متون الكتب :  
الفهارس :  
أسماء الكتب والمؤلفين :  
الجواب عن الشبهة الأولى
الكتاب : المرجعية والقيادة    |    القسم : مكتبة السياسة و الإقتصاد

الفصل الثالث

الإشكالات على العمل المرجعي

بعد أن انتهينا من بحث المواضيع السابقة، يصل المقام بنا إلى الاعتراضات والإشكالات الموجّهة ضد العمل المرجعي والتي تتمحّور حول الدعوة إلى الانتقال من العمل المرجعي إلى العمل الحزبي، أو الدعوة إلى تأسيس العمل المرجعي ذاته على أساس العمل الحزبي.

إنّ أهمّ الإشكالات التي تطرح على العمل المرجعي هي

أولاً: أنّ المرجع فرد وبموته يموت عمله معه باعتباره عملاً فرديّاً، ولابدّ للمرجع التالي من أن يؤسّس  ويبني من جديد.

وأمّا في العمل الحزبي، فإنّ الأمر ليس كذلك باعتباره عملاً جماعياً، لا ينتهي بموت هذا الفرد من القيادة، أو ذاك، بل يبقى الخطّ مستمراً.

ثانياً: أنّ المرجع ومهما كان عظيماً ونزيهاً يخطأ وتكثر أخطاؤه لعدم عصمته. بخلاف العمل الجماعي، فإنّ الجماعة يعضد بعضهم بعضاً وتقلّ أخطاؤهم واشتباهاتهم. وبهذا يرجح العمل الحزبي على العمل المرجعي.

ثالثاً: أنّ المرجعية أو ولاية الفقيه نوعاً من الديكتاتورية التي اُلبست لباس الدين والقداسة!

 

الجواب عن الشبهة الأولى

أمّا الشبهة الأولى وهي القول بأنّ عيب العمل المرجعي هو كونه عملاً فردياً ينهار ويفنى بموت المرجع ولابدّ للآتي الاستئناف من جديد، فإنّه قد يجاب عن ذلك ابتداءً ولأول وهلة بأنّ المرجع حين موته تبقى جهوده محفوظة فيتسلّمها المرجع اللاحق الذي يأتي بعده.

فالسيد البروجردي (قدس سره) تسلّم المرجعية بعد السيد أبي الحسن (قدس سره) وتسلّم مع المرجعية مشاريع السيد الأصفهاني (قدس سره) في سبيل توعية وهداية المجتمع، ولم تفن هذه الأعمال والمشاريع بموته (رضي الله عنه).

لعل صاحب الشبهة كان ينظر إلى إحدى نكتتين عندما وقع في هذا الاشتباه وهما:

أولاً: كان يرى أنّ المرجعية المسيطرة كانت تتفتت إلى مرجعيات صغيرة متعدّدة عند موت المرجع المسيطر، فمثلاً حين مات السيد البروجردي (قدس سره)تفتتت المرجعية بعده إلى عدّة مرجعيات في النجف الأشرف وقم المقدّسة.

فلعل صاحب هذا الرأي أراد القول بأنّ القوة العظيمة للمرجعية المسيطرة تتبعثر وتنتهي إلى عدّة قوى صغيرة بعد موت المرجع المسيطر، وأنّ توحيد القوى ووحدة المرجعية أمر فيه مصلحة عظيمة، وهذه المصلحة لم تكن تحفظ على الدوام بل كانت تضيع.

وعلى هذا يجب الانتقال إلى منهج آخر ينجو من هذه المشكلة، مشكلة تفتت القوى وتبعثرها.

ثانياً: ولعلها كانت مسألة الخشية من انتكاس المرجعية بعد موت المرجع المسيطر من مرجعية صالحة إلى مرجعية غير صالحة.

وذلك على أساس ما كتبه السيد الشهيد (قدس سره) من انقسام المرجعية إلى مرجعية صالحة ومرجعية غير صالحة. ولا نقصد بهما المرجع العادل والمرجع الفاسد. وإنّما المقصود أنّ المرجعية تكون على نمطين هما:

1 ــ مرجعيّة تتبنّى الخطّ الإسلامي بالمعنى الذي يتضمّن أمرين:

الأول: أنّه يرى الإسلام كافلاً ومديراً لكل مجالات الحياة، ولا يراه مقتصراً على المجال العبادي الفردي فحسب.

