11 ـ آية المودة
{قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ * أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَإِن يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ}[1]
الأجر: ما يعود إلى العامل من ثواب العمل، سواء كان دنيوياً أو أخروياً.
المودة: المحبة المستتبعة للمراعاة والتعاهد، ولعلها لاشتمالها على ذلك لا تستعمل في محبّة العباد لله تعالى.
والقربى: القرابة في النسب.
أجر النبي (ص): عندما نتابع دعوة الأنبياء الكرام للناس ومنطقهم في القرآن الكريم نجدهم يعلنون أنهم جاؤوا لإعلاء كلمة الحق والتوحيد، وهم أزاء ذلك لا يطلبون أجراً، فأجرهم على الله تعالى. وذلك ما نلاحظه مثل في سورة الشعراء على لسان عدة منهم إذ يعلنون {وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ} الشعراء: 109 ـ 127 ـ 145 ـ 168 ـ 180. وكان ذلك المنطق ينبع من أدب التوحيد الخاص الذي أدّب الله به أنبياءه العظام ليكونوا مثال العمل في سبيل الله لا يريدون جزاءاً ولا شكوراً.
وإنّ من المناسب جداً أن يكون الموجَر هو المرسَل لا المرسَل اليه، ولا يقاس أجر الله على أجر العباد.
إذاً، فما معنى أن نجد النبي صلى الله عليه وآله سواء من خلال آية أو رواية يسأل أمته أجراً؟ وهل أنّ هذا يخالف ـ والعياذ بالله ـ سنّة الأنبياء؟ أو لا يتصوّر تهافت بين هذا المعنى وقوله في آية أخرى {إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللّهِ}[2]؟ أوليس قوله {إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللّهِ} يأبى أي استثناء أو تخصيص، فلا يمكن أن يُدّعى فيه ذلك؟
إنّ الجواب الطبيعي الواضح على هذه التساؤلات هو: أنّ هذا الأجر المطلوب في هذه الآية الكريمة هو في الواقع من أروع ما يعود على الأمة بالخير، ويرتبط بمسيرتها ومستقبلها وقيادتها، حيث يشدّها الشدّ العاطفي الواعي إلى القيادة مقوّياً بذلك الشدّ العقائدي بها، وإذا اقترنت العقيدة بالعاطفة المبنية على أساسها أمكن ضمان قيام القائد بمهامه التاريخية الكبرى الملقاة على عاتقه في مجال تربية الإنسانية ككل وهدايتها إلى شواطئ الكمال.
فهذا الأجر المسؤول وهو في الواقع تعليم اجتماعي رائع لصالح الأمة نفسها، وليس أجراً شخصياً للرسول صلى الله عليه وآله وبعد أن كان أشد الناس إخلاصاً للحقيقة، وبعد أن كان القرآن يعلن:
{وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ}[3] {وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ}[4].
وقد أوضح القرآن هذه الحقيقة في قوله تعالى: ـ على لسان نبيه ـ {مَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ}[5]. وكذا يشير إليه قوله تعالى: {قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَن شَاء أَن يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا}[6].
أما تسمية هذه المودة أجراً للرسول صلى الله عليه وآله فقد يكون مجرد تنزيل وادّعاء؛ لأنه يمسّ الرسول(ص) بعد أن كان في الحقيقة راجعاً إلى مصلحة الأمة. والذي يصحح هذه التسمية أمران:
الأول: أنّ هؤلاء هم السبيل إلى الله تعالى.
الثاني: أنّ مودّتهم ـ كما مر ـ لها الأثر الكبير في ربط الأمة بقيادتها الحكيمة لتحقيق الأهداف التاريخية للإسلام.
ولعل القرآن الكريم استغل الربط العاطفي بالنبي صلى الله عليه وآله لينسب المودة في القربى اليه، محققاً بالتالي غرضه المنشود.
هذا ما يستفاد من الآية الكريمة.
أما الروايات المتواترة فهي توضّح مَنْ هم هؤلاء وتؤكّد أنهم علي وفاطمة وابناهما عليهم السلام. لعل هذا بلغ من الوضوح مبلغ الضرورة عند الشيعة، كما ذهب اليه جمهور علماء السنة وقطع به أكابرهم. وندر أن نجد من يخالف هذا التفسير كعكرمة(الكذاب) وأمثاله ممن كان دينهم تأويل الآيات النازلة في فضل أهل البيت عليهم السلام عداوةً وبغضاً، وجرّها إلى تفسيرات تخالف القرآن والروايات، لا لشيء إلا لإشباع هوى رخيص وحقد أعمى، ولذا فإنه لا يعتنى بمخالفتهم.
