متون الكتب :  
الفهارس :  
أسماء الكتب والمؤلفين :  
مقارنة بين النظام الديموقراطي والإسلامي
الكتاب : المرجعية والقيادة    |    القسم : مكتبة السياسة و الإقتصاد

مقارنة بين النظام الديموقراطي والإسلامي

 

النظرية الديموقراطيّة[4] تعتمد أسلوب تجميع الآراء لتعيين الحكومة والدولة. فيشترك الشعب في حكم نفسه بنفسه.

وادّعى منظّرو الديمقراطيّة بأنّه لو حكمهم شخص معيّن واحد ومن دون انتخاب لكان ذلك الحكم حكماً دكتاتورياً.

وبناءاً على هذا، فما نسميه نحن ولاية الفقيه عندنا سيكون بالنسبة لهم نوعاً من الدكتاتورية الدينيّة ومصادرة لحرية الآخرين.

 وقد صاغ جان جاك روسو نظريته في العقد الاجتماعي بناءاً على ذلك، وجعل الحجر الأساس في النظرية الديموقراطيّة مسألة الحرية وكون الإنسان حراً.إنّ الحريّة بمفهومها الصحيح مطروحة في رواياتنا وعلى لسان أئمتنا (عليه السلام)، وبشكل أقوى وأعمق، ولكنها  تختلف من حيث الأساس عما يذهب إليه أتباع الديموقراطيّة الغربية.

فعن الإمام علي (عليه السلام): «.. أيها الناس إنّ آدم لم يلد عبداً ولا أمة، وأنّ الناس كلهم أحرار ولكن الله خوّل بعضكم بعضاً.. فمن كان له بلاء فصبر في الخير فلا يمن به على الله جلّ وعزّ، ألا وقد حضر شيء (أي المال) ونحن مسوون به بين الأسود والأحمر، فقال مروان لطلحة والزبير ما أراد بهذا غيركما، قال فأعطى كل واحد ثلاثة دنانير وأعطى رجلاً من الأنصار ثلاثة دنانير وجاء بعده غلام أسود فأعطاه ثلاثة دنانير... فقال: إنّي نظرت في كتاب الله فلم أجد لولد إسماعيل على ولد إسحاق فضلاً»[5].

وعنه أيضاً (عليه السلام): «لا تكن عبد غيرك وقد جعلك الله حراً»[6]. هذا هو مفهوم الحرية في الإسلام، فالناس سواسيّة كأسنان المشط ليس فيهم عبيد وسادة.

لقد بلغ الإسلام بالإيمان بمبدأ الحرية ما لم يبلغ إليه الغرب فقد ورد النهي في الإسلام عن تقبيل اليد إلا يد أريد بها وجه رسول الله (صلى الله عليه وآله)[7]، وكذلك ورد النهي عن التواضع لغني لأجل غناه، كل هذا حفظاً لكرامة الإنسان وحريته. إلا أنّ هناك فرقاً جوهرياً بين مفهوم الحرية في الغرب ومفهوم الحرية في الإسلام؛ لأنّ الحرية في الغرب قامت على أساس عدم الإحساس بالمسؤوليّة ولا تنتهي حريات الفرد إلا حينما تبدأ حريات الآخرين.

أمّا في الإسلام، فإنّ الحرية قامت على أساس الشعور بالمسؤوليّة والعبوديّة لله تبارك وتعالى. وهذا الفرق فرق واسع بين الأساسين وقد أثّر في جميع الفروق بين مفهومي الحرية في الإسلام ولدى الغرب وفي بحوثهما.

ومن هذه البحوث بحث (حاكمية الإنسان)، ففي نظر الغرب وحسب المفهوم الذي ذهبوا إليه فإنّ الإنسان حر ولا بدّ وأن يحكم نفسه بنفسه. بينما ينبغي عليه في الإسلام الشعور بالمسؤوليّة وأن يعرف بأنّه عبد لله، وأنّ الحكم لا يكون إلا لله تبارك وتعالى، وكل حكومة ينبغي  عليها أن تستند إلى هذا الحكم وأن تصدر عنه.

هذا فرق بين مفهوم الحرية في الإسلام، ومفهومها لدى النظرية الغربية، وهناك فرق آخر هو: أنّ غاية ما يضمنه الحكم الغربي ووفق النظرية الديموقراطيّة في تحديد الحرّيّات هو تحديدها بحدود حرّيّات الآخرين ولكي لا يعتدي البعض على البعض الآخر.

أمّا في الإسلام فإنّ الأمر ليس هكذا، فإنّ الإنسان بعد أن يصبح محكوماً بنظام نازل من السماء، فللحاكم بعد ذاك الحق في تغيير بعض الأحكام الأوليّة ووفق المصالح الثانوية[8] التي يراها، لا فقط تحديد الحريات وضمان عدم الاعتداء. وأنّ هذا التغيير هنا لا يتمّ على أساس العقد الاجتماعي الذي يحدد سلطة الحاكم في الغرب، وإنّما باعتبار أنّ الأمر قد اُوكل إلى الولي دون بقية الناس وهذا مناف تماماً لما يطرح في النهج الديموقراطي الغربي.

