السنة وعلم الغيب وبعد أن أشرت إلى أنّ الشيعة يرون أنّ الإِمام مستعد لأن يفيض عليه الله عز وجل من نوره وعلمه لأنّه وُجد القابل فلا بخل، في ساحة الله تعالى فعلم الغيب للذات عند الشيعة مختص بالله تعالى أما علم أهل البيت فأما إفاضة مباشرة من الله عن طريق الإِلهام أو التحديث، أو بتوسط النبي، على أنّه لا ينكر أنّ هناك من يغلو في أهل البيت ونحن من هؤلاء براء وسيمر علينا ذلك إلا أنّ الذي اُريد قوله: إنّ أهل السنة يثبتون علم الغيب لأئمتهم على نحو ما يفعل الشيعة ويرون أنّهم محدّثون: ومن ذلك ما رواه القرطبي في تفسير للآية 52/من سورة الحج وهي قوله تعالى: (وما أرسلنا قبلك من رسول ولا نبي) إلى آخر الآية، فقال: جاء عن ابن عباس أنّه كان يقرأ الآية هكذا: وما أرسلنا قبلك من رسول ولا نبي ولا محدّث الخ ذكره مسلمة بن القاسم بن عبدالله ورواه سفيان عن عمر بن دينار عن ابن عباس قال مسلمة: فوجدنا المحدّثين معتصمين بالنبوة لأنّهم تكلموا باُمور عالية من أنباء الغيب خطرات، ونطقوا بالحكمة الباطنة فأصبوا فيما تكلموا وعصموا فيما نطقوا كعمر بن الخطاب في قصة سارية وما تكلم به من البراهين العالية هذا هو نص ما أورده القرطبي( (2) ) وكذلك روى السيوطي قراءة الآية المذكورة وتكلم عن الحدّثين في تفسيره الدر المنثور فراجعه( (3) ). وقد روى البخاري في صحيحه باب مناقب عمر عن أبي هريرة قال قال النبي صلى الله عليه وآله وسلّم لقد كان فيما قبلكم من بني إسرائيل رجال يكلمون من غير أن يكونوا ____________ (1) مقتل الحسين للمقرم باب علم الإِمام ص24 فصاعداً. (2) انظر القرطبي تفسير سورة الحج من تفسيره. (3) انظر الدر المنثور 4/366.
( 159 ) أنبياء فإن يكن من اُمتي فيهم أحد فعمر، كما أخرج مسلم في صحيحه في باب فضائل عمر عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلّم قد كان في الإِسلام قبلكم محدّثون فإن يكن في اُمتي منهم أحد فعمر بن الخطاب منهم( (1) ). ولم يقف الأمر عند الخلفاء ولكنّه وصل إلى عمران بن الحصين، فعن مطرف قال: قال لي عمران بن الحصين: اُحدثك حديثاً عسى الله أن ينفعك به: إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم جمع بين حجة وعمرة ثم لم ينه عنه حتى مات ولم ينزل فيه قرآن يحرمه، وإنّي كنت اُحدّث حتى اكتويت فتركت ثم تركت الكي فعاد وقد روى ذلك كل من الدارمي ومسلم في صحيحيهما( (2) ). ولست أدري ما هي صله الكي بهروب المحدّث والعلم عند الحصين رحمه الله. بل إنّ عمر بن عبدالعزيز الخليفة الاُموي كان الخضر يمشي معه ويحدثه كما رويّ ذلك ابن حجر في التهذيب( (3) ). وبعد كل هذا الذي أوردناه فهل يشكل هذا مبرراً لأن يكون أهل البيت ممن يفاض عليهم العلم أم لا؟ أغلب الظن أنّ الإِشكال سيبقى قائماً وسيبقى الشيعة غلاة أومخرفين لأنّهم يقولون إنّ الأئمة يعلمون الغيب بأمر الله. الأمر الرابع: الذي استنكره الاستاذ فرغل أن تأتي منزلة أئمة أهل البيت بعد منزلة النبي صلى الله عليه وآله وسلّم مباشرة عند الشيعة، والمقصود الأئمة الإثنا عشر فقط لا غيرهم، والحقيقة أنّ الشيعة ليسوا هم الذين وضعوا الأئمة بهذا الموضع بل السماء هي التي وضعتهم والشيعة تعبدوا بأمر السماء يقول الله عالى: (إنما وليكم الله ورسوله ____________ (1) صحيح البخاري وصحيح مسلم باب فضائل عمر. (2) الغدير للأميني 6/186. (3) التهذيب لابن حجر 7/477.
