متون الكتب :  
الفهارس :  
أسماء الكتب والمؤلفين :  
المبحث الثالث في الاجزاء ، المقام الأول : اجزاء الإتيان بكل مأمور به عن أمر نفسه
الكتاب : نهاية الافكار ج1 ـ 2    |    القسم : مكتبة علم الأصول
المبحث الثالث : في الاجزاء

    قد وقع الخلاف والكلام بين الأصحاب في اقتضاء الاتيان بالمأمور به على وجهه للاجزاء وعدمه. وقبل الخوض في المرام ، ينبغي تمهيد مقدمة لبيان عناوين الألفاظ الواقعة في حيز البحث.
    فنقول : ان من العناوين الواقعة في حيز موضوع البحث كلمة ( على وجهه ) والظاهر أن المراد منها كما قربة في الكفاية هو النهج الذي ينبغي ان يؤتى المأمور به على ذلك النهج شرعا وعقلا كقصد الامتثال مثلا ، لا الاتيان بالمأمور به على وجه وجوبه أو استحبابه وكونه متميزا عن غيره كما يدعيه القائل بوجوب قصد الوجه والتميز كما يشهد لذلك تعرضهم طرا لهذا البحث بهذه العناوين المزبورة مع ذهاب كثير منهم بل أكثرهم على عدم اعتبار قصد الوجه والتميز في المأمور به لا شرعا ولا عقلا ولا الكيفية الخاصة المعتبرة في المأمور به شرعا مثل عنوان الظهرية والعصرية ونحوهما من العناوين الخاصة التي بها صار المأمور به متعلقا للامر والطلب ، كيف وانه مضافا إلى بعد ذلك في نفسه يلزمه لغوية القيد المزبور إذ عليه كان في ذكر المأمور به غنى وكفاية عن ذكر كلمة ( على وجهه ) نظرا إلى عدم خلو المأمور به عن مثل هذه الكيفيات فيكون القيد المزبور حينئذ توضيحيا محضا. وحينئذ فيتعين ما ذكرناه من كون المراد منها النهج الذي ينبغي ان يؤتى المأمور به على ذلك النهج شرعا وعقلا كقصد التقرب والامتثال ، وعليه يكون القيد المزبور احترازيا لا توضيحيا ، لكن ذلك أيضا بناء على تجريد متعلق الامر في العبادات عن قصد التقرب وجعله من الكيفيات المعتبرة في المأمور به عقلا لا شرعا كما هو مسلك


(223)

الكفاية ، والا فبناء على القول باعتباره في المأمور به شرعا يكون توضيحيا محضا ، كما أنه كذلك أيضا بناء على جعل المأمور به عبارة عن الحصة الملازمة مع قصد التقرب الناشي عن دعوة الامر بنحو القضية الحينية لا التقييدية بالتقرب الذي ذكرناه في مبحث التعبدي والتوصلي من عدم انفكاك المأمور به بما هو مأمور به عن قصد دعوة الامر حتى في التوصليات ، إذ عليه أيضا يكون كلمة ( على وجهه ) لمحض التوضيح ، لأنه بعد عدم اتصاف الذات غير المقرونة بقصد التقرب بكونها مأمورا بها يكون في ذكر كلمة المأمور به غنى وكفاية عن ذكر كلمة ( على وجهه ) كما هو واضح.
    ومن العناوين كلمة ( الاجزاء ) والظاهر أن المراد منه انما هو معناه اللغوي أعني الكفاية كما في الكفاية وان اختلف ما يكفي عنه من حيث سقوط التعبد به ثانيا تارة ، وسقوط القضاء أخرى فالمراد منه انما هو كفاية الاتيان بالمأمور به على وجهه في عدم التعبد باتيانه ثانيا في الوقت أو في خارجه ، كان قضية عدم التعبد به بنحو العزيمة أو بنحو الرخصة.
    ومن العناوين كلمة ( الاقتضاء ) والظاهر أن المراد منها أيضا هو الاقتضاء بحو العلية والتأثير بحسب مقام الثبوت لا الاقتضاء بنحو الكشف والدلالة بحسب مقام الاثبات ، ومن ذلك أيضا نسب الاجزاء في عنوان البحث إلى الاتيان دون مدلول الصيغة. نعم في الاجزاء بالنسبة إلى المأمور به بالامر الاضطراري والظاهري يمكن ان يقال : بان الاقتضاء فيهما هو الاقتضاء بنحو الكشف والدلالة ، نظرا إلى رجوع جهة البحث حينئذ إلى مدلول الصيغة من جهة الدلالة على وفاء المأتى به الاضطراري بمصلحة المأمور به الاختياري.
    وعلى كل حال فلايرتبط هذا البحث بالبحث المتقدم من دلالة الصيغة على المرة أو التكرار كما توهم بخيال ان القول بعدم الاجزاء هو عين القول بالتكرار في المسألة السابقة كعينية القول بالاجزاء مع القول بالمرة ، إذ نقول : بان البحث في المسألة المتقدمة انما هو في تعين ما هو المأمور به بأنه هل هو مجرد الطبيعة ؟ أو المرة بمعنى الفرد أو الدفعة ؟ أو التكرار بمعنى الموجودات أو الدفعات ؟ بخلافه في المقام فان البحث فيه انما هو في ذاك المأمور به المتعين هناك بان الاتيان به على وجهه يجزي عن التعبد به ثانيا أم لا ومعه لايرتبط إحدى المسئلتين بالأخرى كما هو واضح ، خصوصا إذا جعلنا الاقتضاء في المقام بمعنى العلية والتأثير لسقوط الامر ثبوتا إذ عليه يكون الفرق بين المقامين أوضح ، نظرا إلى رجوع


