عفوه وصفحه
عفوت عنه وعن كل ما سلف كان يقيمٌ في النجف رجلُ دين مسنٌ من أهل مازندران يسيء الظن بالإمام بدون مسوغٍ، وبقي على ذلك عدة سنين، وبلغ به سوءُ الظن بالإمام درجة كان ينهي معها بعض طلبة الحوزة عن حضور درس الإمام!
وذات يومٍ خرجت بسرعة لمرافقة الإمام لكيلا يذهب وحده إلى الدرس لأنه لم يكن يستدعينا عندما يخرج للذهاب إلى إلقاء درسه، ولذلك حدث مراراً أن يخرج وحده فاضطر إلى الركض لكي ألحقه! وفي ذلك اليوم خرجت على عجل لمرافقته وهو يذهب إلى الدرس في الوقت المعتاد وهو الساعة التاسعة وخمس وأربعون دقيقة فرأيت ذلك الشيخ المازندراني يقبل باب بيت الإمام ثم هوى على عتبتها يقبلها!!
أعربت عن تعجبي من فعله بصوتٍ يسمعه، فالتفت إليّ وقال الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله[1]، قلت : عجباً ما الذي جرى يا شيخ؟ قال: هل أنت ذاهب للدرس؟ وهل سيذهب السيد إلى المسجد لإلقائه؟ أجبت: نعم، قال: أنا أيضاً آتٍ إلى المسجد! ولم يكن هذا الشيخ يدخل المسجد الذي يلقي الإمام فيه درسه كما كان يمنع ابنه من تقبيل يد الإمام؟
وفي غضون ذلك فتحت الباب وخرج الإمام، فأنسحب الشيخ خجلاً وذهب إلى زقاق آخر، أما أنا فقد رافقت الإمام في الذهاب إلى المسجد، وكان من حسن حظ هذا الشيخ أنني لم أحمل في ذلك اليوم الكتاب معي ولذلك لم اضطر إلى الجلوس عند المنبر فجلست عند الباب فجاء وجلس إلى جانبي، وقال: لا يخفى عليك أن أصدقاء السوء قد أثروا عليّ، فأسأت الظن بهذا السيد لكثرة ما سمعته من هؤلاء المغرضين من أن الإمام يقرأ الجرائد!! وأن السيد الفلاني قد قام بالمجاهدات حتى تقدم عليه..
ثم قال لي هذا الشيخ المسن: رأيت ليلة في عالم المنام أنني في حرم أمير المؤمنين عليه السلام ـ، فرأيت عدداً من الأشخاص جالسين متجاورين، دققت النظر في وجوههم فوجدت أن هيئة كل منهم تتناسب مع سنه(كل من الأئمة عليهم السلام)، قالوا عن الثاني عشر أنه الإمام المهدي ـ عجل الله فرجه ـ، كان جالساً في آخر الصف ووجهه ذو طلعة ملكوتية غاية في الجمال تشع بالأنوار.
ثم أخذ العلماء يتوافدون عليهم تباعاً وكانوا يخرجون جميعاً من مقبرة المقدس الأردبيلي، أخذت أنظر بأمعان إلى وجوههم لعلي أتعرف عليهم، قالوا عن أحدهم أنه: (الشيخ شلال) وهو من شيوخ العرب، فرحت كثيراً لما رأى، أدرت أن أتحرك لكنني لم أستطع، كأنهم أوثقوني بالأرض، كان أولئك الإثنا عشر يكرمون كل شخصٍ من العلماء يفدُ عليهم، كان يقوم بتكريم بعضهم أمير المؤمنين عليه السلام وواحد أو اثنان من الإثني عشر فيما كان البقية يتحدثون فيما بينهم؛ فيما كان يقوم بتكريم أخرين من الوافدين عليهم سبعة أو ثمانية من الإنثى عشر، إلى أن رايت فجأة السيد الخميني يدخل عليهم من جهة الإيوان وأنت تمشي خلفه، خلع نعليه عند مستودع الأحذية فقمت أنت بوضعها جانباً واتبعته على عجل، ولما دخل السيد الخميني رأيت الثاني عشر منهم يقوم له بمجرد أن رآه، وقام بعد، الحادي عشر منهم ثم العاشر، ثم رأيتهم وقد قاموا له جميعاً ثم جلسوا باستثاء الثاني عشر الذي بقي واقفاً وناداه قائلاً: (يا روح الله )، فجمع السيد الخميني عبائته قال: (نعم يا مولاي)، قال: (تقدم إلى الإمام)، فتقدم السيد الخميني بسرعة نحوه، وعندما وصل إلى إمام الزمان ـ عجل الله فرجه ـ لاحظت أن قامتيهما متساويتين في الطول، فلم يكن قامة الإمام المهدي ـ عجل الله فرجه ـ أطول من قامة السيد، أو أن يكون السيد الخميني أقصر من الإمام المهدي ـ عجل الله فرجه ـ.
