ووقفنا وراء الباب لحظات وكل منا لا يعرف كيف يتصرف ، ثم كنت انا البادئ بالكلام فقلت :
هل تسمحين لي ان اسير معك قليلا يا سندس ؟ فنظرت الي نظرة طويلة ثم قالت :
كلا ! قلت :
ولكن عندي ما اريد ان اقوله لك يا سندس فأنا لا اطيق منك هذا الصدود واريد ان تصارحينني بكل شيء ، لا شك أن هناك ما عكر صفاء روحك يا حبيبة الروح ، قالت :
ولكنني ذاهبة الى دار الطالبات ولا اتمكن أن أتأخر دقيقة واحدة ، قلت :
إذن فاسمحي لي ان أسير معك إلى هناك على الأقل ، قالت :
( 80 )
كلا ! انني لن اسمح بذلك يا فؤاد فانا أتمكن أن أذهب بنفسي إلى هناك كما أنني أتمكن ايضاً ان اتي الى هنا بمفردي بعد يومين ، قلت متوسلا :
ولكن ما الذي يدفعك للمجيء اذن ؟ فرفعت رأسها بشيء من التحدي وقالت :
انني اصبحت صاحبة قضية في هذا الموضوع وما أنا الا باحثة عن الحقيقة لحسابي الخاص وانما هو انت الذي عليّ أن أسألك ، ما الذي يدفعك للمجيء اذن ؟ لأن الحقيقة ينبغي ان تكون واضحة لديك من قبل الآن ، قلت :
ولكنها لم تكن واضحة لدي في يوم من الأيام ، انني لم اكن اعرف عن الإسلام اكثر مما تعرفين ولهذا فأنا الان اريد أن اعرف من اجل المعرفة يا سندس ، قالت :
اذن فلنستمر بمتابعة المعرفة من اجل المعرفة قلت :
ومن أجلي انا ايضا يا سندس ، قالت :
من أجلك أنت ؟ قلت :
نعم أفلا استحق منك ذلك ؟ فسكتت لحظات ثم قالت :
الحقيقة انك كنت تستحق مني كل ما هو حسن وجميل ، قلت :
( 81 )
كنت ؟ قالت :
نعم كنت ، قلت :
وأي شيء جعلني عندك في خبر كان وأنا ما زلت اعيش فيك ولك خلال كل لحظة من لحظات حياتي ، فلم أعد أعرف للحياة معناه بدونك وبدون حبك يا سندس ، فصدرت عنها آهة جريحة ولم تجب فاردفت اقول :
واذا كنت لا تسمحين لي بساعة من وقتك فاليك هذه السطور عسى أن تكون شفيعتي لديك ، قلت هذا ومددت يدي نحوها بالرسالة التي كانت لا تزال في جيبي بعد أن رفضت استلامها عند الصباح ، فترددت لحظة قلت لها خلالها متوسلا :
خذيها بالله عليك يا سندس فإنك لن تخسري شيئاً باستلامها ، ان من الحيف ان تتسبب فرية صغيرة بهدم كل ما بنيناه من صروح حب وحنان ، فمدت يدها واخذت الرسالة ثم قالت :
ما معنى الفرية يا فؤاد ؟ قلت :
الفرية هي الكلمة الموضوعة او الخبر المكذوب قالت :
وإذا حدث ما يؤكدها أو اذا وجد ما يدل على صدقها هل تبقى مجرد فرية او تتحول الى حقيقة يا فؤاد ؟ قلت :
( 82 )
ان الثقة اذا بلغت أتمها فلا ينبغي أن يوجد ما يزعزعها مهما كان قالت :
ولكن قد يشك الإنسان حتى بنفسه أحيانا ، قلت :
عند ذلك عليه أن يكون صريحاً مع نفسه فيحاسبها ويراجعها لكي يتوضح لديه الشك من اليقين فلماذا لا تكوني صريحة معي يا سندس فسكت برهة ثم قالت :
دعني افكر اولا ، قلت :
شريطة ان تقرئي هذه السطور ، فعادت تقول بشيء من الضيق :
سوف أقرأها بعد أن انتهي من تفكيري في الأمر والآن مع السلامة ، قالت هذا واتجهت نحو بيتها في خطوات مثقلة ...