(224)

البحث في تلك المسألة إلى دلالة الصيغة على المرة أو التكرار ، ورجوعه في المقام إلى اقتضاء الاتيان بالمأمور به ثبوتا لسقوط الامر.
    ومما ذكرنا ظهر أيضا جهة الفرق بين هذه المسألة وبين مسألة تبعية القضاء للأداء وعدم ارتباط إحديهما بالأخرى ، كما توهم أيضا بخيال أن التعبية بعينها عبارة عن القول بعدم الاجزاء كعينية القول بالاجزاء مع القول بكونه بأمر جديد ، وتوضيح الفرق هو ان البحث هو تلك المسألة انما هو في مورد عدم الاتيان بالمأمور به على وجهه اما لعدم الاتيان به رأسا أو الاتيان به على غير وجهه المعتبر فيه شرعا ، بخلاف المقام فان البحث فيه انما هو في مورد الاتيان بالمأمور به على وجهه ، فهما متقابلان حينئذ كما هو واضح.
    وإذ تمهدت هذه الجهة فلنرجع إلى هو المهم والمقصود فنقول : ان الكلام في الاجزاء وعدمه يقع تارة في اجزاء الاتيان بالمأمور به الواقعي الاختياري عن الاتيان به ثانيا وكذا الاتيان بالمأمور به الاضطراري والمأمور به بالامر الظاهري عن مثله ، وأخرى في اجزاء الاتيان بالمأمور به الاضطراري عن المأمور به الاختياري في عدم التعبد به بعد رفع الاضطرار ، وثالثة في اجزاء الاتيان بالمأمور به بالامر الظاهري عن المأمور به بالامر الواقعي في سقوط التعبد به بعد انكشاف الخلاف ، فهنا مقامات ثلاثة وينبغي اشباع الكلام في كل واحد من المقامات المزبورة ، فنقول :
    اما المقام الأول فيقع الكلام فيه في اجزاء الاتيان بالمأمور به الواقعي الاختياري عن التعبد به ثانيا ، فنقول لاينبغي الاشكال في أن الاتيان بالمأمور به الواقعي بجميع ما اعتبر فيه شرعا وعقلا كان موجبا لسقوط الامر عن الطبيعة المأمور بها ومجزيا عن التعبد به ثانيا من جهة انه بمجرد الاتيان بالطبيعي في الخارج في فرض مطلوبية صرف الوجود لا الوجود الساري يتحقق الامتثال وينطبق عليه عنوان الإطاعة ومعه يسقط الامر والتكليف عنه لا محالة ولايبقي مقتض للاتيان به ثانيا بوجه أصلا ، كما لايخفى. هذا إذا كان قضية الاتيان بالمأمور به في الخارج علة تامة لحصول الغرض الداعي على الامر به ولقد عرفت ان الاجزاء في مثله عقلي محض لاستقلال العقل حينئذ بسقوط الغرض وسقوط الامر بسقوطه بمجرد الموافقة وإيجاد المأمور به ، واما لو لم يكن مجرد الاتيان بالمأمور به علة تامة لحصول الغرض وتحققه بل كان لاختيار المولى أيضا دخل في حصول غرضه كما نظيره في العرفيات في مثل أمر المولى عبده باتيان الماء واحضاره عنده لأجل الغرض


(225)

