متون الكتب :  
الفهارس :  
أسماء الكتب والمؤلفين :  
الفصل الرابع: مناقشة كتاب نشأة الآراء و المذاهب الكلامية - تعقيب
الكتاب : هوية التشيع    |    القسم : مكتبة عقائد الشيعة
الفصل الرابع

مُناقشة كتاب نشأة الآراء والمذاهب

    
    
     يقول مؤلف الكتاب المذكور يحيى هاشم فرغل مستعرضاً فكرة عصمة الأئمة: إنّ عصمة الأئمة ظهرت عند غلاة الشيعة، ذكر أن زيد بن عليٍّ كان يستنكرها ثم استنتج أنّ السنة إنما بحثوا عصمة الأنبياء لأنّ الشيعة بحثوا عصمة الأئمة، وذكر أدلة الإِمامية على العصمة ومنها حديث الثقلين وقد رواه هكذا:
     إنّي تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي. كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض وعترتي أهل بيتي، ولن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض فانظروا كيف تخلفوني فيهما، ثم ذكر صوراً اُخرى للحديث ثم قال: إنّ هذا الحديث جعل العترة أهل البيت بمنزلة القرآن وعدلاً له، كما جعل لهم جميع ما كان للنبي من المناصب إلا النبوة ليكون كأنه موجود بنفسه ليقوم على رعاية الشريعة، وقد نزّل الحديث العترة منزلة القرآن فلا بد من أن يكون عندهم كل ما فيه من العلوم، فمن ثم يكون الإِمام عالماً بجميع تفاصيل القرآن والسنة لتؤخذ عنه علومهما كاملة. ثم أورد روايات للشيعة حو علم الإِمام ومنها ما ورد عن الإِمام عليٍّ عليه السلام: ما اُنزلت آية من القرآن على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم إلا وأقرأنيها وتلاها عليَّ فكتبتها بيدي وعلمني تفسيرها وتأويلها ومحكمها ومتشابهها وناسخهها ومنسوخها وخاصها وعامها ودعا الله تعالى أن يعطيني فهمها وحفظها ووضع يده على صدري ودعا الله أن يملأ قلبي علماً وحكمة، ثم أورد روايات هي في الواقع تجسيد لمنطوق هذا الحديث وهذه الرواية: كوجود كتاب الجفر والجامعة ومصحف فاطمة


( 154 )

عند أهل البيت وشرح آراء الشيعة في معنى وجود هذه الكتب عند أهل البيت وذكر أنّ الشيعة قالوا إنّها بإملاء النبي وخط عليٍّ وأنّه ليس فيها من القرآن شيء وإنما هي شروح وأخبار بالملاحم، ثم ذكر الروايات التي تدل على أنّ أهل البيت محدّثون وأنّهم يعضدون هذه الروايات بروايات سنية ومنها قول النبي صلى الله عليه وآله وسلّم الذي اتفق عليه أهل السنة «إن فيكم محدثين» وقول بعض الصحابة: كنت اُحدث حتى اكتويت، ثم انتقل بعد ذلك إلى الروايات التي تدل على وحدة السنخية بين النبي والأئمة كقول النبي صلى الله عليه وآله وسلّم: إنّ الله خلقني وخلق علياً والحسن والحسين من نور واحد، وقال في نهاية هذا الفصل: وإذا فنحن في النهاية نصل إلى عقيدة فلسفية أو ميتافيزيقية في الإِمام تجعل من الأئمة ومن الرسول جوهراً نورانياً واحداً سابقاً على الوجود الأرضي وهنا نصل إلى نقطة هامة نسأل فيها عن ماهية درجة الإِمامة وهل هي بدرجة النبوة أم لا، واستطراداً من هنا أقول: إنّ المرء أمام هذه الآراء لا يتسغرب أن تنشأ في تربتها آراء الغلاة ودعاوى التنبؤ ويجد في هذه إظهاراً طبيعياً لمكونات تلك إنتهى كلام فرغل بتلخيص وتصرف في لفظ العبارة ( (1) ) مع حفط المضمون بمنتهى الضبط.
     إتضح من هذا الفصل الذي لخصناه أنّ فرغل يستنكر عدة اُمور ويعتبرها نوعاً من الغلو وهي العصمة، ثم وحدة الأصل والسنخية بين النبي صلى الله عليه وآله وسلّم وأهله عليه السلام ثم استنكر ما ينسب لأهل البيت من علوم واستنكر رابعاً أن تكون منزلة الأئمة بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلّم وخامساً نسب الشيعة للغلو.
    