بعض الأقاويل الضعيفة في تفسير هذه الآية: ونحن نتعرض لذكرها ليتّضح ما أكّدناه سابقاً من نشوئها عن عصبية أو جهل مقيت:
فقد قيل: إنّ الآية تأمره صلى الله عليه وآله أن يقول للمشركين ذلك، أي يقول لهم: لا أسألكم عليه من أجر إلا أن تحفظوا قرابتي منكم وتصلوا الرحم التي بيني وبينكم.
وهو رأي لا يقبله الذوق السليم، وكيف يصحّ للحكيم أن يطلب الأجر على الرسالة ممن يكفر بها؟!
وقيل: إنّ المراد هو ملاحظة القربى من الله تعالى، فكان الرسول صلى الله عليه وآله يطلب منهم أن يؤدّوا القربى من الله بالأعمال الصالحة!
وربما كان هذا أسخف مما قبله، فهو تأويل وتحريف تأباه اللغة أيضاً، فلم نجدها استعملت لفظة(القربى) إلا في القرابة الرحمية.
وقيل: إنها تطلب من المسلمين أن يؤدّوا قرابتهم ويصلوا أرحامهم.
وهو أيضاً رأي مردود ليس فيه إلا التأويل، ولا يقصد إلا التمويه الذي يشمئز منه الذوق السليم. وإلا فما معنى جعل حكم جزئي من الأحكام لا يرتبط برسول الله صلى الله عليه وآله إلا كارتباط باقي الأحكام به، جعله أجراً للرسالة؟ وهل هناك مصحح لهذا الجعل؟ أم هل توافق عليه قواعد البلاغة؟
وقيل: إنه لو أراد الله تعالى من الآية الشريفة مودّة القربى لكان اللازم أن يقول(إلا المودة القربى) أو (إلا المودة للقربى). وعليه فالآتيان بلفظ(في) شاهد على إرادة غير المعنى المذكور.
ويكفي في جواب هذا المعنى ما قاله الزمخشري من أنه عبّر بـ(في) ولم يعبّر باللام تأكيداً؛ لأن الظرفية أبلغ وآكد للمودة، فيكون تقديره: إلا المودة ثابتة في القربى.
وقيل: إن الآية مكية؛ لأنها في سورة الشورى مع أنّ الحسنين ولدا في المدينة.
وهو إشكال ضعيف أيضاً، فإنه قد أكّد غير واحد من أئمة هذا الفن نزول الآية في المدينة. على أننا لو سلّمنا كونها مكية فما المانع في ذلك؟ إنها نظير غيرها من الآيات الكريمة التي سبقت لبيان قضية حقيقية لا خارجية. فهي تصبح فعلية إذا وجد من تنطبق عليه.
وأخيراً:
فإنّا لا ندري سرّ هذا الإصرار واللجوء إلى التأويلات الباطلة بعد ورود النص المتواتر والإجماع المنقول من الفريقين، ولا يسعنا إزاء ذلك إلا التمسك بها والسير على هدى الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله.
واليك نماذج منها:
فمن طريق السنة جاءت روايات منها:
ما عن مسند أحمد بن حنبل عن سعيد بن جبير عن ابن العباس قال: لَمّا نزل {قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى}[7] قالوا: يا رسول الله، من قرابتك الذين وجبت علينا مودّتهم؟ قال: علي وفاطمة وابناهما[8].
وقريب منها ما روي عن صحيح البخاري وصحيح مسلم وتفسير الثعلبي بسندين, وعن الجمع بين الصحاح الستة بسندين, وعن ابراهيم بن محمد الحمويني, وعن موفق بن أحمد الخوارزمي, وعن أبي نعيم الاصبهاني صاحب حلية الأولياء، وعن المالكي بسندين, وعن ابن المغازلي في كتاب المناقب، غالبهم عن ابن عباس، وبعضهم عن سعيد ابن جبير، وبعضهم عن مقاتل والكعبي.
وعن تفسير الثعلبي عن أبي الديلم قال: لَمّا جيء بعلي بن الحسين ـ صلوات الله عليه ـ أسيراً قائماً على درج دمشق قام رجل من أهل الشام فقال: الحمد لله الذي قتلكم واستأصل شأفتكم وقطع قرن الفتنة. فقال علي بن الحسين عليه السلام: اقرأت القرآن؟ قال: نعم. قال: قرأت الحم؟ قال: قرأت القرآن ولم أقرأ الحم؟! قال: قرأت: {قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى} قال: لأنتم هم؟ قال: نعم[9].