وقفا بحالةٍ كانت أذن السيد الخميني بالقرب من فم إمام الزمان ـ عجل الله فرجه ـ، همس الإمام المهدي بشيء؛ في إذن السيد الخميني، فقال السيد : (سمعاً وطاعة، سأقوم بذلك، سأنفذ ذلك إن شاء الله. وبقي الإمام المهدي ـ عجل الله فرجه ـ يخاطب السيد همساً بأشياء وبسرعة لمدة ربع ساعة بالضبط!
وعند انتهاء كلام الإمام المهدي ـ عجل الله فرجه ـ تراجع السيد الخميني متراً أو مترين فيما جلس الإمام، فرفع السيد الخميني يده مسلماً على الأحد عشر الآخرين فأبدوا جميعاً تكريمهم له، ثم أخذ السيد الخميني يمشي القهقري فلم يدر ظهره إليهم بل كان مقبلاً بوجهه عليهم وهو يخرج دون أن يدخل لزيارة مرقد أمير المؤمنين عليه السلام فسألتُ ولا زال الحديث للشيخ المازندراني وهو ينقل رؤياه ـ: لماذا لم يدخل السيد الخميني إلى حرم أمير المؤمنين عليه السلام ؟ فأجابوني: إن أمير المؤمنين عليه السلام جالسُ هنا فأنى يذهب السيد ؟!
ثم توجه السيد الخميني إلى مستودع الأحذية، فقدمت أنت له نعليه، ثم تحرك خارجاً من صحن الحرم العلوي بسرعة. ثم انتبهت أنا من النوم وأجهشت بالبكاء فاستيقظت زوجتي ورأتني أبكي، نظرت إلى الساعة فوجدتُ انه قد بقيت ساعة لأذان الفجر، قلت: لقد ظلمت السيد، اللهم اغفر لي ذلك.
لقد آمنت بمقام هذا السيد، ولكنني لازلت في أذى مما سلف مني، ثم كان أول عملٍ قمت به هو ما رأيته أنت ولم يره سواك، حرصت على أن لا يراني أحدٌ، كان عليّ أن أقبل عتبة داره ولا أدري كيف خرجت أنت ورأيتني!
قلت: ينبغي نشر هذه الفضيلة ويجب عليّ أنا أن أنشرها، قال: هذه هي قصتي، وما أرجوه منك ـ والله يشهد عليّ ـ أن تطلب من الإمام ـ إذا استطعت ـ أن يعفو عني، أجبته: أستطيع القيام بما طلبت الآن! ولما خرجنا من المسجد أخبرت الإمام بقصة الرجل وقلت: إن الشيخ يطلب من سماحتكم العفو، فقال: لقد عفوت عنه، عفوت عن كل ما سلف.
ثم دخل الإمام المنزل، ولحقني الشيخ وهو يركض ويبكي وسألني عما جرى، فأخبرته بما قال الإمام، وعندها هوى ساجداً شكراً لله، ثم أخذ يتردد علينا في الليل والنهار وأخذ الإمام يوليه رعاية خاصة أيضاً، وفاز بخير الدنيا وخير الآخرة[2].
أعفو عنه ليعفو الله عني وأسأل له الهداية كنت أسكن في غرفةٍ مجاورة للغرفة التي كان يسكن الإمام فيها في مدرسة دار الشفاء عندما كنت أقيم في هذه المدرسة، وكان أحد أهل العلم يأتي من المدرسة الفيضية إلى مدرسة دار الشفاء لكنه لم يكن يتجاوز حدّ غرفتي إذ لم يكن يرغب حتى في رؤية غرفة الإمام فضلاً عن الإمام نفسه! وسبب ذلك أنه كان معارضاً بشدة، للعرفان والفلسفة ويستنكر آراء الإمام.
