متون الكتب :  
الفهارس :  
أسماء الكتب والمؤلفين :  
الفصل الرابع
الكتاب : امرأتان و رجل    |    القسم : مكتبة القُصص و الروايات
وصلت الرسالة إلى مصطفى ، فاستلمها على لهفة الشوق والحنين ، وأسرع إلى قراءتها بفرحة وسعادة ، ولكنه سرعان ما أحس بالصدمة والخيبة ، ثم بالذهول والحيرة ، وحاول أن يكذب عينيه ، فأعاد القراءة من جديد ، ولكن اعادة القراءة لم تزده إلا يقيناً بما يرى ، انها حسنات ، الفتاة الطيبة المؤمنة


( 351 )

الطاهرة التي اختارتها له أخته زينب ومدحتها له بشكل جعله يقدم على خطوبتها حتى دون أن يراها ، نعم أنها حسنات ، تلك التي عقد على حياته معها الآمال الكبار ، والأماني العذاب ، فإذا بها تكتب إليه لتقول وبصراحة ، بأنها لا تؤمن حتى بوجود الله !! فما أقسى هذا وأدهاه ؟ ولكن كيف حدث هذا يا ترى ؟ وكيف انخذعت بها زينب على هذا الشكل ، وهي صديقتها المفضلة ، ثم كيف له أن يتصرف حيال هذا الموقف المرير ؟ وحاول مصطفى أن يفكر بموقفه بعد أن تخلص قليلاً من هول الصدمة ، فكان أول ما خطر له أن يرسل إلى زينب رسالة تأنيب ومعها توكيل بالطلاق ، ولكنه عاد فخطر له أن تعجله بالطلاق يعني تهرباً من مسؤوليته تجاهها ، وهي مسؤولية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فلعله الآن قادر على محاولة هدايتها ، وله بعد ذلك وعلى فرض نجاحه أو فشله أن يتصرف تجاهها كما يشاء ، وكان كلما فكر أكثر ترجحت عنده هذه الخطوة فكتب إليها الجواب ، وحرص أن يكون جواباً للشبهة لا أكثر ولا أقل فكان هكذا :


بسم الله الرحمن الرحيم


السلام عليك يا حسنات ورحمة الله وبركاته.
يؤسفني أن أكون قد أبطأت عنك في الكتابة ولكنني كنت خلال هذه الفترة أحاول أن أتخلص من آثار الصدمة التي صُدمتها بك ، بعد أن استلمت رسالتك الصريحة ( على حد تعبيرك ) وحينما عجزت عن التخلص من الصدمة عدت إلى واجبي الديني تجاهك ، وقد وقفت أمام ما كتبتِ عن عدم الحاجة إلى الدين وقفة الحزين ، أفتراك جادة فيما كتبت ؟ أم أنك كنتِ تهزلين ولا أدري أي وضع مؤسف أملى عليك هذه الأفكار ؟ وبما أنك وكما أرى ضحية من ضحايا الخداع والتضليل فأنني أكتب اليك كما يكتب الأخ لأخته ، مستشعراً بالمسؤولية الدينية والاجتماعية تجاهك ، أما ما ذكرتيه في


( 353 )

خصوص ارتفاع حاجتنا عن الايمان بالله ، وبالتالي عن الدين ، فاعلمي أن الايمان بالله ـ الذي هو الطريق إلى الدين ـ ليس كما تتوهمين وليد فترة ظلم أو استغلال لأنه وجد قبل أن يوجد الظلم ، وقبل أن يوجد الاختلاف والتباين في الطبقات ، أنه ليس وليد تناقض طبقي كما خيل لك وإلا فأي تناقض طبقي يمكن أن يتصوره الانسان في بداية الخليقة ، حيث كان الغذاء واحد ، والكساء واحد ، وحدود المعرفة واحدة ، والايمان بالله وجد منذ بدء الخليقة ، ومنذ عرف الانسان معنى الوجود ، ولعلك هنا تتساءلين ، كيف يمكن لي أن أدعي هذا وأؤكد عليه ؟ ولكن ألا ترين أن لكل شيء آثاراً وسماتاً ، وآثار الشيء ترسم وجودها على صفحات التاريخ ، والتاريخ يحمل الينا ذلك بوضوح ، وهاك بعض الأمثلة على ذلك ... ففي مصر مثلاً ، كان المصريون من أعرق الأمم التي آمنت بالروح وبالبعث والثواب ، والعقاب ، ولكن على مستوى فهمهم البدائي لكل ذلك ،