وعلى أي حال، فإنّ أفضل ما قدّمه الغرب للعالم من نظريات بهذا الخصوص هي نظرية (العقد الاجتماعي)، إذ يتمّ تعيين الدولة فيها عن طريق الانتخاب، ويتمّ تنسيق القوانين والتشريعات على وفق آراء ورغبات الأكثريّة[9].

ولنا هنا على نظرية العقد الاجتماعي تعليقتان هما:

الأولى: إذا فرض الإيمان بأنّ السلطة لا تكون إلاّ عن طريق الانتخاب مع ضمان الحرية، فكيف تفرض هذه الحكومة والسلطة على من لا ينتخب وهم الأقليّة؟

ويجيب بعضهم على ذلك، بأنّ الأقليّة ابتداءاً قد وافقت على المبدأ الأساس المقر من قبل الأكثريّة وهو (تحكيم الأكثريّة) فينبغي إلزامهم بما ألزموا به أنفسهم.

ويرد على ذلك أنّ الأقليّة التي لم تشترك أصلاً فيما ذهبوا إليه من تحكيم الأكثريّة، كيف تدخل في مثل هذا العقد الاجتماعي؟

ويجيب البعض على هذا، بأنّ الذي لا يؤمن بتحكيم الأكثريّة يصبح خارجاً عن وطنية هذا الشعب والمجتمع، وغريباً عنه، فإمّا أن يخرج من البلاد وإمّا أن يرضخ للأمر الواقع ويسكت. فإن سكت، كان معنى هذا قبوله بالتعاقد وينتهي حينئذ الإشكال بدليل أنّه لو لم يوافق عليه لخرج من البلاد.

وهذا جواب غير تامّ، وذلك لأنّ حال المخالف متردد بين أمرين، بين الخروج وبين البقاء مع السكوت والرضوخ، مع أنّ الأساس في نظرية (العقد الاجتماعي) هو (الحرية) ولا حرية للمخالف هنا، إذ لا يسمح له باتخاذ موقف ثالث وهو البقاء في البلاد من دون رضوخ لحكم الحاكم.

لقد حلّ هذا الإشكال في الإسلام بمبدأ (الانتخاب) في طول فترة عدم وجود ولي منصوص عليه. إذ أنّ أمر (الانتخاب) صادر من الله تعالى، وأنّ الإسلام أراده وبهذا تخضع الأقليّة كالأكثريّة لأمر الله تعالى.

الثانية: كيف نحكم القصّر والذين ولدوا بعد الانتخاب بالنظام الناشئ عن نظرية العقد الاجتماعي ولا عقد اجتماعي على مثل هؤلاء بالخصوص؟

وقد انقسم الغربيون أمام هذا الإشكال إلى مدرستين:

1 ــ الديموقراطيّة الشعبيّة: ويقصدون بالشعب الناس المشتركون فعلاً بالانتخاب.

2 ــ ديموقراطيّة الأمة: ويقصدون بالأمة مفهوماً أوسع من الشعب ويشمل المشتركين فعلاً بالانتخاب، والقصّر والذين لم يولدوا، ويستندون في ذلك إلى ضرورة ملاحظة مصلحة الأمة، ويبرّرونه بعدة تبريرات للتخلّص من الإشكال السابق.

وعلى أي حال فإنّه يرد على المدرسة الأولى، المناقشة الأولى، إذ ما هو مبرّر إلزام القصّر والذين لم يولدوا بعد،  ولم يدخلوا في هذا العقد الاجتماعي؟! وعلى أي أساس ألزمتم الشعب بقراراتكم وأغفلتم الأمة؟!

وأمّا المدرسة الأخرى فهي ملزمة بتقديم أساس مقنع يبرّر ما أعطي للحكومة المنتخبة من حق الولاية على القصّر ومن لم يولد بعد. فمن الذي منح حق الولاية على هؤلاء، وكيف تحققت النيابة عنهم، وكيف لو ولدوا بعد الانتخاب، وما هو موقعهم من العقد الاجتماعي! أينتظرون إلى حين تحقق الفترة الانتخابية الثانية!؟

وتبقى مسألة ضمان إخلاص المنتخبين وكيفية التحقّق من ذلك، أمراً مشكلاً آخر بالإضافة إلى ما تقدّم.

 


[4]  راجع السيد كاظم الحائري، أساس الحكومة الإسلاميّة، مصدر سبق ذكره، فصل الديموقراطية، ص 13 ــ 59.

[5]  بحار الأنوار، مصدر سبق ذكره، ج 32، ص 133.

[6]  بحار الأنوار، مصدر سبق ذكره، ج 74، ص 228.

[7]  كان أستاذنا السيّد الشهيد يستثني يد الوالدين، وكان يقول بجواز تقبيلهما، ويتمسّك بقوله تعالى لإثبات ذلك: ( واخفض لهما جناح الذلّ من الرحمة).

[8]  مثلما فعل الإمام الراحل الخميني (رضي الله عنه) في تعطيله فريضة الحج للإيرانيين في بعض السنين لمصلحة ثانويّة كان يراها.

[9]  راجع: السيد كاظم الحائري، أساس الحكومة الإسلاميّة، مصدر سبق ذكره، ص 20 وما بعدها.


 شبكة البتول عليها السلام  @ 11-2006  -  www.albatoul.net

إنتاج : الأنوار الخمسة للإستضافة والتصميم @ Anwar5.Net