( 160 ) والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون) 56/المائدة. فقد تظافرت الروايات على نزولها في الإِمام عليٍّ عليه السلام وأنّها أشركته في الولاية العامة وقد روى ذلك كل من الفخر الرازي في تفسيره، وابن جرير الطبري في تفسيره، والبيضاوي في تفسيره، وأبي حيان في تفسيره والزمخشري في تفسيره وابن كثير في تفسيره وغيرهم ثم من بعد القرآن الكريم أعطته السنة النبوية هذه المكانة فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلّم: أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلا أنّه لا نبيَّ بعدي، والحديث من الأحاديث المتواترة وقد أخرجه أهل الصحاح ومنهم البخاري ومسلم في صحيحيهما في باب فضائل علي من صحيح البخاري وكذلك من صحيح مسلم. ويأتي أولاد عليٍّ عليه السلام من بعده وقد وضعهم النبي صلى الله عليه وآله وسلّم في هذه المكانة وليس أدل على ذلك من أنّه جعلهم عدل الكتاب فقال صلى الله عليه وآله وسلّم إنّي مخلف فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبداً. إلى آخر الحديث( (1) ) . والآن لنرجع إلى الفكر السني فسنجده يضع أئمته في نفس الموضع بدون نكير بل يرى أنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلّم وهو المسدد بالوحي لا يستغني عن هؤلاء الأئمة لحاجته إليهم: يقول الحاكم في المستدرك بسنده عن حذيفة بن اليمان: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم يقول لقد هممت أن أبعث إلى الآفاق رجالاً يعلمون الناس السنن والفرائض كما بعث عيسى بن مريم الحواريين، قيل له: فأين أنت عن أبي بكر وعمر؟ فقال صلى الله عليه وآله وسلم: إنه لا غنى بي عنهما إنّهما من الدين كالسمع والبصر( (2) ). بل أعطى السنة للصحابة منزلة تساوي منزلة النبي من ناحية حجية أقوالهم وأفعالهم وكونهم مصدراً للتشريع: يقول موسى جارالله في الوشيعة: «نحن فقهاء أهل السنة والجماعة نعتبر سيرة الشيخين الصديق والفاروق أصلاً تعادل سنن الشارع في إثبات الأحكام الشرعية في حياة الاُمة وإدارة الدولة وأنّ الخلافة الراشدة معصومة عصمة الرسالة وأنّها ناصفتها في ____________ (1) البيان والتعريف لابن حمزة الحنفي 2/136. (2) مستدرك الحاكم 3/745.
( 161 ) تثبيت أركان دين الإِسلام»( (1) ) فالخلفاء كما ينص جارالله هنا سيرتهم تعادل سنة النبي ونص القرآن، والخلفاء معصومون كالنبي صلى الله عليه وآله وسلّم وأنّهم شاطروا النبي فلهم نصف تثبيت الإِسلام وللنبي صلى الله عليه وآله وسلّم النصف الثاني ويقول الإِمام الغزالي: مذهب الصحابي حجة مطلقاً( (2) ). ويقول: ابن قيم الجوزي إنّ فتاوى الصحابة أولى أن يؤخذ بها وإن اختلفوا فإن كان الخلفاء الأربعة في شق فلا شك أنّه الصواب وإن كان أكثرهم في شق فالصواب الشق الأغلب وإن كانوا إثنين وإثنين فشق أبي بكر وعمر أقرب إلى الصواب فإن اختلف أبو بكر وعمر فالصواب مع أبي بكر وكلما كان العهد بالرسول أقرب كان الصواب أغلب( (3) ) وما أدري ما يقصده ابن القيم من قرب العهد فإذا كان يريد القرب الزماني فكل الخلفاء كانوا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلّم في زمان واحد وإن كان يريد القرب المكاني بالإِضافة لذلك فعليّ كان ألزم للنبي صلى الله عليه وآله وسلّم من ظله فعلى تعليل ابن القيم يجب تقديم قوله إذا تعارض مع أقوال غيره. ودعني اُحدثك عن أروع من هذا كله وهو أن يكون قول بعض أئمة السنة هو المقياس لتصحيح القرآن وأحاديث النبي صلى الله عليه وآله وسلّم إذا اختلف الكتاب والسنة مع قول ذلك الإِمام: يقول الكرخي من أئمة الأحناق: الأصل وجوب العمل بقول أبي حنيفة، فإن وافقه نص الكتاب والسنة فذالك. وإلا وجب تأويل الكتاب والسنة على وفق قول أبي حنيفة، وقد ذكر ذلك الأستاذ رشيد رضا في تفسير المنار عند تفسير الآية: (ومن الناس من يتخذ من دون الله أنداداً) الآية 165/ من سورة البقرة( (4) ). ويأتي القوشجي دون الكرخي بمرقاة فإذا كان الكرخي جعل فقه الأحناف هو المقياس الذي يعرض عليه الكتاب والسنة، فإن القوشجي جعل للخليفة عمر حقاً في أن يجتهد مقابل ____________ (1) تظرية الإِمامة ص61. (2) المستصفى 1/260. (3) أعلام الموقعين 4/118. (4) تفسير المنار 2/83.
