متون الكتب :  
الفهارس :  
أسماء الكتب والمؤلفين :  
مقدمة الطبعة الاُولى ـ مُقدمة الطبعة الثانية
الكتاب : عصمة الأنبياء في القرآن الكريم    |    القسم : مكتبة رد الشبهات

مقدمة الطبعة الاَُولى

الاَنبياء والرسُل في القرآن الكريم

 

إنّ النظرة الفاحِصَة إلى الكون والحياة والاِنسان تشهد بأنّ الخلق لم يكن عبثاً وسدى، وأنّ الاِنسان لم يُخلَق بلا غاية ولا هدف، إنّما خلقه الله سبحانه، وأتى به إلى فسيح هذا الوجود لغاية روحيّة عليا، وللوصول إلى كمالٍ معنوىّ ممكنٍ.

وقد عبّر القرآن الكريم عن هذه الحقائق بمختلف التعابير قال سبحانه: (وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالاََرضَ وَما بَيْنَهُما باطِلاً ذلِكَ ظَنُّ الّذينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النّارِ) .(1) وقال سبحانه أيضاً: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرجَعُون) .(2)

غير أنّ بلوغ تلك الغاية المنشودة يتوقف على أمرين:

1. موَهلاتٍ تكوينية ذاتيةٍ كامنةٍ في وجود الاِنسان، تبعثه بدافع من ذاته للسير باتجاه الكمال.

2. قادة أقوياءٍ متعلّمين بتعليمٍ من الله ومرسلين من جانبه لقيادة الاِنسان

____________

1. ص: 27.

2. الموَمنون: 115.


الصفحة 3
وهدايته إلى ما خُلِق له، فإذا تجاوبَ العاملان الداخلىُّ والخارجىُّ تم سوقه إلى الهدف المنشود.

وهذا ممّا يشهد به العقل السليم، والذكر الحكيم.

غير أنّ قيادة الاِنسان التي بُعِثَ من أجلها الاَنبياء ليست أمراً سهلاً يمكن القيام به لكلّ من هبّ ودبّ، بل القائم به لمّا كان يُفترضُ أن يكون أُسوة للناس في العلم والعمل، وجب أن يكون موصوفاً بأمثل الصفات وأكملها وأقواها، وأن يكون منزّهاً عن كلّ مَينٍ وشينٍ وعن كلّ نقصٍ وعيبٍ، وفي مقدمة كلّ ذلك يجب أن يكون عاملاً بما يقول، قائماً بما يدعو إليه، موَتمراً بما يأمر به، منتهياً عمّا ينهى عنه، وإلاّ لزلّ كلامه عن القلوب، كما يزل المطر عن الحَجر الصلد، ولما تحقّق هدفُ البعث والاِرسال فانّ الناس يميلون بطبعهم إلى رجالٍ يُوصَفونَ بالمُثُل العُليا، ويرغبون في من يقرن منهم العلمَ بالعمل، فيما ينفرون بطبعهم عن ما يقابل هذا الطراز من الرجال وإن كانوا قمّةً في قوة الفكر، وحلاوة الكلام.

وهذا هو الذي دعا المسلمين إلى القول بوجوب عصمة الاَنبياء والرسل عن الخطأ و الزلل وعن الاِثم والعصيان.

وقد استشهدوا على ذلك بالذكر الحكيم، وحكم العقل السليم الذي لا يفارق الكتابَ الكريم.

فلاَجل ذلك أخذت مسألة العصمة في كتب الكلام والتفسير مكانةً خاصةً، وأسهب المحقّقون فيه الكلام، وإن كان بين المسلمين من شذّ ولم يصف الاَنبياء بالعصمة.


الصفحة 4

البحث عن العصمة من صميم الحياة

 

إنّ البحث عن العصمة ليس بحثاً عن مسائل جانبيةٍ لا تمتُّ إلى الحياة الاِنسانية، خصوصاً الجانب المعنوي فيها، فانّها من الاَُمور التي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالثقافة والحياة الاِسلامية الحاضرة.

فإنّ البحث في العصمة بحثٌ عمّا يضمن سلامة هذه الثقافة، واستقامتها، وبالتالي بحثٌ عمّا يضمن مطابقة حياتنا الحاضرة مع ما أنزله الله من تشريع، وما تركه نبيّه الكريم من سنّة.