أما أنا فقد عدت الى البيت وانا أهدأ مما كنت عليه لأنها رضيت أن تأخذ الرسالة اخيراً ، ولهذا فقد تمكنت من مطالعة الكتاب الذي ارشدنا اليه الاستاذ ومن مراجعة دروسي ايضاً ثم تذكرت أبياتاً شعرية كنت قد نقلتها قبل مدة عن احد الدواوين على ان اقدمها لسندس وكان مطلعها هو :
رأيتك في يومي وأمسي الذي انقضى * ولي حيثما أمضي اليك وصول
( 83 )
فخطر لي ان اخذها معي لا سلمها لها عند الصباح ولكنني افتقدتها من بين اوراقي ولما فتشت عنها لم اجدها بل افتقدت خلال التفتيس ايضا صورة صغيرة لسندس كانت قد اهدتها لي في بداية علاقتنا وصورة صغيرة لي ايضاً ، فاستغربت ضياع هذه الصورة مع انها كانت محفوظة بين اوراقي المهمة في الجرار الذي الى جوار سريري وعلى كل حال فقد قضيت ليلتي تلك بين النوم والمطالعة والتفكير وعند الصباح ذهبت الى الجامعة انتظر سندس هناك ولكنها لم تحضر لا في ذلك اليوم ولا في اليوم الذي بعده ولم اراها الا عند باب الاستاذ في عصر اليوم الثالث .
تقدمت نحوها وهي واقفة امام الباب فحييتها بلهفة مصحوبة مع كلمات حب جمدت على شفتي وانا ارى جمود ملامحها واسمع جوابها المقتضب ، ثم اردت ان اطرق الباب فقالت :
لقد طرقتها قبلك ، قلت :
إذن لماذا لم يفتح لحد الآن ؟ قالت :
إنه مفتوح ولكن يبدو ان الاستاذ خارج البيت وقد طلب ان ننتظره حتى يعود ، قلت :
إذن دعينا ندخل فليس من اللائق وقوفنا هنا ، فسكتت لحظة ثم قالت :
( 84 )
نعم ليس امامنا غير هذا ، ففتحت الباب وكنا نعرف الطريق الى غرفة الاستاذ فتوجهنا اليها ، وهناك حاولت ان انتهز هذه الفرص لا تحدث معها بشيء مما أريد ولكنها سبقتني الى الحديث حيث قالت بنبرة ساخرة مشوبة بالالم :
هلا اخبرتني ماذا رأيت في يومك يا فؤاد وماذا رأيت في امسك الذي انقضى ؟ فاستغربت منها هذا السؤال ولم افهم عنها شيئا ولهذا فقد سكت لحظات ثم قلت :
ماذا تعنين بسؤالك هذا يا سندس ؟ قالت :
أقصد من الذي رأيت يومك وفي أمسك ؟ قلت :
ان من تختلف عن ما ولهذا فأنا اتمكن ان اقول بأنني لم ار سواك وهنا تذكرت الابيات الشعرية التي ضاعت مني ووددت لو كانت معي اذن لقدمتها اليها ثم حاولت ان اقرأ لها ما احفظه منها فقلت :
رأيتك في يومي وامسي الذي انقضى * ولي حيثمــا امضي اليــك وصول فانـــت معي فيما جهدت لنيلــه * وادركنــي منــه ونى وخمــول وانت معي فيمــا احاول في غدي * ويصبو اليــه خاطـري ويمـيــل وانت معي في كل درب قطعتــه * وانفقت فيــه العمر وهــو طـويل
( 85 )
اذا اخمـدت دنياي كل توثـب * واوشك ان يعـرو الشبـاب خمول تراءيت لي في كل امر اخافه * فاشرق مربــد وضــاء سبيـل
وهنا قاطعتني سندس بشيء من النفور قائلة :
كفاية ، كفاية ارجوك فإن من المؤسف ان لا تكون هذه اول بادرة شعرية منك يافؤاد .. ومن جديد لم افهم عنها ماذا تريد ان تقول فقلت :
ولكنني لم اتحدث معك بالشعر من قبل ! قالت :
نعم انك لم تتحدث معي انا بالشعر ولكنك بدأت تتحدث بالشعر مع الأخرين ، قلت :
وهل لي حديث مع سواك يا سندس وانت حديث نفسي الوحيد ؟ قالت :
يمكن للكتابة ان تعوض عن الحديث أحيانا ، فرددت عليها بلهفة قائلا :