الذي هو رفع عطشه بشر به إياه حيث إنه في مثل هذا الفرض لايكون مجرد الاتيان بالماء واحضاره عند المولى علة لحصول غرضه الذي هو رفع عطشه بل كان لاختيار المولى وارادته إياه للشرب أيضا دخل في تحققه لكونه هو الجزء الأخير من العلة لحصول غرضه الذي هو رفع عطشه ، ففي مثل حيثما كان الإرادة المتعلقة بايجاد الماء بحسب اللب إرادة غيرية وتكون الإرادة النفسية لبا هي المتعلقة بحيث رفع العطش ، فلا جرم يبتنى جواز الاتيان بالمأمور به ثانيا وعدم جوازه على القولين في باب مقدمة الواجب : بان الواجب هل هو مطلق المقدمة ولو لم توصل أو ان الواجب هو خصوص الموصلة منها ؟ فعلى القول بوجوب مطلق المقدمة يكون حال هذا الغرض حال الفرض السابق من علية الاتيان بالمأمور به لسقوط الامر وحصول الغرض ، فكما انه في ذلك الفرض باتيان المأمور به يسقط الامر والتكليف ولايجب على المكلف بل لايجوز عليه الاتيان به ثانيا بعنوان امتثال الامر بالطبيعة ، كذلك في هذا الفرض فباتيان المأمور به في هذا الفرض أيضا يسقط الامر به فلايجوز له الاتيان به ثانيا بعنوان امتثال الامر الأول فضلا عن وجوبه. واما على القول بوجوب خصوص المقدمة الموصلة لا مطلقها فلازمه هو جواز الاتيان بالمأمور به ثانيا بعنوان امتثال الامر بالطبيعة مع عدم اختيار المولى إياه ، إذ ما دام عدم اختيار المولى للمأتي به الأول حيثما كان الغرض الداعي على الامر بعد بحاله كان الامر بالايجاد والآتيان أيضا على حاله من الفعلية ، غايته ان ليس له الفاعلية والمحركية بعد الاتيان بالمأمور به أولا بملاحظة صلاحية المأتي به للوفاء بالغرض لا انه يسقط رأسا بمجرد الاتيان بالمأمور به ، ونتيجة ذلك التفكيك بين فعلية الامر وفاعليته هو جواز الاتيان بالمأمور به ثانيا ما دام بقاء الماتى به الأول على صلاحيته للوفاء بغرض المولى ووجوب الاتيان به في فرض خروجه عن القابلية المسطورة كما في المثال من فرض إراقة الماء المأتى به لغرض الشرب قبل اختيار المولى إياه إذ حينئذ ربما يجب على العبد والمأمور مع علمه بذلك الاتيان بفرد آخر من الطبيعي المأمور به كما لايخفى ، ونتيجة ذلك في فرض تعدد الاتيان بالمأمور به هو وقوع الامتثال بخصوص ما اختاره المولى منهما لا بهما معا وصيرورة الفرد الآخر غير المختار لغوا محضا لا انه يتحقق به الامتثال أيضا كي يكون قضية الاتيان بالمأمور به متعددا من باب الامتثال عقيب الامتثال ، فعلى ذلك فما وقع في كلماتهم من التعبير عن المأتى به ثانيا بكونه من الامتثال بعد الامتثال لا يخلو عن تسامح واضح كما هو واضح ، لأنه على كل


(226)

تقدير لايكاد يكون قضية الاتيان بثاني الوجود حقيقة من باب الامتثال بعد الامتثال.
    ثم إن ما ذكرناه من التشقيق بين كون الاتيان بالمأمور به تارة علة لحصول الغرض وأخرى مقتضيا لذلك على معنى مدخلية اختيار المولى إياه في تحقق غرضه انما هو بحسب مقام الثبوت. واما بحسب مقام الاثبات فربما أمكن دعوى ظهور الأدلة في علية الاتيان بالمأمور به لحصول الغرض وسقوط الامر نظرا إلى تحقق الامتثال بمحض ايجاد المأمور به في الخارج ، وعليه فلا مجال للاتيان بالمأمور به ثانيا بعنوان إطاعة الامر الأول الا إذا قام دليل بالخصوص على جوازه ومشروعيته ، كما في باب إعادة من صلى فرادى جماعة حيث ورد الامر فيه بالخصوص على إعادة الصلاة جماعة معللا فيه بان الله يختار أحبهما فيستكشف منه حينئذ عدم كون مجرد الاتيان بالمأمور به علة لحصول الغرض بل وان لاختيار المولى أيضا دخلا في حصول غرضه ، كما نظيره في مثال الامر بالماء لأجل غرض رفع العطش ، اللهم الا ان يقال : بان الامر بإعادة من صلى منفردا جماعة انما هو لأجل تحصيل المصلحة القائمة بخصوصية الجماعة حيث إنه لما كان لايمكن استيفاء تلك المصلحة الا بإعادة الصلاة امر جديدا استحبابا بإعادة أصل الصلاة على الكيفية الخاصة ، وعليه فلا مجال لاستكشاف عدم علية مجرد الاتيان بالمأمور به لحصول الغرض الداعي على الامر به ومدخلية اختيار المولى أيضا في ذلك ، ولكن مثل هذا المعنى ينافيه قضية التعليل الوارد في الخبر ( بان الله سبحانه يختار أحبهما إليه ) فان مقتضي التعليل المزبور هو مدخلية اختيار المولى أيضا في حصول غرضه ومرامه ولازمه وقوع الامتثال بخصوص ما اختاره المولى وأحبه منهما وصيرورة الآخر لغوا محضا فتدبر.
    وعلى ذلك أيضا يمكن ان يحمل عليه كلام الجبائي من مصيره إلى عدم الاجزاء ، وذلك بارجاع كلامه إلى عدم الاجزاء بالمعنى الذي ذكرناه امكانا ، نظرا إلى احتمال عدم كون المأتى به علة تامة لحصول الغرض وسقوط الامر بشهادة التعليل الوارد في الامر بإعادة من صلى فرادى جماعة ، وعلى كل فهذا كله فيما يتعلق بالمقام الأول.

 


 شبكة البتول عليها السلام  @ 11-2006  -  www.albatoul.net

إنتاج : الأنوار الخمسة للإستضافة والتصميم @ Anwar5.Net