من هنا يكون من المحبَّذ الموَكَّد بل من اللازم الاِمعان في حياة الاَنبياء وسيرتهم، والاِمعان في الآيات التي وردت في حقّهم، فهو بالاضافة إلى أنّه يعين على فهم حقيقة "العصمة"، ويوَكّد ارتباطها بسلامة الثقافة الاِسلامية، امتثالاً لقوله سبحانه: (أَفَلا يَتَدبَّرُونَ القُرآن) .(1) وقوله سبحانه: (كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الاََلْباب) .(2) فالنظرة الفاحصة إلى الآيات الورادة في شأن الاَنبياء، وكذا القصص المذكورة حولهم على الوجه العام، والآيات التي ترجع إلى عصمتهم من الخطأ والزلل، والاِثم والعصيان بصورة خاصة يعتبر عبادة عمليةً يُثاب عليها المفكّر المتدبر فيها.

غير أنّه للاَسف اتّخذ بعض الكتاب المتسرّعين موقفاً سلبياً في مقابل العلماء الذين بحثوا عن "العصمة" ضمن تفاسيرهم أو كتبهم الاعتقادية فقال

____________

1. النساء: 82.

2. ص: 29.


الصفحة 5
مستنكراً، ومتهجّماً عليهم:

"ما سمعنا عن أحد من الصحابة أنّه ناقش النبي في كيف أكل آدم من الشجرة؟ وكيف عصى ربّه؟ ولا ناقشوا الرسولَ في غير آدم من الاَنبياء على هذا المنحى الذي نحاه المتأخرون، ولا والله ما كان أُولئك الصحابة أقلَّ معرفةً لمكانة الاَنبياء من أُولئك المتأخّرين، ولا أقلَّ احتراماً وإجلالاً لشأنهم من أُولئك المتكلّفين مالا يعنيهم، والداخلين فيما ليس من شوَونهم.

وأمّا القلوب السقيمة فهي قلوب المتأخرين الذين فتح عليهم الشيطان باباً واسعاً من فنون الجدل، وكثرة القيل والقال، والمماحَكات اللفظية وأقوال أهل الكتاب من اليهود أشدّ الناس كراهيةً للاَنبياء، وتحقيراً لهم، ومشاقّة لهم، وكفراً بهم وتقتيلاً.(1)

نحن لا نعلّق على هذا الكلام، لاَنّه كلام ساقط جداً، فانّ كاتباً يدّعي الاِسلام وفي الوقت نفسه يصف علماء الاِسلام ـ الذين أوكل الله إليهم قيادة الاَُمّة الاِسلامية ـ بأنّهم ممّن تأثروا بفتنة الشيطان، وجعل التدبّر في آيات الكتاب العزيز من وحي الشيطان، انسان متناقض لا يستحق كلامه الردّ والنقد.

والعجب أنّ هذا الكاتب (المجهول) استثنى من الفرق الاِسلامية فرقةً واحدةً وُقُوا من كيد الشيطان ووساوسه وفتنته "وهم أهل الحديث المقتفون للاَثر، الذين جعلوا عقولهم وآراءهم تحت حكم ما جاء به الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) استمساكاً بالعروة الوثقى والحبل المتين"(2) عزب عنه أنّ أحداً من المسلمين لا

____________

1. من مقدمة "عصمة الاَنبياء" للرازي، بقلم كاتب مجهول الهوية، نشر دار المطبوعات الحديثة ـ جدّة.

2. من المقدمة أيضاً.


الصفحة 6
يعدل عن السنّة إلى غيرها بعد القرآن الكريم وأنّ إنكار السنّة إنكار لنبوة النبي الخاتم صلوات الله وسلامه عليه أبد الآبدين.

غير أنّ الكلام هو في تشخيص (الصحيح) عن غيره، و(الموضوع) عمّا عداه، فانّ تاريخ الحديث يكشف عن أنّ الحديث وقع في مشاكل كثيرة، فهذه هي المجسمة والمشبّهة لله تعالى بخلقه، يستندون إلى هذه الاَحاديث المدوَّنة في الصحاح والسنن، والمسانيد.

لا ذاكرة لكذوب !!

 

والذي أظن أنّ هذه المقدمة كتبت لغاية خاصة وهي الحطُّ من مكانة أهل البيت النبويّ وأئمتهم الذين فرض الله تعالى على الناس محبّتهم ومودّتهم، وجعلها أجر الرسالة إذ قال: (قُلْ لا أَسأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاّ الْمَوَدَّةَ فِي القُربى) .(1) فانّ هذا الكاتب (المجهول) تارة يعرف اليهود بأنّهم أشدّ الناس كراهيةً للاَنبياء وتحقيراً لهم إلى آخر ما قال... ولازم ذلك التحقير أن لا يكون الاَنبياء عندهم معصومين بل متهتكين لحرم الله.