وهل عوضت كتابتي اليك عن الحديث يا سندس ؟ فهزت رأسها في اسف وقالت :
لو كانت قبل الأن لامكنها ان تعوض وتزيد لأنها منمقة الى أبعد حد ولكن .. قلت :
( 86 )
أرجوك لا تقولي أنها كانت منمقة فأنا لم انمق كلمة منها وانما هي عصارة روح ونفثات قلب وسفيرة امال كبار عذاب ، انني لم اتكلف بتنميق كلمة منها يا سندس ثم لماذا تقولين ، لو كانت قبل الآن ، ماذا حدث الان يا ترى ؟ لماذا تريدين ان تكوني صريحة معي وما أعتدنا على الغموض في عالم العلاقة والحب ؟ قالت :
بودي لو اتمكن أن اكون اكثر جرأة على التحدث بالحقائق المرة ولكنني جبانة وعندما أتألم من شيء لا أقوى على ذكره ولهذا فعليك انت ان تكون صريحا يا فؤاد ، قلت :
انك انت التي يجب ان تكشفي لي ما تحسين وما تعانين ، قالت :
ولكن ليس من المعقول الا تكون قد عرفت ما يضنيني يا فؤاد ! قلت :
لك أن تعدينني غبياً أو أي شيء اخر ولكنني لم أفهم على أي حال من الاحوال وانا على استعداد لأن أقدم حياتي لمن يعرفني بذلك ، قالت :
آه اذن انت لم تخمن حتى الآن ، قلت :
كلا ولكنني تصورت قضية معينة سرعان ما استبعدتها فابعدتها عن ذهني ، قالت :
( 87 )
وما هي قضيتك هذه يا فؤاد ؟ فأردت أن اذكر لها مبيت فدوى عندي ولكن العهد الذي قطعته لها بالكتمان حال دون ذلك فبقيت ساكتا لحظات وانا اعاني صراعا عنيفا بين الحديث وعدمه ، واذا بها تقول في صوت حزين :
ها انت لا تجرأ ان تذكر قضيتك يا فؤاد ومن حقك ان لا تجرأ على ذلك وها هو الاستاذ قد وصل ، وفعلا فقد كان الاستاذ يطرق باب الغرفة المفتوح برفق استعداداً للدخول ، فنهضت واقفاً لاستقباله وانا شبه مشلول الحركة والحس وقد صممت ان احدثها بكل شيء بعد انتهاء المحاضرة فإن قلب سندس أثمن عندي من الوجود بأسره ، واعتذر الاستاذ عن تأخره لأمر طارئ ثم جلس وسألنا عن مطالعتنا للكتاب الذي ذكره لنا اخيرا ثم اعاد دفتر سندس اليها بعد ان اجرى على ملاحظاتها بعض التعديلات واوضح لها بعض الشبهات ثم بدأ يحدثنا قائلا :
لقد وقفنا في الحديث الماضي عند فكرة الشمول في الرسالة الإسلامية وكيف انها هي الرسالة الوحيدة التي تشد الفرد بخالقه عن طريق مختلف ادوار حياته الإجتماعية ، والإقتصادية ، والعاطفية ، والسياسية ، حيث تصبح جميع تحركاته في الحياة عبادة صغيرها وكبيرها مهما وبسيطا ما دامت جميعها منسجمة مع القانون الالهي لمسيرة الحياة سواء ما كان منها ايجابيا كأقامة الصلاة وايتاء الزكاة أو سلبيا
( 88 ) كاجتناب الظلم والابتعاد عن البغي ونبذ الفواحش ما ظهر منها وما بطن والتنزه عن النفاق وقول الزور ، او ما كان يستند منها الى الذهن كالتفكر في خلق السماوات والأرض وسبر حقيقة الخليقةانسانها وحيوانها جمادها ونباتها ، أو ما كان روحيا اي ما كان يرتبط بالروح من اعمال كالصيام والاعتكاف حيث يبرز فيه الجانب الروحي وتأثيره في حقل الروح والارتفاع بمعنوياتها بشكل اوضح ، أو ما كان ماديا بما يرتبط في الزكاة والصدقات ومشاريع البر والاحسان ، او ما يتعلق منها بتوجيه مشاعر الإنسان وسلوكياته من عقيدة وتفكر وعواطف وتنظيم لشؤون الاسرة وتصحيح ابعاد الروابط التي تربطه مع الكون والحياة ،
|