( 162 ) الرسول فاسمعه في مبحث الإِمامة من كتابه شرح التجريد يقول: إنّ عمر قال وهو على المنبر: أيها الناس ثلاث كنَّ على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم وأنا أنهى عنهنّ واُحرمهنّ واُعاقب عليهنّ: متعة النساء، ومتعة الحج، وحيَّ على خير العمل، ثم عقب القوشجي على ذلك بقوله: إنّ ذلك ليس مما يوجب قدحاً فيه فإنّ مخالفة المجتهد لغيره في المسائل الإِجتهادية ليس ببدع( (1) ). بعد ذلك نقول للأستاذ فرغل إننا نضع الإِمامة بعد النبوة ونتعبد بما أعطاه النبي صلى الله عليه وآله وسلّم للإِمام عن صلاحيات، ولكننا لا نجعل الإِمام مقياساً يعرض عليه الكتاب والسنة بل العكس المقياس هو الكتاب والسنة ونرمي بما خالفهما عرض الجدار، كما أننا لا نجيز الإِجتهاد مقابل النص كما اعتبر القوشجي النبي صلى الله عليه وآله وسلّم على أنّه مجتهد وقد خالف بذلك إطلاق قوله تعالى: (وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى) الآيتان 3و4/ من سورة النجم، ومع ذلك فإنّ تقييم الإِمام عندنا موضع استغراب، بينما يذهب غيرنا في أئمتهم إلى ما ذكرناه عنهم ومع ذلك لا تسمع من ينقدهم فلماذا هذا يا أستاذ فرغل؟ هل حاولت مرة أنت أو أمثالك أن تسألوا أنفسكم عن صحة عقائدكم أو تنقدوها كما تنقدون غيركم أم أنكم شعب الله المختار يجوز لكم ما لا يجوز لغيركم أم ماذا؟ 5 ـ الأمر الخامس: إعتبر الأستاذ فرغل روايات الشيعة بأنّها مناخ صالح للغلو، واُريد أن أشرح للأستاذ فرغل موقف الشيعة من الغلو والغلاة: فالغلو عرّفه الطبرسي في تفسيره عند شرح الآية 77 من سورة المائدة: (قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق) بأنه ما يقابل التقصير وهو تجاوز الحد، فقال: إنّ معنى الآية: لا تتجاوزوا الحد الذي حدّه الله، لكم إلى الإِزدياد، وضده: التقصير وهو الخروج عن الحد إلى النقصان، والزيادة في الحد والنقصان عنه كلاهما فساد، ودين الله الذي أمر به هو بين الغلو والتقصير وهو الإِقتصاد ـ أي الإِعتدال ـ ( (2) ). ____________ (1) الغدير للأميني 6/223. (2) مجمع البيان 2/230.