الثاني: أمر نابع من الأول في واقعه وهو الإيمان بإقامة الحكومة الإسلاميّة. إذ هناك من يقول بأنّ إقامة الحكومة الإسلاميّة هي من شؤون الإمام الحجة (عج) والإسلام بخير ما دام الناس يصلّون ويصومون....

فإذن المرجعية الصالحة هي تلك المرجعية التي تتبنّى نشر الإسلام الشامل لكل نواحي الحياة والتي تؤمن بحاجة الإسلام إلى حكومة وقوة والمؤمنة بتمكّن اتباعه من تطبيقه على أرض الواقع.

2 ــ المرجعية غير الصالحة وهي التي لا تتبنّى هذين الهدفين ولا تعني عدم صلاح المرجع بلحاظ الفسق.

وحينئذ لعل صاحب الشبهة أراد القول بأنّ القيادة المرجعية ولأنّها قيادة فردية سوف تبتلي بعيب احتمال الانتكاس والتحوّل من المرجعية الصالحة إلى المرجعية غير الصالحة بعد موت المرجع الأول.

وبذلك سيكون العمل المرجعي عملاً إصلاحياً بحتاً، ولا يمكن أن يكون عملاً جذرياً يغيّر وضع الأمة، إذ أنّ عمله ينتهي بموته ولابدّ من البدء من جديد مع مجييء المرجع الجديد الآخر.

وعلى هذا فإنّنا يجب أن ننتقل إلى نوع آخر من العمل، وهو العمل القائم على (التنظيم الحزبي) أو أن يؤسّس العمل المرجعي على أساس التنظيم الحزبي.

ونحن نريد هنا أن نرى هل أنّ العمل المرجعي إنّما تكون له القيمة التغييرية إذا رجع أو آل إلى العمل الحزبي بمعناه المعروف الآن ــ لا كل تكتّل أو تنظيم ــ، أو أنّ العمل المرجعي ذا القيمة التغييريّة عمل قائم بذاته غير تابع، وسنعرض لمسألتين في معرض الإجابة على هذه الشبهة:

الأولى: أنّنا يجب أن نلتفت إلى جانب الشرعية في الأعمال قبل أن نلتفت إلى أنّ هذا العمل سوف ينجح أو لا ينجح؟

فليس من الصحيح حساب النجاح مستقلاً عن حساب الشرعية.

والشرعية في قيادة الأعمال تنشأ من مسألة (الولاية) وقد ثبت لدينا أن هذه (الولاية) قد أعطيت للفقيه الجامع للشرائط زمن الغيبة ولم تعط بيد (الأحزاب). والحزب الذي يعتقد بهذا الأمر اعتقاداً حقيقياً وواقعياً لا اعتقاداً نظرياً، وعلى مستوى الشعارات لا إشكال عليه.

إنّ كلامنا هذا لا يشمل الأحزاب والتكتلات ذات المنهج الإصلاحي، بل يشمل التكتلات والأحزاب التي تريد أن تقود العالم وتريد أن تلي أمور المسلمين.

الثانية: يجب أن نميّز بين فكرة المرجعية كفكرة وبين الواقع المعاش وخاصّة قبل إقامة الدولة الإسلاميّة المباركة.

فإنّ الواقع المعاش بالنسبة لبعض المرجعيات مبتل بهذا النقص المذكور وهو (فردانيّة المرجع) و (انهيار عمله) بموته، وذلك لأحد الأمرين الماضيين:

تفتّت المرجعيّة الكبيرة إلى مرجعيّات صغيرة، وخطر انتكاس المرجعيّة الصالحة إلى غير الصالحة. وكلا هذين الخطرين ينشآن من كون العمل المرجعي عملاً فردياً.