    
تعقيب

    
     وأنا أوجه للأستاذ فرغل سؤالاً هو: لو أنّ هذه الاُمور التي استنكرها عند الشيعة وجدت عند السنة فهل ينتقد السنة أم لا، وستعجب من هذا السؤال وتقول كيف لا ينتقدهم والموضوع واحد ولا فرق بين أن يقول به السنة أوالشيعة
____________
     (1) نشأة الآراء والمذاهب والفرق الكلامية 1/1279 حتى142.
    



( 155 )

وأنا اُجيبك أنّه لا ينتقدهم إذا كانوا غير شيعة وهو ما وقع بالفعل لأنّهم قالوا بهذه الاُمور التي نقد بها الشيعة وساُوقفك على قولهم فيما يلي:
     1 ـ فالأمر الأول:
     الذي نقد به الشيعة القول بالعصمة ولا أحتاج أن اُكرر ما سبق أن ذكرته ودللت عليه من قول كثير من السنة بالعصمة إن لم يكن كلهم ومع ذلك لم يعرض له يحيى فرغل بالنقد، على أنّ يحيى فرغل أهون من غيره في هذا الباب، ذلك أنّ غيره كان أكثر منه عنفاً وتهجماً خذ مثلاً: الدكتور نبيه حجاب أستاذ الأدب ـ لو كان هناك أدب ـ في دار العلوم بالقاهرة، إنّ هذا الرجل يشتم الشيعة شتماً عجيباً ويعتبر عقيدتهم بالعصمة مظهراً من مظاهر الشعوبية فاسمعه يقول:
     إنّ هذه العقيدة تسرّبت للشيعة عن الفرس الذي نشأوا على تقديس الحاكم لهذا أطلق عليها العرب النزعة الكسروية ـ ولا أعرف أحداً من العرب قال ذلك في حدود اطلاعي ـ ولعل غالبية الشيعة كانت ترمي من وراء هذه الفكرة إلى تنزيه عليٍّ عليه السلام عن الخطأ حتى يتضح للملأ عدوان بني اُمية في اغتصاب الخلافة هذا وفي اليهودية كثير من المذاهب التي تسربت إلى الشيعة( (1) ) أسمعت هذه الانشودة التي يتناقلها الخلف عن السلف بصورة بلهاء وقد فندنا لك هذا الزعم فيما مضى من مبحث فارسية التشيع. لكنّ الذي اُريد السؤال عنه ما هو الخطأ في سلوك الإِمام عليٍّ عليه السلام في نظر نبيه حجاب هل هو الحروب التي قام بها من أجل مبادئ مما أدى إلى عدم الإِستقرار في الوقت الذي لم يستقر فيه وضع الامويين إلا على الجماجم وعلى كل حال لا يضر علياً أن يخطئه نبيه حجاب بعد أن قال فيه الرسول عليّ مع الحق والحق مع علي. ومن الطبيعي جداً أن يكون علي في جانب مع من هو من معدنه ونبيه حجاب ومن هم من معدنه في الجانب المقابل.
     ( (1) ) مظاهر الشعوبية في الأدب العربي ص492.
    



( 156 )

