مقدمة الطبعة الثانية
بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله الأطهار وصحبه الأبرار ومن تبعهم بإحسان وبعد: لقد كان لهذا الكتيَّب على وجازته صدى استحسان في نفوس القراء وذلك للمنهج الذي اختطه هذا الكتاب أكثر منه للكتاب نفسه لوضوح أنّ مضمون الكتاب ليس من الضخامة بحيث يشكل رقماً فريداً بل هو بضعة وريقات ربما أحسن فيها التعبير وحسن الإختيار والإلتفات لمواطن ذات وقع خاص بالنفوس ذلك مضافاً للمنهج، وكان من المؤشرات على إقبال القراء عليه نفاذ نسخ الطبعة سريعاً مع أنّنا لم ننوه عنه في صحيفة أو دعاية بل طرح في السوق بصورة عادية. إنّ هذه الظاهرة تشجعنا على الكتابة في أمثال هذا الموضوع مما هو محل أخذ ورد بين فرق المسلمين لا لزيادة الركام بل لصهره حتى يذوب على أن يكون من وراء الكتابة في هذه المواضيع روح مؤمن سنشد وجه الله تعالى ويتوخّى إزالة الضباب عن طريق المعالم المشتركة بين المسلمين في مختلف أبعاد الحضارة الإِسلامية مما هو في حكم شرعي أو عقيدة إسلامية أو تاريخ مسلم، ولعل من نافلة القول أن ننوّه بأنّ ثمرات الأقلام النظيفة من الوسائل الناجعة لخدمة المسلمين ومن الطرق الصحيحة لتفاهم المسلمين. هذا بالإضافة إلى أنّ ذلك يقطع الطريق على الأقلام المأجورة التي ترتزق
( 4 ) باشعال النار وبث الألغام في المجتمع المسلم مما نراه عند كثير من المأجورين بين آونة واُخرى حيث يزيد ذلك من قناعتنا بأنّ وراء ذلك أصابع تقليدية ما برحت تمارس لعلبتها الخبيثة كلما سنحت لها الفرص. وأكرر ما سبق أن أشرت إليه في الطبعة الأولى عن وجود شيء من التشنّج في التعبير مما قد يعتبر كاشفاً عن ضغن أو حقد ـ معاذ الله ـ في حين لا يعدو أن يكون غضبة إيمانية من روح حساس إزاء كل ما يمس وحدة المسلمين وقد يبرره تصور بفاعلية هذا الأسلوب من غيره. ولما كان الكمال لله وحده والإِنسان محل النقص كانت محاولة الإزدياد في التكامل من الأمور الحبوبة. ومن هذا المنطق قمت بشيء من التهذيب والإضافات التي أراها متممة لمواضيع الكتاب. وأملي بالقارئ الكريم أن يرى في الكتاب صورة من صور النقد الموضوعي البنّاء. وصرخة في وجه بعض هواة الشتائم الذين ينبزون غيرهم بأمر هو عندهم قبل كونه عند خصومهم ولكنّ الهوى يعمي ويصم. وما أروع ما قيل من أنّ شخصاً قيل له: لماذا تبدّلون حرف الذال بالزاء والقاف بالغين في نطقكم؟ فقال: كلا (نحن لا نغول زلك) وفي نهاية هذه السطور أدعو القارئ الكريم أن يوجهني بالتنبيه على ما في الكتاب من عيب أو شطحات فالمؤمن مرآة المؤمن. هدانا الله لما يحب ويرضى والحمدلله أولاً وآخراً. المؤلف
( 5 ) مقدمة الطبعة الاُولى
بِسْمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحِيم والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين وصحبه المنتجبين وبعد: هناك اُمور لا غنىً لقارئ هذا الكتاب عن الإلمام بها قبل الدخول في صلب الموضوع لأنّها تتضمن الإجابة لما قد يعنّ للقارئ من سؤال خلال قراءته للكتاب كما أنّها ستجعل القارئ يفهم الكتاب في حدود عناوينه لئلا يكبر العنوان على المعنون أو العكس. وتتخلص هذه الاُمور في الآتي: 1 ـ قد يتبادر إلى ذهن القارئ من عنوان الكتاب ـ هويّة التشيّع ـ أنّ الكتاب سيبحث كل ما للتشيع من سمات وخواص سواء كانت من المقوّمات أو من السمات التي اُضيفت إليه. ولكي اُبعد القارئ عن هذا التصوّر: اُلفت نظره إلى أنّي لم أستوعب كل ما للتشيع من نعوت وصفات إنّما تعرضت هنا لاُمور تكفي لإيضاح هوية التشيع وفي الوقت ذاته يدور حولها نزاع بين مختلف الفرق الإِسلامية من جانب وبين الإِمامية من فرق المسلمين وما يزال الجدل يحتدم حولها برغم ما كتب حولها وبرغم إشباعها بالبحث منذ أزمنة طويلة وهي تتناول من التشيع جوانب عرقية وجوانب فكرية. 2 ـ وعلى وجه القطع هناك كثيرون كتبوا في موضوع الشيعة والتشيع كتباً أكثر عمقاً وأوفى استيعاباً وأطول نفساً مما كتب هنا ولكني أتصور أنّي عالجتها هنا بنمط وأسلوب يختلف عن أنماط الأخرى، ولست أريد أن أفضّل هذا النمط