وقد طرح أستاذنا الشهيد الصدر (قدس سره) أطروحة المرجعية الصالحة والموضوعيّة، كحلّ لهذه المشكلة. وافترض (قدس سره) أنّ هناك جهازاً منظّماً ولكنّه ليس كالأحزاب بشكلها الهرمي المعروف، وهذا الجهاز يتألّف من كل الأجهزة العمليّة التي يحتاجها المرجع، ومن وكلائه في المناطق، وهؤلاء مكلّفون برفد المرجع بالمعلومات والأفكار والتصوّرات وغير ذلك مما يحتاجه المرجع في علمه، ويكون المرجع نفسه على رأس هذا الجهاز، وقد سمّى السيد الشهيد الصدر (قدس سره) هذا الجهاز كجهاز (بالمرجعية الموضوعيّة).

وحينئذ، ــ وكما يتصوّر السيد الشهيد ــ فإنّ موت المرجع سوف لا يفتّت عمله ولا ينهيه ولن يبدأ المرجع الجديد العمل من جديد ومن نقطة الصفر.

وباعتبار ثقة الأمة التي كسبها هذا الجهاز ضمن مرجعية ذلك المرجع الصالح، فستكون له ــ أي للجهاز ــ اليد الطولى في تعيين المرجع الجديد، وسيحول هذا الجهاز دون تعيين مرجع غير صالح ــ بالمعنى الذي قلناه للصلاح وعدمه ــ وذلك بتوجيه الأنظار إلى مرجع صالح يقوم محل المرجع الراحل.

وأودّ أن اُلفت النظر هنا إلى مسألتين متعلّقتين ببحث السيّد الشهيد (قدس سره)اشتبه بهما البعض وهما:

الأولى: الخلط بين فكرة ما سمّاه أستاذنا السيّد الشهيد الصدر (رضي الله عنه)بالمرجعية الموضوعيّة و ما سمّاه بالمرجعية الصالحة. فهناك بحثان مندمجان في بحث واحد حول المرجعيّة الصالحة: وهي المرجعيّة التي تتبنّى الأهداف الخمسة التي أشار إليها أستاذنا في مستهلّ حديثه.

والمرجعيّة الموضوعيّة: وهي المرجعية التي تتبنّى جهازاً بالمستوى الذي تحّدثنا عنه مختصراً[1].

وعلى هذا  فليس كل مرجعية غير موضوعيّة غير صالحة كما يتصوّر البعض، إذ قد ترتأي المرجعية الصالحة العمل بغير ذلك الأسلوب الذي طرحه السيّد الشهيد (قدس سره) في (المرجعية الموضوعيّة)، أو قد تريد ذلك الشكل من العمل ولكنّ الظروف قد لا تناسبه.

فالموضوعيّة والذاتيّة أي الفرديّة، إذن، عبارة عن أسلوب العمل، والصلاح وعدم الصلاح، عبارة عن مضمون وأهداف العمل.

الثانية: أنّ الولاية الشرعيّة لا تكون بيد هذا الجهاز الذي تحدّث عنه أستاذنا السيّد الشهيد (قدس سره) أي جهاز (المرجعية الموضوعيّة) وإنّما الولاية الشرعيّة بيد الفقيه.

فقد تخيّل البعض أنّ معنى (المرجعية الموضوعيّة) التي شرحها السيّد الشهيد (قدس سره) هو أنّ الولاية الشرعيّة تقع بيد هذا الجهاز، وهذا خطأ فقهيّ، إذ أنّ هذا الجهاز ليس فقيهاً ونحن أثبتنا الولاية للفقيه لا لغيره في بحوث سابقة، إلاّ إذا كان كلّهم (أفراد جهاز المرجعية الموضوعيّة) فقهاء، إذ يتشكّل منهم حينئذ ما أسميناه (بشورى الفقهاء).

فالقيادة إذن بيد الفقيه، وقد يرى الفقيه أنّ العمل ضمن هذا الجهاز الجماعي ضامن لمصلحة المجتمع العامّة فيعمل به.