( 163 ) أما مناشئ الغلو فأبرزها وأهمها في نظرنا أربعة مناشئ هي على التوالي: أ ـ المنشأ الأول: أن يغالي الإِنسان بشخص أو فكرة ليتخذ من ذلك مبرراً لاختياره الإِنتماء لهذه الفكرة أو الشخص فكأنّه يريد مرجحاً أمام الناس ومبرراً نفسياً ويتبلور هذا المعنى أكثر وأكثر في العقيدة بالأشخاص فإنّ الأتباع يحاولون رفع من يعتقدون به إلى مستويات غير عادية وهذا المعنى موجود على الصعيد الديني والسياسي، فقد وصف هوبز الحاكم بأنّه المعبر عن إرادة الله وإرادة الشعب، ومنحه السلطة المطلقة في التصرف، ولم يعط الشعب حق عزله واعتبر إرادته من إرادة الله تعالى، وقد ذهب فلاسفة الألمان نفس المذهب فيما خلعوه على الحاكم من صفات، وأشدهم في ذلك: هيكل أستاذ ماركس، فالملك عند هيكل صاحب السلطة المطلقة، وله مركز مستقل عن مصالح الأفراد وتتمثل في شخصيته الذات النهائية وهو مجموع الشعب مشخص في واحد، وهو وهو الخ. وقد سبق هؤلاء جميعاً أفلاطون حين أعطى الحاكم منازل مقدسة، وكذلك الفارابي حيث صور رئيس المدينة بأنّه متصل بالعقل الفعال حيث يقترب من الله تعالى( (1) ). إنّ كل هذه المواقف تبرير لاعتناق الفكرة بنحو وآخر يوجده تصور معين. ب ـ المنشأ الثاني للغلو: رد الفعل فإنّ البعض قد يضطهد من أجل معتقداته، وقد ينتقص أو يشتم أو يهزأ به فيدفعه كل ذلك إلى المغالاة بدافع رد الفعل، ولهذا رأينا القرآن الكريم في مثل هذه المواطن أخذ العوامل النفسية بعين الأعتبار إذ يقول تعالى: (ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدواً بغير علم) 108/ الأنعام. وهذه المسألة لها تطبيقاتها على أبعاد التاريخ في كثير من الموارد، ومن هنا ذهب دونالدسن : إلى أنّ القول بالعصمة هو رد فعل من الخلفاء الغاصبين وهو ____________ (1) نظرية الإِمامة ص135 فصاعداً.
( 164 ) واهم بذلك( (1) ). وقد كان لردة الفعل دور كبير في تاريخ المسلمين وعقائدهم يجب أن يؤخذ بعين الإِعتبار عند معالجة كثير من المواقف وتقييم النصوص في مختلف الميادين. ج ـ المنشأ الثالث: هو الغلو الذي ينشأ من الطيبة والبراءة وحسن الظن بالآخرين فيركن إلى مرويّاتهم من دون تمحيص خصوصاً من الذين اندسوا في الإِسلام لسبب وآخر وأردوا تغطية حقيقتهم فتحمسوا تحمساً مشبوهاً لأشخاص أو أفكار، وهذا المنشأ: الحديث فيه طويل فإنّ كثيراً من المندسين لبعوا دوراً بارزاً في تسجيل نظريات ومواقف تنزع إلى الغلو حتى أفسدوا على كثير من المسلمين عقائدهم لمختلف الأهداف التي كانت تدفعهم وقد كان لكل مذهب من المذاهب حصة من هؤلاء تكثر أو تقل تبعاً لظروف المذهب نفسه وربما يمر علينا هذا المعنى مفصلاً فيما يأتي. د ـ المنشأ الرابع عدم الدقة: فقد يبتلي بعضهم بشبهات نتيجة فهم خاطئ، أو تعميم غير مبرر علمياً كان يرى رأياً لشخص من طائفة فيعمم رأيه على الطائفة كلها، وقد تذهب جماعة إلى رأي ثم تبيد ويبقى الرأي فيأتي من يحمل الرأي للآخرين، قد يكون استنتاجاً لرأي من لازم من لوازم القول لم يتفطن له صاحب القول نفسه، وقد يكون نتيجة خطأ في تطبق ضابط من الضوابط الكلية على بعض الجزيئات وهكذا، ولذا لابد من التروي والحذر الشديد عند الكتابة عن فئة أو طائفة، ولا بد من أخذ رأيها من مصادرها المتسالم عليها، فإذا كان بعض الشيعة في يوم من الأيام غالى بالإِمام عليٍّ لقلعه باب خيبر فليس كل الشيعة كذلك وإذا كان شخص قال لعليٍّ وهو يخطب أنت أنت فليس كل الشيعة كذلك. ____________ (1) عقيدة الشيعة لدونالدسن ص228.
|