( 6 ) الذي اخترته على الأنماط الاخرى ولكنّي أعتقد أنه أوصل إلى نفس القارئ من غيره فإن كان ذلك هو الواقع فهو المطلوب وإلا فلست بأول من اجتهد وأخطأ وما أكثرهم على امتداد تاريخنا. 3 ـ وسيجد القارئ في ثنايا هذا الكتاب بعض الإلتهابات التي سببتها الجروح المزمنة في تاريخ المسلمين وسيجد ما يتبع الإلتهابات من ألم وتشنج مما هو ظاهرة طبعية لا طبيعية يسببها إفلات الزمام أحياناً بالرغم من ترويض الأعصاب وقسرها على التحمل، وكل من مارس الكتابة في آمثال هذه المواضيع يعلم مقدار الحرج والمشقة في ضبط الأعصاب هنا لما يرى ـ ومع الأسف الشديد ـ من مناولات بين فرق المسلمين فيها كثير من عدم الموضوعية وقفدان الشعور بمسؤولية الكلمة وأهميتها الأمور الذي تكوّن معه على مرّ الأيام خزين وركام من التركة الخطرة والوباء الأسود الذي يعمد بين الآونة والاُخرى جماعة ممن هم ليسوا ببعيدين عن الشبهات إلى إثارته والإصطياد خلال أجوائه المظلمة وسوف يبقى هذا الوضع خطراً ما دام هذا الركام موجوداً على متناول أيدينا دون أن نعمل على تصفيته وتسليط الأضواء عليه وتعريته تعرية كاملة لنصل إلى رأي في وجوده وآثاره. وأعود لأقول إنّ ضبط الأعصاب في مثل هذا الموقف أمر ليس بالهينّ بداهة ان الإِنسان مسير بأموره النفسية أكثر مما هو مسير باُموره العقلية إلا من عصمه الْخُلُق وهذبه الدين والله المسؤول أن يجعلنا منهم. 4 ـ وقد يقول قائل: إنه مع ما ذكرت آنفاً فما هي جدوى الكتابة في أمثال هذه المواضيع؟ ونحن نجد إصراراً عجيباً على طرحها كل مرة كما هي كأنّها لم تعالج ولم يكثر حولها الأخذ والرد ولم تحصل الإجابة على مضامينها في أكثر من مورد ومورد. إنّ هذه الوضعية تكاد تجعل الإِنسان يقتنع بعدم جدوى علاج أمثال هذه الاُمور والحريص على الوقت من أن يُهدر في أمثال هذه الميادين، وللإجابة على ذلك أقول: إنّ افتراض أنّ الباب موصد في وجه
( 7 ) الإصلاح هو انهزامية أمام التحدي. وما كانت الفتوح في أي ميدان إلا مقابلة التحدي بمثله. إنّ الباحثين عن الواقع لم يخل منهم عصر من العصور، وإنّ الذين غلبت عليهم شبهات تاهوا فيها ليسوا بالقليلين وترك أمثال هذين بدون التعاون معهما أمر ليس مما يستسيغه من يحمل رسالة في دفع الحياة إلى الأفضل كما أنه ليس من الدين في شيء. إنّ تمكين الأقلام المشبوهة من نفوس المسلمين وأفكارهم لتتخذ منها فرائس هو إسهام بشكل وآخر مع تلك الأقلام فيما تجترحه من آثام. إنّنا. مدعوون لكنس هذا الركام عن طريق المسلمين حتى يكون الدرب سمحاً لا حباً أمام خطاهم. وكل نتائج تحرز في هذا الميدان هي فتح وانسجام مع دعوة الإِسلام للجهاد بالقلم والفكر وليس في المنطق فس شيء أن نترك المريض يصارع الداء بدون أن نعطيه جرعة دواء ونحن نملك القدرة فيما نظن على ذلك. وكم من إِنسان عاش دهراً طويلاً فريسة لعجز أو عصبية ثم رجع إلى الموضوعية نتجية إلحاح الأقلام على تنقية الأجواء خصوصاً إذا استطاعت الأقلام أن تسافر بنا عبر دنيانا إلى فجرنا الأصيل الذي شع بالتسامح ورفت فيه نسائم من نقاء الروح وطهر الضمير وطبعت الحياة فيه على مزاج الإِسلام الطهور. 5 ـ وما يهوّن الخطب أنّ مواطن الخلاف بين فرق المسلمين منذ كانت لم تصل إلى الاُصول وإنما هي في نطاق الفروع وإن حاول كثير منهم أن يوصلها إلى الأصول عن طريق عناوين ثانوية ولوازم تحاول الدخول من أبواب خلفية. لكنّها وبشيءٍ من التأمل والتحليل ترتد عن الأصول إلى الفروع وما دام الإِسلام في روحه الكريمة يفترض الصحة في فعل المسلم ابتداءاً فعلينا معالجة هذه الاُمور بوحي من هذا الروح. وما دامت العقول متفاوتة والمدارك مختلفة فمن المنطق أن نقول إنّ الإختلاف في مسائل الفكر سنة الكون وسجية النفوس وخاصة العقول وإنما يحمل على نسيان هذه الحقائق الاُفق الضيق والعصبية الرعناء والتسرع في الإندفاع وما أجدرنا بالإبتعاد عنها.