( 354 )

ورمزوا للروح رموزاً عديدة تارة ( كا ) وتارة زهرة وتارة رمزوا إليه بصورة طائر له زي وجه آدمي ، وصور هذه الرموز وآثارها ما زالت واضحة بين الآثار ، وفي صفحات التاريخ ، ثم عبادتهم البدائية لفتاح ، وما كانوا عليه في تلك الفترة من محاولة التقرب إلى المعاني الروحية كما جاء في احدى صلوات فتاح = الفؤاد واللسان للمعبودات ومنه يبدأ الفهم والمقال ، فلا ينبعث من ذهن ولا لسان فكر أو قول بين الأرباب أو الناس أو الأحياء أو كل ذي وجود إلا وهو من وحي فتاح = ثم وبعد ذلك ، وحين تولى اخناتون الملك ، وقد كان معروفاً بالتأمل والتفكير ، بدأ يصحح ( وعلى مدى امكانياته وطاقاته الفكرية ) من طبيعة العبادة كما جاء في صلواته التي يحفظها التاريخ قوله = ما أكثر خلائقك التي نجهلها ، أنت الأله الأحد الذي لا إله غيره ، خلقت الأرض بمشيئتك ، وتفردت فعمرت الكون بالانسان والحيوان والكبار والصغار = هذا في مصر ، أما في الهند ، فقد اختلف


( 355 )

المؤرخون المختصون بتدوين تاريخ الهند ، اختلفوا في تحديد العصر الذي تمّ فيه التدين لديهم ، والايمان بفكرة وجود إله معبود ، فمنهم من يرده إلى ألف وخمسمائة سنة قبل الميلاد ، ومنهم من يرده إلى ستة آلاف سنة قبل الميلاد ، كما قال ( ماكس موللر ) الذي يعد حجة في اللغات الأوروبية ، قال : أياً كان العصر الذي تمّ فيه جمع الأناشيد المسطورة في ـ الريفيدا ـ فقبل ذلك العصر كان بين الهنود مؤمنون بالله الأحد الذي لا هو بذكر ولا بأنثى ولا تحده أحوال التشخيص وقيود الطبيعة الانسانية ـ وأيضاً يترجم ( موللر ) نشيد نسّاك الهند الذي تغنى به الهنود قبل الميلاد المسيحي بحوالي خمسة قرون يترجمه فنجد فيه ما يلي = لم يكن ثمة نهار ولا ليل ولم يكن إلا ( الأحد ) يتنفس حيث لا أنفاس ولا شيء سواه = وكذلك في الصين فقد عبدت لديهم الشمس والقمر والكواكب والرياح وأكبر آله عبدوها هي إله السماء وكان اله السماء بالنسبة لهم هو الأله الذي يصرف


( 356 )

الأكوان ويدبر الأمور ويرسم لكل انسان مجرى حياته ، وفي فارس كما جاء على لسان زرادشت وهو يسأل هرمز المعبود : ( يا هرمز الرحيم صانع العالم المشهود يا أيها القدس الأقدس أي شيء هو أقوى القوى جميعاً في الملك والملكوت ؟ فيقول هرمز ـ هو اسمي الذي يتجلى في أرواح عليني فهو أقوى القوى في عالم الملكوت ـ كما أنهم كانوا يؤمنون بوجود قنطرة تسمى قنطرة ( شنفادا ) تتوافى إليها أرواح الأبرار والأشرار على السواء بعد خروجها من أجسادها ، فيلقاها هناك ( رشنوه ) ملك العدل و ( ميترا ) رب النور وينصبان لها الميزان ويسألانها عما لديها من الأعذار والشفاعات ثم يفتحان لها باب النعيم أو باب الجحيم ، وفي بابل حيث توجد الحضارة البابلية التي هي أقدم الحضارات تاريخياً ، فان آثار ايمانهم بوجود خالق ما زالت ثابتة عن طريق الآثار ، ومما يذكر منها ( ايا ) اله الماء العذب و ( أنو ) اله السماء و ( مردوخ ) رب الجنود وسيد الحرب ، وفي اليونان حيث الحضارة


( 357 )

