المطلب الاول في البكاء
ولنا على ما اخترناه فيه ـ مضافاً إلى السيرة القطعية ـ فعل النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وقوله وتقريره : أما الاول ، فانه متواتر عنه في موارد عديدة : منها : يوم أحد ، إذ علم الناس كافة بكاءه يومئذ على عمه أسد الله وأسد رسوله ، حتى قال ابن عبد البر في ترجمة حمزة من استيعابه : لمّا رأى النبي ( صلى الله عليه وآله ) حمزة قتيلاً بكى فلمّا رأى ما مثّل به شهق. وذكر الواقدي ـ كما في أوائل الجزء الخامس عشر من شرح نهج البلاغة (1) للعلاّمة المعتزلي ـ : أنّ النبي ( صلى الله عليه وآله )
1 ـ في أواخر صفحة 387 من المجلّد الثالث طبع مصر « المؤلّف ».
(14)
كان يومئذ إذا بكت صفية يبكي وإذا نشجت ينشج (1). قال : وجعلت فاطمة تبكي لمّا بكى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) (2). ومنها : يوم نعى زيداً وذا الجناحين وابن رواحة ، فيما أخرجه البخاري في الصفحة الثالثة من أبواب الجنائز من صحيحه ، وذكر ابن عبد البرّ في ترجمة زيد من استيعابه : أنّ النبي ( صلى الله عليه وآله ) بكى على جعفر وزيد وقال : « أخواي ومؤنساي ومحدثاي » (3). ومنها : يوم مات ولده إبراهيم ، إذ بكى عليه ، فقال له
1 ـ قد اشتمل هذا الحديث على فعل النبي ( صلى الله عليه وآله ) وتقريره ، فهو حجّة من جهتين ، على أنّ بكاء سيدة النساء ( عليها السلام ) كاف كما لا يخفى ( المؤلّف ). 2 ـ وراجع أيضاً في بكاء النبي ( صلى الله عليه وآله ) على عمّه حمزة وتحريض النساء على البكاء : مسند أحمد 2 / 40 ، الفصول المهمّة : 92 ، شفاء الغرام 2/347 ، ذخائر العقبى : 180 ، السيرة الحلبية 2 / 247 ، الروض الانف 6/24. 3 ـ وراجع أيضاً : ذخائر العقبى : 218 ، أنساب الاشراف : 43 ، تاريخ اليعقوبي 2 / 66 ، تذكرة الخواص : 172 ، المعجم الكبير 2 / 105.
(15)
عبد الرحمن بن عوف ـ كما في صفحة 148 من الجزء الاول من صحيح البخاري ـ : وأنت يا رسول الله ! قال : « يا ابن عوف ، إنها رحمة » (1) ، ثم اتبعها ـ يعني عبرته ـ بأخرى ، فقال : « إنّ العين تدمع والقلب يحزن ولا نقول (2) إلاّ ما يرضي ربنا ، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون » (3). ومنها : يوم ماتت إحدى بناته ( صلى الله عليه وآله ) ، إذ جلس على قبرها ـ كما في صفحة 146 من الجزء الاول من صحيح البخاري ـ وعيناه تدمعان (4).
1 ـ لا يخفى مافي تسميتها رحمة من الدلالة على حسن البكاء في مثل المقام « المؤلّف ». 2 ـ أراد بهذا : أنّ الملامة والاثم في المقام إنما يكونان بالقول الذي يسخط الرب عز وعلا ، كالاعتراض عليه والسخط لقضائه ، لا بمجرد دمع العين وحزن القلب « المؤلف ». 3 ـ وراجع أيضاً : ذخائر العقبى : 155 ، سيرة ابن إسحاق : 270 ، العقد الفريد 3/190. 4 ـ وراجع أيضاً : ذخائر العقبى : 166 ، المحلّى 5 / 145.
(16)
ومنها : يوم مات صبي لاحدى بناته ، إذ فاضت عيناه يومئذ ـ كما في الصحيحين (1) وغيرهما ـ فقال له سعد : ما هذا يا رسول الله ؟ قال : « هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده ، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء » (2). ومنها : ما أخرجه البخاري ومسلم في الصحيحين عن ابن عمر قال : اشتكى سعد ، فعاده رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) مع جماعة من أصحابه ، فوجده في غشية فبكى ، قال : فلمّا رأى القوم بكاءه بكوا ، الحديث (3). والاخبار في ذلك لا تحصى ولا تستقصى (4).