( 8 ) 6 ـ ولما كانت مواضيع الكتاب ومسائله مختلفة فسوف لا يجد القارئ وحدة في الموضوع واتبعاً لذلك فسيختلف أسلوب المعالجة ونمط التناول والمزاج الذي يمليه الموقف. مع إدراكنا أنّ هذه المسائل يجمعها عنوان العقائد ولكنّ أجزاء هذا العنوان متنوعة. ونحن ندرك أنّ تسمية كثير مما يحمله الإِنسان المسلم وينتحله عقيدة فيه كثير من التجوز، فقد لا يعتقد ولا يدين بما يحمله من أفكار أحياناً وإنما هو مجرد شعار تمليه مصلحة أو تحتمه عصبية أو تفرضه تقاليد درج عليها الإِنسان. وهذا هو سر تمسك بعض الناس بأفكار يعلم بطلانها سلفاً ولكنّه التمذهب الإيديولوجي الناتج من مختلف الأسباب والذي هو من مصائبنا التي نرجو أن يعافينا الله منها. 7 ـ وكل الذي أرجوه من القارئ أن لايسمي بعض معالجات هذا الكتاب دعوة للطائفية عن طريق الدعوة إلى ترك الطائفية مما هو من قبيل المصادرة على المطلوب. وذلك لأنّ منطق المقارعة أحياناً من طرق تصحيح المسار فإنّ مبضع الجراح لا يريد الإنتقام وإن سبب ألماً. وإنّ وضع السيف أمام السيف قد لا يكون دعوة إلى القتال بل دعوة إلى تركه وإنّ الحمل على باب شرب الدواء ليس عن بغض وإن كان الدواء مرّاً. وستبقى الأهداف دائماً وراء الأعمال تحدد هوياتها وتشكل مبرراً لما قد يكون في وسائلها من قسوة شريطة أن لا تنزل الوسائل إلى المستويات الملوثة وما دام الهدف كبيراً فسوف تستساغ بعض الوسائل في حالات كثيرة كما يمليها العقل ويقرها الواقع. 8 ـ وبعد ذلك كله فإنّي ومن منطلق كوني إمامياً أدعو كل قارئ أن يتلبس الأدوار التي مرت بالشيعة والظروف والملابسات التي اكتنفتهم وجوداً واستمراراً ثم يتصوّر ما تفرزه تلك الحالات من مظاهر سلوكية حتى تكون معياراً بين يديه يفسر خلال أجوائها المعاشة كثيراً من مظاهر السلوك الفكري والإجتماعي عند الشيعة وبذلك يبتعد عن الشطط في الحكم عليهم. فإذا رآهم يشددون على فكرة التقية فليعلم أنهم لم يخرجوا بها عن نطاق واقع مرّ.
( 9 ) تكيّفوا معه ضمن مقاييس الشرع، وإذا رأى أنّ ردود الفعل عن بعضهم في بعض المواقف عنيفة فلا ينسى عنف الفعل ذاته وهكذا ليكن الإِنسان نفسه مقياساً للآخرين وميزاناً يزن به سلوك غيره. 9 ـ أضمّن هذه الوريقات دعوة إلى كل فرق المسلمين أن يدرسوا بعضهم البعض بروح عملية وأن يتبينوا هذه الخلفيات المشبوهة التي لعبت دوراً كبيراً وما زالت في تمزيق المسلمين ثم ليقيموا نتائج هذا الوضع ليروا من هو الذي يقطف الثمار من وراء هذا الوضع وبعد ذلك كله نحن مدعوون إلى وضع التاريخ في ساحة الإتهام وبالحروف الكبيرة لنحاكمه وننتهي إلى التخلص من كثير من مآسيه التي نعيشها فالتاريخ فاعل في داخلنا وإن بعد العهد بيننا وبين مواده ومكوناته. نسأل الله تعالى العون على مسيرتنا في درب الحياة الوعر وإضاءة طريقنا بنور منه والحمد لله أولاً وآخراً.
|