الاغريقية القديمة كان ( اكسبنوفون ) المولود قبل الميلاد بنحو ستة قرون ، أول من نقل إلى الاغريق فكرة الاله الواحد المنزه عن الاشباه ، فكان ينعي على قومه أنهم يعبدون ارباباً على مثال أبناء الفناء... ثم أننا نتمكن أن نستخلص من التاريخ أن الانسان قد آمن بفكرة الاله الواحد قبل الميلاد بأكثر من عشرة قرون...
هذه يا حسنات نبذ صغيرة ، ولمحات قصيرة ، تدل وبوضوح على أسبقية فكرة الايمان بالله لكل ما ذكرت من أسباب ، وأنني حينما أذكرها لك لا أريد أن أقول أنها وبجميع أدوارها فكر صحيحة متبلورة ، فهي خاضعة كما ترين لمستوى الانحطاط الفكري لكل جيل تمر فيه ، وهو مشوبة كما ترين أيضاً بطبيعة الأفكار المعاشة في ذلك العصر ، ولهذا نجدها في أغلب حالاتها مغايرة للايمان بالوحدانية المطلقة وإن كانت تدل بوضوح على وجود الايمان بالله ، ولكن بشكل يلائم النضوج الفكري المعاش حين ذلك ، أرجو أن لا أكون قد أطلت عليك ولعلك لو قرأت


( 358 )

كتاب الله للعقاد لازدت معرفة بما ذكرت ، ويقيناً بما كتبت ، والله من وراء القصد ، وأتمنى لك كل خير ...
مصطفى

انتهت رحاب من قراءة الرسالة ، وباتت ليلتها تلك مؤرقة تفكر فيما كتب مصطفى ، وتحاول أن تطابق بينه وبين ما تعرف لتجد أي المعرفتين أقوى ، وأيهما تستند إلى قواعد اصلب ، وركائز أعمق ، ولم تتمكن أن تتوصل إلى شيء عن طريق الفكر ، فتوجهت نحو طريق العناد ، نعم العناد الذي سيطر عليها دائماً وأبداً ، فنشطت منذ الصباح إلى الكتابة وقبل أن ترى أختها حسنات ، خشية أن تستشعر شيئاً من العواطف التي تقعد بها عن الكتابة ، سيما أنها كانت تجد حسنات في الفترة الاخيرة طويلة الصمت ، قليلة الضحك ، قد لونت صفاء وجهها مسحة من شحوب ، وكانت تعلم أن ذلك من أجل مصطفى ولسبب عدم تسلمها رسالة منه ، وكانت هي يلذ لها احياناً ، ويؤلمها في فترات قليلة عندما كان تأنيب الضمير يلح عليها بشدة ، ولهذا فقد كتبت الجواب قبل أن تبرح الغرفة وسارعت إلى أبراده نفس اليوم ، وقد كتبت إليه تقول :
عزيزي مصطفى ، يعز عليّ أن أجدك متألماً لصراحتي وقد


( 359 )

كنت أنتظر منك كلاماً رقيقاً ناعماً على غرار كلماتك في الرسالة الأولى ، ولكنك اندفعت وراء إثبات أفكارك تاركاً جانباً إثبات عواطفك ، ولعلك وجدتني غير أهل لها فأهملتها ، وعلى أي حال فإن جوابك عن قدم الايمان بالله لطيف ، والأدلة التاريخية واضحة ، ولكنني لا أزال أقول أن الإيمان بالله ليس إلا وسيلة الضعفاء عند شعورهم بالعجز أمام الأقوياء ، ان هذا الضعيف حينما يجد أنه عاجزاً عن صيانة نفسه ودفع الخطر عنها ، يبدأ يفتش عن قوة وهمية ، تحميه وتذود عنه الخطر ، ومن هنا نشأت فكرة الايمان بالله ، وبالتالي فكرة الدين ، هذا ما أعتقده يا مصطفى وحينما كنا لسنا بضعفاء ، أو حينما كنا نتمكن أن ندفع عن أنفسنا الخطر بمختلف أساليب الوقاية والحماية التي هي متوفرة الآن ، لما كنا هكذا ، فلماذا نعود لنرتبط مع مجهول من أجل أن نستمد منه الطاقة التي لم تعد تعوزنا في هذه العصور ، نعم لماذا يا ترى ؟ ليتك


( 360 )

تجيبني إن استطعت ، هذا ولك من تحياتي وأنا في انتظار الجواب.

حسنات

 شبكة البتول عليها السلام  @ 11-2006  -  www.albatoul.net

إنتاج : الأنوار الخمسة للإستضافة والتصميم @ Anwar5.Net