وقد نقلوا للإمام يوماً موقف هذا الشخص السلبي تجاهه وقالوا؛ أنه يتحدث ضدكم أحياناً، فأجاب: ( إنني أعفو عنه في كل ما سلف منه مما يرتبط بي وأرجو أن يكون اغتيابه لي وافتراءاته عليّ سبباً لعفو الله عني وغفرانه لي كما أسأل الله له الهداية)[3].
يعفو عن كل من ظلمه دون استثناء حدث مراراً أن أشخاصاً كانوا يوجهون الإهانات للإمام ويسيئون القول فيه ثم يتعرفون على الحقيقة ويندمون على ما صدر منهم ضده فيبعثون رسائل يطلبون فيها العفو والصفح منه، وكانت جميع هذه الرسائل تعرض على الإمام فكان يقول بشأن صاحب كل منها ـ ودون استثاء ـ: (لقد عفوت عنه). وقد كتب أحدهم وهو مسلم أميركي من أصل عربي رسالة للإمام قال فيها: لقد ارتكبت بتوجيه الإهانات لسماحتكم ذنباً عظيماً، وهذا الذنب يؤذيني بشدة وقد استولى عليّ بشكل كابوس مرعب،...، ثم طلب ـ بتضرع ـ العفو من الإمام، وعندما عرضت الرسالة على الإمام قال بلهجةٍ مفعمة بالرأفة والمودة: (لقد عفوت عنه)[4].
لم يكتفّ بالعفو والصفح بل.. من القيم السامية التي تجلت في سيرة الإمام، عظمة صفحة وعفوه عن الذين أساوؤا لشخصه الكريم أو وجهوا له الإهانات التي شاهدنا نماذج لها في بعض الحوادث وفي برقيات وبيانات ورسائل بعض المعارف، وشاهدنا كيف أن الإمام لم يكتف بالصفح عن إساءاتهم للأدب وسبهم له، بل أضاف إلى ذلك منع محبيه من القيام بالدفاع عنه![5].
ليكن كارهاً لي.. لكنني ملتزمٌ بالصمت تجاهه كان أحد السادة يتخذ موقفاً سلبياً تجاه الإمام ويتكلم ضده في غيبته كثيراً، وكان له أخوان يحبان الإمام، وعندما توفيت إخته ذهبت أنا والمرحوم الأخ سعيد الأشراقي(وهو عم المرحوم الشيخ شهاب الدين الإشراقي صهر الإمام) إلى الإمام وقلنا له: لقد توفيت أخت هذا السيد فأذهبوا إلى مجلس تأبينها من أجل أخويه. فظهر الأذى على وجهه وقال: (لقد ذبح أمير المؤمنين عليه السلام سبعمائة يهودي في ليلة واحدة، وأنا منه ومن ذريته (أي الأحرى بي أن أقتدي بفعله)! ليكن فلان (الشخص المذكور)كارها لي، لكنني ملتزمٌ الصمت تجاهه، فإن لم أذهب إلى المجلس التأبيني، فإن أصل سكوتي عنه غنيمة له(ورحمة به)، لأنه لو أراد أن يتجاوز حدوده فإنني سأصدر حكمي)!![6]
أفوض أمري إلى الله سافرت إلى قم في سنة 1317ـ 1318هجري شمسي(38ـ 1939م) بهدف الدارسة في حوزتها، وكان على الطلبة يومها الدخول في امتحانات علمية. كانت حوزة قم يومذاك تدار من قبل ثلاثة علماء كبار عرفوا باسم( العلماء الثلاثة) وهم السادة: الحجة والخوانساري والصدر، وكانوا يجرون امتحانات للطلبة لتخصيص رواتب شهرية لهم، وكان الإمام والمرحوم السيد محمد تقي الزنجاني من العلماء الذين يثق بهم العلماء الثلاثة المذكورين ولذلك جعلوهما من العلماء الذين يتولون مهمة إمتحان الطلبة؛ وكانا جالسين يوماً في غرفة أحد الطلبة ـ اسمه (صاحب الداري) وهو من أهل بروجرد وتقع غرفته بجوار مكتبة المدرسة الفيضية ـ حيث كانا يمتحنان الطلبة: فكتب أحدهم ـ وهو من مدينة تبريز أو من مدينة آستارا ـ رسالة للإمام ضمنها مجموعة من الإهانات، ويبدو أن الذي دفعه إلى كتابتها قلقة من نتيجة إمتحان الإمام له، فلما قرأ الإمام الرسالة كتب جواباً عليها سلمه للسيد صاحب الداري لكي يقرأه السيد الزنجاني لأن السيد الزنجاني كان يحظى ـ عن جدارة ـ باحترام كبير من قبل طلبة الحوزة الأتراك. كنت يومها حاضراً ضمن الذين جاوؤا للمشاركة في الإمتحان هناك، وقد سمعت ما كتبه الإمام في جوابه على رسالة ذلك الطالب أثناء قراءة هذا الجواب، وكان ما كتبه الإمام هو:
(سماحة السيد الحاج.. يبدو أنكم كتبتم أشياءً كانت المصلحة المرجوة في أصل (الإنشاء) دون أن يكون لكم غرضٌ جديٌ من كتابتها. ونعم الحكم الله).