2 ـ الأمر الثاني:
     الذي استنكره فرغل هو كون النبي صلى الله عليه وآله وسلّم وأهل بيته من نور واحد، ولا أدري ما هو وجه الإِستغراب بعد أن أثبت الشيعة ذلك من مصادره الصحيحة هل لأنّ ذلك لم يصادف هوى في نفوس من لا يوالون أهل ابيت أم ماذا؟ ثم لماذ إذا وجد مثل هذا عند السنة لا يكون داعياً للإِستغراب: هذا الذهبي يروي في ميزان الإعتدال حديثاً عن طريق أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلّم أنه قال: خلقني الله من نور وخلق أبا بكر من نوري وخلق عمر من نور أبي بكر وخلق عثمان من نور عمر وعمر سراج أهل الجنة( (1) ) ولا أدري لماذا جاء النور إلى حد عثمان ولم يصل إلى عليٍّ مع أنّه على الأقل خليفة رابع، لك الله يا ابن أبي طالب، وما أدري ماذا يقول الأستاذ فرغل هل هذا غلو أم لا أفتونا يرحمكم الله، هذا مع أنّه من الطبيعي وحدة السنخية بين الإِنسان وأهله، وآل محمد عدل الكتاب وعيبة علم النبي فلماذا يستكثر عليهم الاستاذ فرغل ما لا يستكثره على غيرهم.
     3 ـ الأمر الثالث:
     الذي استنكره الأستاذ فرغل هو علم أهل البيت بالشريعة والعلوم القرآنية وعلوم السنة الشريفة وأن يكونوا محدّثين، وهنا يقول إنّ علم أهل البيت أما أن يكون بالطرق العادية كالتلقي والمدارسة، أو يكون من قبيل الإِلهام وأنّهم محدَّثون، أما الطريق الأول فهو محقق لأهل البيت لأنّهم نشأوا في بيت محمد صلى الله عليه وآله وسلّم وتربوا في حجره وخذوا العلم من هذه البيئة وهذا الأمر لا غبار عليه، أما العلم بالطريقة الثانية وهو الإِلهام والتحديث كما تذهب إليه الروايات فالمسلمون كلهم يقرون بذلك وسأذكر جملة من نصوصهم في إمكان مثل هذا العلم:
     يقول الآلوسي في تفسيره روح المعاني عند تفسيره الآية 65 من سورة النحل: وهي قوله تعالى:
(قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا
____________
     (1) ميزان الإعتدال 1/166.
    



( 157 )

الله)
عقب عليها فقال: لعل الحق أن يقال إنّ علم الغيب المنفي عن غيره جل وعلا هو ما كان للشخص بذاته أي بلا واسطة في ثبوته له، وما وقع للخواص ليس من هذا العلم المنفي في شيءٍ وإنما هو من الواجب عز وجل إفاضة منه عليهم بوجه من الوجوه، فلا يقال إنّهم علموا بالغيب بذلك المعنى فإنّه كفر بل يقال إنّهم اظهروا واطلعوا على الغيب( (1) ).
     وماقاله الآلوسي هو عين ما ورد عن أئمة أهل البيت: يقول الإِمام الرضا ثامن أئمة أهل البيت: «يبسط لنا العلم فنعلم ويقبض عنا فلا نعلم» وهذا المعنى هو عين مفاد الآية: 27 من سورة الجن وهي قوله تعالى: (عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً إلا من ارتضى من رسوله)
وفي شرح هذه الآية يقول الرضا لعمر بن هداب وقد سأله عن علم الأئمة قال: «إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم هو المرتضى عند الله ونحن ورثة ذلك الرسول الذي أطلعه الله على غيبه فعلمنا ما كان وما يكون إلى يوم القيامة» ( (2) ) وفي هذا المعنى يقول النيسابوري المفسر: إنّ امتناع الكرامة عن الأولياء إما لأنّ الله ليس أهلاً لأن يعطي المؤمن ما يريد، وإما لأنّ المؤمن ليس أهلاً لذلك وكل منهما بعيد فإنّ توفيق المؤمن لمعرفته لمن أشرف المواهب منه تعالى لعبده فإذا لم يبخل الفياض بالأشرف فلأن لا يبخل بالأدون أولى ـ.
     وقد ألقى الإِمام الصادق عليه السلام الضوء على بعض العلوم التي أخذوها من القرآن بالطرق الطبيعية وذلك عندما سأله بعض أصحابه، فقال الصّادق: «إنّي أعلم ما في السموات والأرض وأعلم ما في الجنة والنار وأعلم ما كان وما يكون» فلما رأى أنّ السائل استغرب كلامه قال الإِمام: «إنّي علمت ذلك من كتاب الله عز وجل الذي يقول: (ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيءٍ وهدىً ورحمة وبشرى للمسلمين)
الآية 89/ من سورة النحل» وقد روى ذلك عنه وعن
____________
     (1) روح المعاني 20/9.
     (2) البحار للمجلسي 12/22.
    



( 158 )

نظرية تلقي أهل البيت للعلم المقرم في فصل كبير( (1) )

 شبكة البتول عليها السلام  @ 11-2006  -  www.albatoul.net

إنتاج : الأنوار الخمسة للإستضافة والتصميم @ Anwar5.Net