ولكنّه ــ أي الفقيه ــ لو رأى وفي اللحظات الحاسمة أنّ القرار الجماعي ــ وإن كان نتاج هذا الجهاز الجماعي ــ سوف ينتهي إلى أخطاء وأخطار، فإنّ حقّ الولاية الثابت له يمكّنه من إصدار القرار وكما يراه هو وبقطع النظر عن أي شيء آخر.

وهذه المسألة قد جلاّها ووضّحها السيّد الشهيد (قدس سره) في بحثه ذاك بقوله (قدس سره): «وهكذا يظهر أنّ الفرق بين المرجعيّة الذاتيّة والمرجعيّة الموضوعيّة ليس في تعيين شخص المرجع الشرعي الواقعي، فإنّ شخص المرجع دائماً هو نائب الإمام، ونائب الإمام هو المجتهد المطلق العادل الأعلم الخبير بمتطلّبات النيابة. وهذا يعني أنّ المرجعيّة من حيث مركز النيابة للإمام ذاتيّة، وإنّما الفرق بين المرجعيّتين في أسلوب الممارسة».

صحيح انّ القرار في المرجعية الفرديّة يكون بيد المرجع الفرد لا غيره. وأمّا في المرجعية الموضوعيّة فإنّ لجهاز المرجع أن يقرّر ولكن هذا لا يعني إعطاء الولاية بيد الجهاز لأنّ هذا ــ كما قلنا ــ فيه خطأ فقهيّ إذ الولاية بيد الفقيه حسب ما قرّرناه سابقاً وهذا الجهاز ــ إن لم يكن كل أعضائه من الفقهاء ــ ليس بفقيه وليس له حقّ الولاية. وحينئذ، حتّى لو أعطي هذا الجهاز حقّ إعطاء القرار فإنّ القول الفصل يبقى بيد الفقيه، إن شاء أمضى قرار جهازه وإن شاء بدّله إلى وفق ما يراه من المصلحة العامّة.

ولابدّ من الإشارة هنا إلى أنّ صدور القرار من خلال جهاز المرجع يجعل هذا الجهاز أكثر فعاليّة ويشعره برابطة أكبر وأقوى بينه وبين ما كلّف به من أعمال، ويدفعه بصورة أشدّ نحو إنجاز المهام الملقاة على عاتقه ونحو العمل بما قرّره، بخلاف ما لو صدر القرار عن شخص المرجع الفرد وبشكل فرديّ. ومع هذا فإنّ القرار إذا كان صادراً عن شخص المرجع الفرد فإنّه قد يؤثّر في:

أولاً: سرعة التصميم وصدور القرارات، فإنّها في حالة صدورها عن المرجع الفرد تكون أكثر سرعة وحزماً بخلاف ما لو كانت صادرة عن جهازه.

ثانياً: وقد يؤثّر ذلك أحياناً على نزاهة القرار وكونه في حالة صدوره عن شخص المرجع أكثر نزاهة أو وعياً عمّا إذا صدر عن الجهاز، وذلك بلحاظ أنّ النزاهة المتصوّرة في شخص المرجع أو وعيه قد لا يساويها أو يشابهها نزاهة جهازه كجهاز.

ويتحصّل من هذا، أنّ العنصر الذي يحلّ تلك المشكلتين اللتين طرحتا في صدر البحث هما مشكلة تفتّت عمل المرجع بعد موته باعتباره عمل فرد، ومشكلة الخوف من تحوّل المرجعية الصالحة إلى غير صالحة عبارة عن موضوعيّة المرجعيّة الصالحة.

ويحلّ محلّ الموضوعيّة بالشكل الذي شرحه أستاذنا (قدس سره) في حلّ هاتين المشكلتين ما تمّ في إيران من تشكيل (مجلس الخبراء).

 


[1]  تفصيل ذلك في مقدّمة كتاب مباحث الأصول، الجزء الأول من القسم الثاني، لسماحة السيّد الحائري ( دام ظله).


 شبكة البتول عليها السلام  @ 11-2006  -  www.albatoul.net

إنتاج : الأنوار الخمسة للإستضافة والتصميم @ Anwar5.Net