ومراد الإمام من (الإنشاء) هو الكلام الذي نقوله ونريد تجسيده عملياً لكننا لا نكون جادين في تنفيذه حقاً، ومنه يتضح أن ذلك الطالب قد كتب أشياءً غير مناسبة للإمام ولذلك أجابه بأن المصلحة المرجوة في أصل الإنشاء لهذا الكلام دون غرض جدي في تجسيده عملياً، وعلى ضوء ذلك يمكن تفسير قوله (ونعم الحكم الله) بأن معناه هو: أفوض هذا الأمر لله تعالى، أو أن الله خير هو من يقضي في مثل هذه الأمور )[7].
يأمر بإنقاذ من كاد أن يدهسه كان الإمام كثير العفو والصفح. فمثلاً كنت أرافقه ليلة في طريق العودة من زيارة حرم أمير المؤمنين عليه السلام، وكان ذلك في الساعة التاسعة والنصف مساءً، والشارع كان يخلو من المارة، كما كان الجو بارداً أيضاً، وفجأة مرّ رجل اسمه عبد العزيز ـ وكان من الأثرياء، وكان يقود سيارته وهو سكران ـ كان يسير بسيارته بسرعة عالية جداً ومرّ بها قريباً من الإمام وبدرجة كاد أن يسحقه بها لو لم أدفع الإمام إلى جانب الشارع، وأثناء ذلك ضربت بقوة على زجاجة سيارته وصرخت: يا ملعون الوالدين!
أوقف هذا الرجل سيارته عند بداية الزقاق الذي يقع فيه بيت الإمام، ثم نزل منها وتوجه صوبي بهيئة أحد (الشقاوات)، كان من المتفرغين ومن شيوخ العرب، أراد أن يعاقبني على ضربي لزجاجة سيارته، وعلى أي فقد اشتبكنا وتجمع الناس حولنا لكي ينهوا اشتباكنا. أثناء ذلك قال لي الإمام: (اتركه أيها السيد الفرقاني)، قلت: حياتي ليست مهمة يا سيدي، لكنه كاد أن يسحقك أنت! فقال: (لابأس، اتركه الآن). ثم جاء عددٌ من أفراد الشرطة فطلبت منهم أن يمسكوه، ثم أوصلت الإمام إلى المنزل ورجعت، وكان السيد القرهي حاضراً هناك أيضاً فسألته: ماذا نفعل الآن؟ هل نرسله إلى سجن بغداد؟ أجاب: كلا، فإن ذلك سيؤذي الإمام.
ذهبنا إلى حيث كان أفراد الشرطة يمسكون بالرجل وقلت لهم: إن لم يكن هذا الرجل مكلفاً من قبل الشاه بسحق الإمام واغتياله فالحد الأدنى لجرمه أنه (يقود سيارته وهو )سكران، فيجب أن ينال عقابه على ذلك. فأصروا على أن يخرج الإمام لكي يعتذروا منه ويقبلوا يديه ورجليه! قلنا: لقد دخل السيد إلى القسم العائلي من بيته، فقال أفراد الشرطة : وماذا نفعل نحن؟
وأثناء ذلك سمع الإمام أصوات الضجيج الناشيء من هذا الجدال فقال: (ما هذا الضجيج؟ لماذا تؤذون الناس ؟) ثم قال لي: (إذهب الآن وخلص الرجل وإتركه يذهب إلى بيته)![8]
هذا العمل خلاف المروءة كنت يوماً في حرم الإمام الحسين عليه السلام أتلو زيارته، فقام أحد الخدام غير المؤدبين بجمع البساط الذي يجلس عليه الإمام! فرفع الإمام السجادة وكتاب (مفاتيح الجنان) وجلس على الأرض! وكان بعضهم يقومون عن عمدٍ عند دخول الإمام للحرم بكنس أرضيته ودفع التراب باتجاهه، دون أن نتمكن من القيام بأي عملٍ لمنعهم لأن الإمام كان يقول لنا: (ما شأنكم بهم؟! دعوهم يقومون بعملهم)! لكنني لم أطق الصبر في تلك المرة عندما جمع ذلك الخادم البساط الذي جلس عليه الإمام، لقد كان الخدام يقومون بمثل هذه الأعمال عند دخول الإمام لأنهم إعتادوا أن يلتفو حول السادة العلماء عند دخولهم للحرم فيحصلون منهم على إكراميات مالية دون استحقاق، أما الإمام فلم يكن يعطيهم مثل هذه الأموال التي لا يستحقونها.