وتارة يُشبّه المقتفين لآثار أهل البيت، باليهود، لاَنّهم أثبتوا العصمة لاَئمتهم كما أثبت اليهود العصمة للاَنبياء تكريماً لهم، وتعظيماً لشأنهم.

فما هذا التناقضُ الصريح بين الكلامين ياترى؟! فلو كان اليهود ـ كما وصفهم في العبارة الاَُولى ـ من أشدّ الناس عداوةً للاَنبياء وتحقيراً لهم، لما أثبتوا للاَنبياء العصمة التي هي من أعظم المواهب الاِلهية المفاضة للاِنسان. ولو كانت الشيعة كاليهود في القول بالعصمة فما معنى كون اليهود أشدّ الناس عداوة للاَنبياء؟! أضف إلى ذلك أنّه بأىّ دليل ينسب إلى اليهود القول بالعصمة بل هم

____________

1. الشورى: 23.


الصفحة 7
حسب نصوص التوراة زاعمين خلافها ؟

فلاَجل توقير الاَنبياء وتكريمهم، وامتثال قوله سبحانه: (ليدبروا...) عمدنا إلى جمع الآيات المتعلّقة بعصمة الاَنبياء والرسل، ما يدل منها على عصمتهم وما يتوهّم منه خلاف ذلك، ونحن نحاول بذلك سدّ فراغ ملموسٍ في المكتبة الاِسلامية بهذه الصورة الملموسة.

على أنّه وإن كان ثلةٌ من علماء الاِسلام القدامى نظير الشريف المرتضى (355 ـ 436 هـ) والخطيب الفخر الرازي (543 ـ 606 هـ) وغيرهما قد أشبعوا هذه المسألة بحثاً ودراسة، غير أنّ لكلِّ تأليفٍ مزيّتُه، كما أنّ كلّ موَلّف يناسب عصره، وثقافة بيئته.

نسأل الله سبحانه أن يعصمنا من الزلل، ويوفقنا لما يحب ويرضى.

جعفر السبحاني     
قم ـ الحوزة العلمية  
شهر ذي القعدة 1408 هـ

 

مقدمة الطبعة الثانية

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي علا بحوله، ودنا بطوله، والصلاة والسلام على أنبيائه ورسله الذين أخذ على الوحي ميثاقَهم، وعلى تبليغ الرسالة أمانتَهم، وأرسلَهم إلى عبادِه ليستأدُوهُم ميثاقَ فطرته ويذكّروهم منسىَّ نعمتِه، ويحتجُّوا عليهم بالتبليغ، ويُثيروا لهم دفائن العقول. لا سيّما خاتمَ رسله، وأفضلَ خليقته محمد، وعلى آله الذين هم عيبةُ علمِه، وموئِلُ حِكَمِه، وكهوفُ كتبه، وجبالُ دينه.

أما بعد: فإنّه سبحانه لم يخلق الناس عبثاً ولا سدى، وإنّما خلقهم لاِيصالهم إلى الكمال، وعزّز ذلك ببعثِ الرسل لهداية الناس إلى الغاية المنشودة، وقرنهم بفضائلَ، وطهّرهم عن الاَرجاس والاَدناس، حتى يتيسَّـر لهم تعليمُ الناس وهدايتهم.

وقد شهدت الآيات القرآنية على كمالهم ونضوج عقلهم، واستقامة طريقتهم، وابتعادهم عن الذنوب، وعلى ذلك استقرت العقيدة الاِسلامية عبر الاَجيال والقرون.

وقد أُثيرت منذ عصور غابرة شبهات حول طهارتهم ونزاهتهم، وتم دحضها إلاّ أنّها أُعيدت في العصور الاَخيرة باسلوب جديد من قِبَلِ بعض الباحثين وقد تشبَّثوا ببعض الآيات دعماً لموقفهم، ولهذا قمنا بتحليل هذه الآيات وتفسيرها على منهج موافق لقواعد التفسير كي يتّضح أنّ هذه الآيات لا


الصفحة 6
تمس كرامة العصمة بل تعزّزها.

وثمة بحوث جانبية حول واقع العصمة وحقيقتها وأسبابها قدّمناها على تفسير الآيات لتكون كالمقدمة، والله سبحانه من وراء القصد.

جعفر السبحاني
قم ـ موَسسة الاِمام الصادق (عليه السلام)
تحريراً في الرابع عشر من
شهر رمضان المبارك من شهور عام 1420 هـ


 شبكة البتول عليها السلام  @ 11-2006  -  www.albatoul.net

إنتاج : الأنوار الخمسة للإستضافة والتصميم @ Anwar5.Net