1 ـ راجع : صفحة 146 من الجزء الاول من صحيح البخاري ، وباب البكاء على الميت من صحيح مسلم « المؤلف ». 2 ـ دلالة قوله : « وإنما يرحم الله من عباده الرحماء » على استحباب البكاء في غاية الوضوح كما لا يخفى « المؤلّف ». 3 ـ فراجعه في : باب البكاء عند المريض من صحيح البخاري ، وفي باب البكاء على الميت من صحيح مسلم ، ولا يخفى اشتماله على كل من فعل النبي ( صلى الله عليه وآله ) وتقريره ، فهو حجة من جهتين ( المؤلّف ). 4 ـ كبكائه ( صلى الله عليه وآله ) على عترته من بعده [ المصنف 8 / 697 ، الفصول المهمّة : 155 ]. وبكائه على عليّ بن أبي طالب ( عليه السلام ) لما سيلقاه من بعده [ مناقب الخوارزمي : 24 و 26 ، تذكرة الخواص : 45 ]. وبكائه على الحسين ( عليه السلام ) لمّا أخبره جبرئيل بما سيجري عليه ، كما سيأتي عن قريب. وبكائه على شهداء فخ لمّا أخبره جبرئيل بالواقعة [ مقاتل الطالبيين : 436 ]. وبكائه على جدّه عبد المطلب [ تذكرة الخواص : 7 ]. وبكائه على أبي طالب [ الطبقات 1 / 105 ، تذكرة الخواص : 8 ، تاريخ اليعقوبي 2 / 35 ]. وبكائه على فاطمة بنت أسد [ ذخائر العقبى : 56 ، الفصول المهمّة : 13 ، مناقب ابن المغازلي : 77 ، تاريخ اليعقوبي 2 / 14 ]. وبكائه على أمّه عند قبرها [ المستدرك على الصحيحين 1/375 ، تاريخ المدينة المنورة 1 / 118 ، ذخائر العقبى : 258 ، المصنف لابن أبي شيبة 3 / 224 ]. وبكائه على عثمان بن مظعون [ المستدرك على الصحيحين 1/361 ، سنن البيهقي 3 / 407 ]. وبكائه على سعد بن ربيع [ المغازي 1 / 329 ]. ر
(17)
وأما قوله وتقريره ، فمستفيضان ، ومواردهما كثيرة :
(18)
فمنها : ماذكره ابن عبد البر في ترجمة جعفر من استيعابه ، قال : لمّا جاء النبي ( صلى الله عليه وآله ) نعي جعفر (1) ، أتى امرأته أسماء بنت عميس فعزاها ، قال : ودخلت فاطمة وهي تبكي وتقول : « وا عماه » ، فقال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : « على مثل جعفر فلتبك (2) البواكي » (3). ومنها : ماذكره ابن جرير وابن الاثير وصاحب العقد الفريد وجميع أهل السير ، وأخرجه الامام أحمد بن حنبل من حديث ابن عمر في صفحة 40 من الجزء الثاني من مسنده ، قال : رجع رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) من أحد ، فجعلت نساء الانصار يبكين على من قتل من أزواجهن ، فقال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : « ولكن حمزة لا بواكي له » ، قال : ثم نام فاستنبه وهنّ يبكين حمزة ، قال : فهنّ اليوم إذا بكين يبدأن بحمزة.
1 ـ هذا الحديث مشتمل على تقريره ( صلى الله عليه وآله ) على البكاء وأمره به ، على أنّ مجرد صدوره من سيدة النساء ( عليها السلام ) حجة كما لا يخفى « المؤلف ». 2 ـ هذا أمر منه ( صلى الله عليه وآله ) بالبكاء ندباً على أمثال جعفر من رجال الامة ، وحسبك به حجة على الاستحباب « المؤلف ». 3 ـ وراجع أيضاً : أنساب الاشراف : 43 ، تاريخ اليعقوبي 2 / 66.
(19)
وفي ترجمة حمزة من الاستيعاب نقلاً عن الواقدي ، قال : لم تبك امرأة من الانصار على ميت بعد قول رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : « لكن حمزة لا بواكي له » إلى اليوم إلاّ بدأت بالبكاء على حمزة (1). وحسبك تلك السيرة في رجحان البكاء على من هو كحمزة وإن بعد العهد بموته. ولا تنس مافي قوله ( صلى الله عليه وآله ) : « لكن حمزة لا بواكي له » من البعث على البكاء والملامة لهن على تركه ، وحسبك به وبقوله : « على مثل جعفر فلتبك البواكي » ، دليلاً على الاستحباب. وأخرج الامام أحمد من حديث ابن عباس ـ في صفحة 335 من الجزء الاول ـ من مسنده من جملة حديث ذكر فيه موت رقية بنت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وبكاء النساء عليها ، قال : فجعل عمر يضربهن بسوطه ، فقال النبي ( صلى الله عليه وآله ) :
1 ـ وراجع أيضاً : شفاء الغرام 2 / 347 ، السيرة النبوية 3 / 105 ، الروض الانف 6 / 24 ، ذخائر العقبى : 183 ، الفصول المهمة : 92.