غضبت مما فعله ذلك الخادم وقلت له: والله لأرينك الويل! فعرف الإمام بذلك وقال لي: (هذا العمل خلاف المروءة، ما شأنك به؟ دعوهم يقومون بعملهم، علهيم بالتالي أن يجمعوا سجاد الحرم). لكنني قلت هذه المرة: كلا لن أدعه! ثم قدمت شكوى عن طريق مديرية المحافظة مضمونها أن الشيخ محمد رئيس خدام الروضة الحسينية قد وجه هذه الإهانة للإمام. فاعتقلوه فوراً. وجاءت إثر ذلك زوجته مع أطفاله إلى منزل الإمام، واعتذروا من فعلته وقالوا: إنه لم يعرف الإمام وقد أخطأ، إنهم سيقطعون رزقنا..
وأثناء ذلك خرج الإمام لزيارة حرم سيد الشهداء عليه السلام فقال له خادمه حسين: هذه المرأة يا سيدي هي زوجة ذلك الخادم، فأخذت المرأة تعتذر بتضرع إلى الإمام الذي قال لنا: (لماذا تقطعون رزق الناس؟ اتركوا الرجل يرجع إلى عمله)[9].
يدعو للشيخ علي الطهراني بالنجاة كان الإمام يستمع لما تبثه الإذاعات الأجنبية: إذاعات أميركا. إنجلترا، إسرائيل وغيرها وإن كان يحرم على الناس الاستماع إلى بعضها، كما كان يستمع لأحاديث الشيخ علي الطهراني التي كانت تبثها إذاعة بغداد. كان يقول: ( إنني أدعو الله تعالى في الليالي للشيخ علي أن ينقذه من سيطرة صدام والمنافقين). وبعد أن شن الشيخ علي الطهراني هجوماً بذيئاً للغاية على الشيخ الهاشمي الرفسنجاني قال الإمام: ( لا يجوز لي أنا أيضاً بعد الآن أن استمع لأحاديثه)[10].
حريص على هداية عدوه وكأنه ولي حميم جرى الحديث يوماً عن خصوصيات الإمام مع الشهيد حجة الإسلام والمسلمين السليمي الذي جاء إلى الجبهات الجنوبية ممثلاً لبيت الإمام وبهدف تقوية معنويات جند الإسلام وزيارتهم؛ وقد قال أثناء حديثه: قبل أيام أخبرنا الإمام بالهجمات العنيفة والإهانات البذيئة التي يشنها ضده الشيخ علي الطهراني في أحاديثه التي تبثها إذاعة بغداد وقلنا له: إن هذا الحديث قد تمادى في التجرأ على سماحتكم!
وبعد أن إنتهى كلامنا التفت لنا وقال: (لقد ذكرته قبل أيام فدعوت الله له)!
لقد كان الإمام حريصاً على هداية حتى خصمائه وأعدائه[11].
مقابلته الإساءة بالإحسان ما اكثر الإفتراءات والإتهامات والإهانات التي كان يوجهها المغرضون والجهلة واللقطاء في قم والنجف للإمام، وما أكثر الأذى الروحي الذي كانوا يسببونه له، لقد أشار الإمام إلى نموذج لذلك في بيانه إلى الحوزات الدينية وعلماء الإسلام وذلك عندما ذكر قضية تطهيرهم لوعاء الماء الذي شرب منه ابنه في المدرسة الفيضية بجرم أن اباه يدرس الفلسفة!!
