامة آل البيت ، وفيما يرفع من شأن اعدائهم وخصومهم ، فكثرت القالة يومئذ واتسع الخرق ، حتى طعن الاسلام طعنة نجلاء لم يبرأ منها إلى يوم الناس هذا .
ـ 3 ـ خطة الكتاب فلذا وذاك أصبحت ، وانا كثير الشك والتحفظ في جملة مما ينقله المؤرخون والمحدثون ، وأقف حائرا عند كل حديث يتعلق بالخلافات المذهبية خاصة .
فكيف بي ، وانا اقحمت نفسي في البحث عن اول حادث في الاسلام نشب فيه الخلاف بعد الرسول وانشق فيه المسلمون طائفتين ذلك حادث ( السقيفة ) ! .
( 20 )
كيف بي ، وقد وقفت بين نفس تطالبني بأن ارضيها في عقيدتها ، وبين تأريخ هذا حاله قد احيط بالشكوك والشبهات وقد كتب في الحادثة الطرفان ، فشرقت طائفة وغربت اخرى .
ولكني اريد الآن ان أتحرر من عقيدتي واتمرد على نفسي فأقف حرا على نشز من الانصاف والتروي ، وأمسح عن عيني غبار التعصب لارى تلك الحقيقة الواحدة وهي واحدة في كل شيء ـ فهل اراني استطيع علاج ما بي ؟ هذا ما أشكه في نفسي وواجب علي الا اثق بها ، فما السبيل إذن ؟ ثم ماذا سأصنع في علاج الناحية الاخرى : ناحية التاريخ المظلم ؟
ـ انها لمزلة للقدم ، ولها ما بعدها ؟ .
ـ دعني أرجع ادراجي ؟ .
ـ لكنه الهوى في النفس وعزيمة صحت من عهد المعمي من عهد ليس بالقريب لا كشف لنفسي ، أو لغيري ـ إذا جاء لي ـ ذلك اللغز المعمى ، ومن يستطيع ان يدافع ذلك من نفسه .
على اني اجد في بحثي سلوة ومتعة يلذ لي فيه ان المس بعض الحقائق عن بصيرة ومتعة اخرى ان اسجله انتاجا باقيا للناس .
وايضا لما كنت احاول ـ ان صدقتني المحاولة ـ ان احيط باسرار الحادثة وفلسفتها ونتائجها ، فلا يكون ما اكتبه تأريخا مجردا جافا واحدوثة خالية من ذوق ، فان ذلك يستحثني على
( 21 ) المضي في البحث ويشجعني على اخراجه للناس . وان كان فيه صعوبة اخرى قد تقحمتها وجب الي عبؤها الثقيل .
وبعد التفكير والمحاولات مدة طويلة هديت إلى شيء واحد بالاخير ارجوا ان ابتعد بسببه عن تأثير العواطف ولعبها بالعقول واقترب من الحق والصدق ، هو ان اكثر من مراجعاتي لمؤلفات من اخالفه في الرأي من ناحية مذهبية ، بل اجعلها هي المصدر في البحث وظني ان بهذا سيحصل التفاعل من الجانبين : عقيدتي وهذه المصادر ، لينتج ما قد يسمونه ( الوسط في الرأي ) أو تكون الحقيقة قد اهتديت إليها بهذه الحيلة ، إن طاوعتني .
وقد اخذت على نفسي في هذا الكتاب ان اسجل خلاصة مطالعاتي ومحاكماتي التاريخية ، بعد ان سبرت كثيرا من المصادر القديمة التي اشرت إليها آنفا ، فإذا كنت اذكر حديثا أو حادثا تأريخيا توافرت المصادر على ذكره وتوقيقه ، فاني لا اذكر معه تلك المصادر توفيرا على القارئ خشية إعناته بدون جدوى ، الا بعض الاحاديث التي ينفرد بها مصدر أو مصدران ، فاني اضطر اضطرارا إلى ذكر المصدر في التعليقة تنويرا لذهن القارئ غير المتتبع .
وكل جهدي ان اضع بين يدي القراء صورة مصغرة مما اهتديت إليه من افكار ، ارجو ان تكون خالصة من تأثير
( 22 ) العواطف والنزعات حرة هي الحق كله أو قريبة من الحق ، وبالله التوفيق ومنه التسديد .
شهر رمضان 1353 هجرية
|