(20)
« دعهن يبكين » ، ثم قال : « مهما يكن من القلب والعين فمن الله والرحمة » ، وقعد على شفير القبر وفاطمة الى جنبه تبكي ، قال : فجعل النبي ( صلى الله عليه وآله ) يمسح عين فاطمة بثوبه رحمة لها. وأخرج أحمد أيضاً من حديث أبي هريرة ـ ص 333 ج 2 من مسنده ـ حديثاً جاء فيه : أنه مرّ على رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) جنازة معها بواكي ، فنهرهن عمر ، فقال له رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : « دعهن ، فانّ النفس مصابة والعين دامعة ». إلى غير ذلك مما لا يسعنا استيفاؤه. وقد بكى يعقوب إذ غيب الله ولده ( وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزَنِ فَهُوَ كَظِيمٌ ) (1) ، حتّى قيل : ـ كما في تفسير هذه الاية من الكشاف ـ : ما جفّت عيناه من وقت فراق يوسف إلى حين لقائه ثمانين عاماً ، وما على وجه الارض أكرم على الله منه. وعن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ـ كما في تفسير هذه الاية من
1 ـ يوسف : 84.
(21)
الكشاف أيضاً ـ : أنه سئل جبرئيل ( عليه السلام ) : ما بلغ وجد يعقوب على يوسف؟ قال : وجْد سبعين ثكلى ، قال : فما كان له من الاجر؟ قال : أجر مائة شهيد (1) ، وما ساء ظنه بالله قط. قلت : أيّ عاقل يرغب عن مذهبنا في البكاء بعد ثبوته عن الانبياء ( وَمَنْ يَرْغَب عَنْ مِلَّةِ إبْرَاهِيمُ إلاَّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ ) (2). وأمّا ما جاء في الصحيحين : من أنّ الميت يعذب لبكاء أهله عليه ، وفي رواية : ببعض بكاء أهله عليه ، وفي رواية : ببكاء الحي ، وفي رواية : يعذب في قبره بما نيح عليه ، وفي رواية : من يبك عليه يعذب. فانّه خطأ من الراوي بحكم العقل والنقل. قال الفاضل النووي (3) : هذه الروايات كلّها من رواية
1 ـ هذا كالصريح في استحباب البكاء ، إذ ليس المستحب إلاّ ما يترتب الثواب على فعله كما هو واضح « المؤلف ». 2 ـ البقرة : 130. 3 ـ عند ذكر هذه الروايات في باب الميت يعذب ببكاء أهله عليه من شرح صحيح مسلم « المؤلّف ».
(22)
عمر بن الخطاب وابنه عبد الله. قال : وأنكرت عائشة عليهما ، ونسبتهما إلى النسيان والاشتباه ، واحتجّت بقوله تعالى : ( وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ) (1). قلت : وأنكر هذه الروايات أيضاً عبد الله بن عباس ، واحتج على خطأ راويها ، والتفصيل في الصحيحين وشروحهما. وما زالت عائشة وعمر في هذه المسألة على طرفي نقيض ، حتى أخرج الطبري (2) في حوادث سنة 13 من تاريخه ، بالاسناد إلى سعيد بن المسيب قال : لما توفي أبو بكر أقامت عليه عائشة النوح ، فأقبل عمر بن الخطاب حتى قام ببابها فنهاهنّ عن البكاء على أبي بكر ، فأبين أن ينتهين ، فقال عمر لهشام بن الوليد : أدخل فأخرج إلي ابنة أبي قحافة ، فقالت عائشة لهشام حين سمعت ذلك من
1 ـ الانعام : 164. 2 ـ عند ذكر وفاة أبي بكر في الجزء الرابع من تاريخه « المؤلّف ».
(23)
عمر : إنّي أحرج عليك بيتي ، فقال عمر لهشام : أدخل فقد أذنت لك ، فدخل هشام وأخرج ام فروة أخت أبي بكر إلى عمر ، فعلاها بالدرة فضربها ضربات ، فتفرق النوح حين سمعوا ذلك. قلت : كأنه لم يعلم تقرير النبي نساء الانصار على البكاء على موتاهن ، ولم يبلغه قوله ( صلى الله عليه وآله ) : « لكن حمزة لا بواكي له » ، وقوله : « على مثل جعفر فلتبك البواكي » ، وقوله : « وإنما يرحم الله من عباده الرحماء ». ولعله نسي نهي النبي ( صلى الله عليه وآله ) إياه عن ضرب البواكي يوم ماتت رقية بنت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، ونسي نهيه إياه عن انتهارهنّ في مقام آخر مرّ عليك آنفاً. ثم إذا كان البكاء على الميت حراماً ، فلماذا أباح لنساء بني مخزوم أن يبكين على خالد بن الوليد (1) ، حتى ذكر
1 ـ وبكى هو على النعمان بن مقرن واضعاً يده على رأسه ، كما نصّ عليه ابن عبد البر في ترجمة النعمان من استيعابه ، وفي أوائل الجزء الثاني من العقد الفريد قال : ولما نعي النعمان بن مقرن إلى عمر بن الخطاب وضع يده على رأسه وصاح يا أسفاً على النعمان ... وبكائه على أخيه زيد معلوم بالتواتر « المؤلّف ».
(24)
محمد بن سلام ـ كما في ترجمة خالد من الاستيعاب ـ أنه لم تبق امرأة من بني المغيرة إلاّ وضعت لمتها ـ أي حلقت رأسها ـ على قبر خالد. وهذا حرام بلا ارتياب ، والله أعلم.
(25)
|