14 ـ آية رؤية الأعمال
{وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إلى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}[1].
الرؤية: الرؤية: إدراك المرئي بالعين أو بالقلب، قال في القاموس: الرؤية: النظر بالعين وبالقلب. وقال الراغب في المفردات: الرؤية إدراك المرئي، وذلك أضرب: الأول بالحاسّة وما يجرى مجراه، الثاني بالوهم والتخيّل، الثالث بالتفكر، الرابع بالعقل. وذكر لكل أمثلة.
والسين وإن كان حرف استقبال يستعمل لِمَا يُتوقّع تحققه بعد، إلا أنه قد يستعمل تحقيقاً لمدخوله وتأكيداً له ـ كما عن الزمخشري وابن هشام ـ وإن كان بمعنى الاستقبال فبملاحظة وقوع الفعل بعد ـ كما عن المجمع ـ .
والخطاب في الآية حتى بملاحظة السياق لا يختص بالتائبين المتصدقين من المؤمنين المذكورين في الآية السابقة، وإن كان مورداً له، بل يعمّ كل إنسان عامل، وإن كان المخاطبون بالفعل هم المؤمنين، فإنه في مقام التحريض على المراقبة والترغيب على الدقة والمواظبة، وأنّ عملهم غير خفي ولا مستور، وأنه مرئي ومشهود، وأنّ الشاهد الناظر هو الله تعالى القاهر فوق عباده ورسوله الأمين والمؤمنون المصطفون.
ثم إنّ هذا الانكشاف والرؤية يكون قبل البعث والقيامة قطعاً، لقوله تعالى: {وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}[2] وهو في القيامة.
كما أنّ المرئي هو نفس العمل وحقيقته لا نتيجته مكافأة ـ كما قيل ـ ولا ظاهر العمل فقط كما في الظلال. فإن ظاهر الآية الشريفة ومقتضى افتراق الرائي والمرئي واقتران رؤية الرسول والمؤمنين برؤية الله تعالى يأباهما، مضافاً إلى أنّ رؤية ظاهر العمل أو نتيجته لا يختص بالمؤمنين، بل يراه كل ذي عين.
فالمعنى ـ والله أعلم ـ : يا أيها النبي قل للناس: اعملوا ما شئتم ولكن اعلموا أنّ الله تعالى يرى أعمالكم وأنتم بمنظره ومرآه، فيجازيكم بها يوم القيامة حين تردون إليه، وكذلك رسوله شاهد ناظر لِمَا تعملون، والمؤمنون ـ الذين هم غيركم طبعاً ـ أيضاً شهداء ناظرون فعليكم بالدقة والمراقبة.
والإنسان يختلف حاله في العمل حين يكون بمنظر الغير وشهوده عنه في ما إذا كان على ستر وخفاء، ولا سيّما إذا كان الناظر مَنْ بيده الأمور، وإليه ينتهي كل مأمول.
وحينئذ، فلا كلام في رؤية الله تعالى أعمال العباد بحقائقها، بظواهرها وكوامنها، وبمبادائها ومطالبها. فإن كل ما يوجد ويعمل لا يتحقق إلا بمحضر منه تعالى العالم بكل شؤونه، ولا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء.
وأما رؤية الرسول والمؤمنين فإن كانت بالعين الظاهرة اختلفت عن رؤية الله تعالى، مضافاً إلى أنّ الرؤية بالبصر لا يختص بالرسول والمؤمنين، بل تعمّ كل من يكون العمل بمنظره ومرآه حتى المنافقين والكافرين، فلابد وأن يكون رؤيتهم رؤية تنفذ إلى صميم العمل وروحه وتحيط بحقيقته ومبادئه النفسية ومن الضروري عدم حصول مثل هذه الرؤية لجميع المؤمنين.
فكما أنّ الله تعالى يرى حقائق أعمال العباد، كذلك الرسول وهؤلاء المؤمنون يرونها بالإشراف والتطلّع عليها كما عرفت في آية الشهادة.
والى ذلك تشير روايات كثيرة جداً وردت في عرض الأعمال على رسول الله صلى الله عليه وآله وعلى الأئمة المعصومين عليهم السلام الوارد جلّها في ذيل الآية المبحوث عنها، فيتعيّن بها مصداق(المؤمنين) وأنهم الأئمة المعصومون عليهم السلام.
وقد أشرنا في ذيل البحث عن آية الشهادة إلى ما يتوهّم من الاختلاف بين مفاد الآية والروايات، والى ما يرفع به هذا التوهّم فراجع.
فالآية تدل على أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله والأئمة المعصومين عليهم السلام ـ وهم أجلى مصاديق المؤمنين ـ يرون كل ما يعمله العباد رؤية لا تتمّ إلا بالإشراف الوجودي على الأعمال ومنابعها النفسية.
وليعلم أنّ انتساب الرؤية إلى الله تعالى ـ كانتساب أي فعل آخر إليه ـ يخلو من عنصر الزمان، فالعمل مثل كل شيء آخر يكون بمنظره ومرآه، وقبله وحينه وبعده، وفي أي مرتبة من مراتبه حاضر لديه تعالى.
وقد يقال: إنّ وجود حرف الاستقبال في الآية يجعلها ناظرة إلى مرتبة بقاء العمل بعد وقوعه، في قبال من يوهم زواله، بعد أن لم يكن هناك زمان في الانتساب، فتفارق آية الشهادة في أنها ناظرة إلى مرحلة ما قبل وقوع العمل إلى حين وقوعه.
وإن شئت فعبّر عن ذلك بأن آية الشهادة تنظر إلى مختلف مراحل العمل، إذ ينطلق من مبادئه النفسية مارّاً بمراحل التحقق، ومن ثم باقياً إلى حين أداء الشهادة في يوم القيامة. وأما آية الرؤية فهي تنظر إلى مرحلة بقاء العمل بعد تحققه فقط.
والملاحظ أنّ انطباق روايات عرض الأعمال على هذا الوجه أوضح منه على غيره.
واليك نماذج منها:
روى الكليني عن عدّة من أصحابنا مسنداً عن يعقوب بن شعيب، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله عزوجل {اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ} قال: هم الأئمة[3].
وروى عن سماعة عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سمعته يقول ما لكم تسوؤن رسول الله صلى الله عليه وآله؟ فقال رجل: كيف نسوؤه؟
فقال: أما تعلمون أنّ أعمالكم تعرض عليه؟ فإذا رأى فيها معصية ساءه ذلك، فلا تسوؤا رسول الله صلى الله عليه وآله وسرّوه[4].
وروى أيضاً عن عبد الله بن أبان الزيات ـ وكان مكيناً عند الرضا عليه السلام ـ قال: قلت للرضا عليه السلام: ادع الله لي ولأهل بيتي.
فقال: أولست أفعل؟ والله إنّ أعمالكم لتعرض عليّ في كل يوم وليلة.
قال: فاستعظمت ذلك، فقال لي: أما تقرأ كتاب الله عزوجل: {وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ}. قال: هو والله علي ابن ابي طالب عليه السلام[5].
_____________________________
[1] سورة التوبة، الآية: 105.
[2] سورة التوبة، الآية: 105.
[3] الكافي: ج1، ص 219، ح2.
[4] الكافي: ج1 ص 219، ح 3.
[5] الكافي : ج1، ص 219، ح 4.
|