ولكن الإمام لم يخطر على ذهنه أبداً للسعي للرد على أولئك لا قبل انتصار الثورة عندما وصل إلى مسند المرجعية العليا والمطلقة في الحوزات العلمية، ولا بعد الثورة عندما بلغ ذرى الشوكة والإقتدار العام. بل على العكس من ذلك، لقد بادر إلى تفقد بعض هؤلاء الأشخاص الذين لم يكن مؤيدوهه يطيقون رؤيتهم على قيد الحياة بسبب سوابقهم السوداء وشدة ما ألحقوه بالإمام من أذى، لكن الإمام كان يبادر رغم ذلك إلى السؤال عنهم وتقديم المساعدات لهم وإرسال من ينوب عنه في عيادة المرضى منهم وإزالة المشاكل التي تحيط بهم قدر المستطاع[12].
يحفظ كرامتهم كان الإمام يدحض بالمنطق السليم والاستدلال القويم وبأساليب متنوعة منهج الجمود والتحجر وطريقة تفكير المتحجرين، لكنه ـ إلى جانب ذلك ـ كان يحترم شخصيتهم العلمية وكرامتهم الشخصية ما لم يقوموا بأعمال إفسادية مغرضة ضد مصالح الإسلام والمسلمين، ولذلك كان يبادر إلى تفقد أحوالهم ويأمر بتقديم المعونات المالية لهم، وكان يرسل إذا علم بمرض أحدهم من ينوب عنه في عيادته، وإضافة لذلك كان يأمر بالتحقيق لمعرفة احتياجاته ودفع تكاليف علاجه، بل وكان يأمر ـ عند اللزوم ـ بإرسال بعضهم إلى الخارج لتلقي العلاج[13].
لم يقطع صلاته لمنتقديه كانت حملات المغرضين الدعائية ضد الإمام كثيرة في النجف، فكانوا أحياناً يعيبون عليه إهتمامه بأن تكون الملابس التي يرتديها مرتبة ونظيفة وأن يكون مشيه بهيئةٍ مستقيمة!! فكانوا يرسلون له أحياناً رسائل شفهية تقول: إن من غير المناسب لكم ـ وأنتم في مقام المرجعية ـ أن تظهروا أمام أعين الناس بملابس جملية! وقد قال لي الإمام يوماً أن شخصاً ـ وبالطبع لم يذكر الإمام أسمه فهو كان يتنزه عن ذكر اسم احد ـ جاءني إلى هنا وعابّ عليّ كل ما استطاع، لكنني لم أقطع صلتي له بالأموال ما دام في النجف والى أن سافر إلى إيران)[14].
لا يغضب لنفسه كان الإمام يتحلى بكثرة العفو والصفح فيما يرتبط بشخصه هو، وقد شاهدت بنفسي أشخاصاً يأتون إليه ويوجهون إليه أهانات شديدة دون أن يواجههم بأي رد فعل عنيف، فمثلاً قبل سنين طويلة وعندما كنت لا زلت في بيت الإمام( قبل زواجي) غضب أحد أرحامنا وكنا مجتمعين على مائدة طعام العشاء ـ بسبب قضية معينة، واشتد به الغضب إلى درجة قام معها بعصبية من مكانه وهجم على الإمام وبحالةٍ تصورنا معها أنه يريد أن يضربه، أما الإمام فلم يبد أبسط ردّة فعل، هذا الرجل انتبه إلى حاله قبل أن يرفع يده على الإمام ورجع إلى مكانه والإمام جالسُ بهدوء على المائدة لم تظهر عليه ملامح الغضب ولا غيره[15].
تعامل بالقول اللين مع الغاضب حدث مرة أن أحد أرحامنا جاء إلى منزل الإمام وكنا جالسين عنده في ساحة المنزل فقد كان ذلك في أيام الصيف، كان هذا الشخص يحمل آراءً اعتراضية خاصة بشأن بعض القضاياـ وكان ذلك قبل عدة سنين أيام رئاسة بني صدر ـ كان يعرب عن آرائه بانفعال ويخاطب الإمام بصوتٍ مرتفع وبعنف ويقول له: يجب أن تسمحوا بأن يأتوا إليكم ويقولوا في منزلكم: الموت لفلان وفلان!