وروى محمد بن جرير برجاله في كتاب المناقب أنّ النبي صلى الله عليه وآله قال لعلي عليه السلام: اخرج فناد: ألا من ظلم اجيراً أُجْرَته فعليه لعنة الله، ألا من تولّى غير مواليه فعليه لعنة الله، ألا من سبّ أبويه فعليه لعنة الله. فنادى بذلك، فدخل عمر وجماعة على النبي صلى الله عليه وآله وقالوا: هل من تفسير لما نادى؟ قال: نعم، إنّ الله يقول {قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى}فمن ظلمنا فعليه لعنة الله، ويقول {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ}[10] ومن كنت مولاه فعلي مولاه، فمن والى غيره وغير ذرّيته فعليه لعنة الله، وأشهدكم أنا وعلي ابوا المؤمنين، فمن سبّ أحدنا فعليه لعنة الله. فلما خرجوا قال عمر: يا أصحاب محمد، ما أكد النبي لعلي بغدير خم ولا غيره أشد من تأكيده في يومنا هذا.
قال خباب بن الأرت: كان ذلك قبل وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله بتسعة عشر يوماً[11].
وروى علي بن الحسين بن محمد الاصبهاني في كتاب(مقاتل الطالبين) أنّ الحسن بن علي عليهما السلام قال في خطبة له بعد موت أبيه قال: أيها الناس من عرفني فقد عرفني، ولم يعرفني فأنا الحسن بن محمد صلى الله عليه وآله، أنا ابن البشير، أنا ابن النذير، أنا ابن الداعي إلى الله بإذنه، وأنا ابن السراج المنير، وأنا من أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً، والذين افترض الله مودّتهم في كتابه إذ يقول: {وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا}[12]، فالحسنة مودّتنا أهل البيت.[13]
(ومما) رواه أصحابنا الإمامية ما رواه الكليني عن ابي جعفر الباقر عليه السلام في قوله تعالى: {قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى} قال: هم الأئمة عليهم السلام[14].
(ومنها) ما رواه الكليني أيضاً عن اسماعيل بن عبد الخالق قال: سمعت ابا عبد الله عليه السلام يقول لأبي جعفر الأحول وأنا أسمع: فقال: أتيت البصرة؟ قال: نعم. فقال: كيف رأيت مصارع الناس إلى هذا الأمر ودخولهم فيه؟ فقال: والله إنهم لقليل. فقال عليه السلام: عليك بالأحداث، فإنهم أسرع إلى كل خير، ثم قال: ما يقول أهل البصرة في هذه الآية {قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى}؟ قلت: جعلت فداك، إنهم يقولون إنهم أقارب رسول الله صلى الله عليه وآله. فقال: كذبوا إنما نزلت فينا خاصة في أهل البيت: في علي وفاطمة والحسن والحسين، اصحاب الكساء.[15]
وروى عبد الله بن جعفر الحميري مثله في قرب الاسناد[16].
(ومنها) ما رواه ابن بابويه عن علي بن الحسين عليهما السلام قال لرجل: أما قرأت كتاب الله عزوجل؟ قال: نعم. قال: أما قرأت هذه الآية {قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى}؟ قال: بلى.
قال: فنحن اولئك [17]
(ومنها) ما رواه البرقي في المحاسن عن عبد الله بن عجلان، قال سألت ابا جعفر عليه السلام عن قول الله {قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى}. قال: هم الأئمة الذين لا يأكلون الصدقة ولا تحلّ لهم.[18]
وقد روى أمثالها المفيد في الاختصاص والطبرسي وعلي بن ابراهيم القمي في تفسيره والشيخ في أماليه وسعد بن عبد الله في بصائر الدرجات ومحمد بن العباس بن ماهيار في تفسيره وغيرهم.
____________________________________
[1] سورة الشورى، الآية: 23 ـ 24.
[2] سورة يونس، الآية: 72.
[3] سورة يوسف، الآية: 104
[4] سورة الشعراء، الآية: 109, ص: 86.
[5] سورة سبأ، الآية: 47.
[6] سورة الفرقان، الآية: 55
[7] سورة الشورى، الآية: 23.
[8] غاية المرام: ص 306، ح1.
[9] غاية المرام: ص306، ح5.
[10] سورة الأحزاب، الآية: 6.
[11] غاية المرام: ص 307، ح9.
[12] سورة الشورى، الآية: 23.
[13] مقاتل الطالبين: ج1، ص 34ط بيروت.
[14] الكافي: ج1، ص 413، ح7.
[15] روضة الكافيج8 ص 93، ح66.
[16] غاية المرام: ص 307، ح3.
[17] غاية المرام: ص 309، ح10.
[18] غاية المرام: ص 309، ح13.
|