لاحظت عند ذلك ملامح الأذى تظهر على وجه الإمام لكنه رغم ذلك كان يرد على ذلك الشخص بكل لين وهدوء ويقول له: (لماذا تصرخون؟ تعالوا نتحدث ونناقش الأمر سنصل في النهاية إلى اتفاق بطريقة ما، أنا لم أمنع أحداً من المجيء إلى هنا، الجميع أحرار في التعبير عن آرائهم).
لقد تعامل الإمام بكل لين مع هذا الشخص، رغم أنه كان مريضاً وكنت قلقةً من أن تصيبه أزمة قلبية[16].
لا تتحدث بشيء عن هذا الموضوع لأحد عندما عاد الإمام إلى قم بعد انتصار الثورة، بادر بروح نبيلة مفعمة بالوفاء إلى زيارة السادة العلماء وأصدقائه القدامى في منازلهم، وجاء أيضاً إلى منزلنا. فقد اتصل الشيخ الإشراقي هاتفياً بنا وقال: يريد الإمام أن يأتي إلى منزلكم. قلت: حبذا لو تصبرون لكي نستعد لذلك بترتيب المقدمات المناسبة، قال : كلا، لقد قرر الإمام زيارتكم.
عندما دخل الإمام ساحة منزلنا رأى المسلحين (أفراد الحماية الأمنية)، فقال (ممازحاً): (الحذر من أن يعتقلني هؤلاء)!! فقلت كل هؤلاء هم منكم يا سيدي! فقال: (حسنٌ ما فعلتم إذ لم تغفلوا عن اتخاذ الاحيتاطات الأمنية، اصطحب معك دائماً حرساً أثناء تنقلاتك).
كنا قد أخذنا قطعتين من البساط من نوع (النمد) لكي لا تكون الغرفة خالية بالكامل فقال الإمام عندما رآه: (أعجبني كثيراً هذا البساط).
وقد رافق الإمام في هذه الزيارة الشيخ الإشراقي والشيخ حسن الصانعي، وعندما أراد الخروج طلب منهما أن يخرجا قبله، فلما خرجا التفت إليّ وقال: (لا تتحدث بشيءٍ لأحد عن هذا الموضوع)، ورغم أنني عرفت الموضوع الذي يشير إليه إلاّ أنني سألته: أي موضوع تقصدون؟
كان الإمام يعلم بأن ملف الشريعتمداري عندي فقد أخبرته بذلك من قبل، أجاب على سؤالي: (أعني الموضوع الذي يرتبط بالسيد الشريعتمداري). فقلت: ولماذا التزم الصمت بشأن هذا الموضوع؟! أنتم لا تتحدثون عنه لأن مكانتكم الآن لا تسمح بذلك، ولكن لماذا لا نتحدث نحن؟ فلم يقل الإمام شيئاً.
وقد جاء بعد انتهاء زيارة الإمام مراسل صحيفة اطلاعات فأعطيته المقالة التي كنت قد كتبتها (بهذا الشأن)[17].
______________________________
[1] سورة الاعراف: الآية 43.
[2] حجة الإسلام والمسلمين الفرقاني، كتابحوادث خاصة من حياة الإمام الخميني، ج1.
[3] آية الله السيد حسن بدلا.
[4] حجة الإسلام والمسلمين محمد حسن رحيميان، كتابفي ظل الشمس، ص 97.
[5] آية الله بني فضل، المحلق الخاص لصحيفة جمهوري إسلامي بمناسبة الذكرى السنوية الثانية لوفاة الإمام.
[6] حجة الإسلام والمسلمين الصادقي الطهراني.
[7] آية الله عباس الأيزدي النجف آبادي، كتابخطوات في اثر الشمس، ج2,ص292.
[8] حجة الإسلام والمسلمين الفرقاني.
[9] حجة الإسلام والمسلمين الفرقاني.
[10] حجة الإسلام والمسلمين التوسلي، مجلةحوزة، العدد:45.
[11] السيد غلام علي الرجائي.
[12] حجة الإسلام والمسلمين رحيميان.
[13] حجة الإسلام والمسلمين رحيميان.
[14] حجة الإسلام والمسلمين عبد العلي الفرهي، كتابحوادث خاصة من حياة الإمام الخميني، ج1.
[15] السيدة زهراء المصطفوي.
[16] السيدة زهراء المصطفوي.
[17] آية الله صادق الخلخالي، كتابخطوات في أثر الشمس، ج3، ص 59.
|