7 ـ آية علم الكتاب
{وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَسْتَ مُرْسَلاً قُلْ كَفَى بِاللّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ}[1].
موقف الكفار من النبي(ص): هذه الآية المباركة خاتمة سورة الرعد المكية, التي تتعرّض كغيرها من السور المكية إلى شبهات الجاحدين والمعاندين، وتعاميهم عن الآيات الواضحة والحجج الساطعة على الحق والرسالة، وطلبهم من النبي صلى الله عليه وآله الحجة تلو الحجة تبريراً لعنادهم وجحودهم.
ومنها مثلاً:
قوله تعالى: {وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنبُوعًا} إلى قوله تعالى: {أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاء وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَّقْرَؤُهُ}[2].
وقوله تعالى: {وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلآ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ}.
ومن الواضح أنّ إعراضهم لم يكن لنقص في حجج النبي صلى الله عليه وآله، وآياته، ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون، فما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون.
وفي مجال الرد على أمثال هؤلاء يلقّن الله رسوله تارة بأن يقول لهم {إِنَّ اللّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاء وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ[3] متعجباً من موقفهم المعاند المكابر بعد كل هذه الآيات الساطعة التي اُوتيها الرسول صلى الله عليه وآله، وكفى بالقرآن وحده آية قاطعة لا تقبل الجدل والرد.
فإذا كانوا يجحدون بكل هذه الآيات فبأي حديث بعده يؤمنون؟!
وأخرى يأمره أن يقول في جواب اقتراحهم للآيات الست {قُلْ كَفَى بِاللّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا[4] وفي هذا الجواب تثبيت للنبي صلى الله عليه وآله وتقوية له، فلن يضرّه جحود الكافرين وعنادهم بعد أن كان الله شهيداً بينه وبينهم وكفى بالله شهيداً.
ومن هنا رأينا الفرزدق الشاعر يقول في قبال تعامي هشام بن عبد الملك عن شخصية الإمام زين العابدين عليه السلام:
وليس قولك (من هذا؟) بضائره العرب تعرف من أنكرت والعجم
وهذا الجواب بنفسه تحقير لأولئك المعاندين بقدر ما هو تقوية للحق وتثبيت لقلب الرسول صلى الله عليه وآله. ونجده تعالى ـ ثالثة ـ يلقّنه صلى الله عليه وآله أن يطلب اليهم ـ مبكتاً لهم ـ أن يرجعوا إلى آيات الله الماثلة في كل شيء، ونعمه الغامرة للكون، والتي يتقلّب فيها الناس،ثم يطلب اليه أن يتحدّاهم بمعجزته الخالدة حيث يقول تعالى {قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا}[5].
إلى غير ذلك من أساليب الجواب في القرآن الكريم.
أما إذا ركّزنا النظر على هذه الآية المبحوث عنها وجدنا أنها تعرض تكذيباً من قِبَل أعداء الإسلام للنبي صلى الله عليه وآله وترد عليه بالأسلوب الثاني من الاساليب الماضية، أي اسلوب تسلية النبي صلى الله عليه وآله وتقوية عزيمته من جهة، وتحقير المعاندين والاستخفاف بهم من جهة أخرى.
ذلك أنّ أعداء الحق من دأبهم التشبّث بكل وسيلة ممكنة لإطفاء نوره ومحو حجّته أو إضعافه فعلاً أو قولاً ـ على الأقل ـ .
أما الوقوف العملي فقد تحدث عنه القرآن الكريم والتاريخ بما لا مزيد عليه، وأما الوقوف القولي بوجهه فقد اتخذوا له أشكالاً مختلفة:
فقد كانوا ينسبون اليه (ص) السحر والجنون ونحوهما، هادفين إلى أن يفتنوه عن الذي أوحاه الله تعالى اليه ويضعفوا من عزمه الراسخ.
كما كانوا يشيعون تكذيبهم له ويعلنونه، محاولين الضغط النفسي عليه صلى الله عليه وآله كي يبخع نفسه وينهار غماً وحسرة؛ لأن أقل ثمن للحق هو التصديق به. أما انكاره والتعامي عنه فمما يبعث على الاسف والحسرة. ولعمرك هذا من أشجى المحن. ومن هنا يقول القرآن الكريم تسليةً للنبي صلى الله عليه وآله وتسكيناً لقلبه:
{فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا}[6].
{لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ}[7].
{فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ}[8].
نعم، إنّ هذا العناد والتكذيب السخيف للحق والرسالة ينتج الحزن والحسرة، خصوصاً في قلب حامل الرسالة، المتألّم لها، العامل على نشر العدل في الأرض بعد أن يرى أمامه هؤلاء الجاهلين يقفون حجر عثرة في سبيل هدفه العظيم.. وقد أدرك الجاحدين مدى حرص النبي صلى الله عليه وآله على نشر رسالته وحمله لها، فراحوا يزيدون من حربهم النفسية ضده، فتارة يجحدون آيات الرسالة، وأخرى يجحدون الرسالة نفسها لإضعاف عزمه وتثبيت همّته.
ولكن الله العظيم كان يمدّ نبيه صلى الله عليه وآله بالعزم القوي والتثبيت تلو التثبيت،ليشد من أزره ويزيد من إصراره على الحق، دون أي التفات لتقوّلات الجاحدين، فيقول تارة:
{قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللّهِ يَجْحَدُونَ * وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَى مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ}[9].
وأخرى يقول تعالى: {قُلْ كَفَى بِاللّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ..}[10] ليؤكد له أن لا وزن لتكذيبهم وجحودهم بعد أن شهد الله ـ وهو أكبر الشهود ـ على رسالته, إذ أوحى اليه القرآن الكريم معجزة خالدة تتحدى الجميع من جهة، وتثبت رسالة الرسول الأعظم من جهة أخرى بقوله تعالى: {إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ}[11]. وهي شهادة إلهية عظمى لا تعدلها شهادة، ولا يضر معها جحود هؤلاء بل جحود أهل الأرض.
{إِن تَكْفُرُواْ أَنتُمْ وَمَن فِي الأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ}[12].
الشهادة الثانية وفضلها: إنّ الآية الكريمة تذكر شهادتين عظيمتين: إحداهما شهادة الله وما أعظمها من شهادة!! والأخرى شهادة مَنْ عنده علم الكتاب، وكفى باقتران شهادة مَنْ عنده علم الكتاب بشهادة الله تعالى كرامةً وفضلاً لها.
ومن الواضح أنّ سرّ هذه الكرامة والجلالة هو توفّره على (عِلْمُ الْكِتَابِ)، فما أجلَّ هذا العلم وأرفع قدره!
وقد كشف القرآن الكريم عن شيء من حقيقته في آية أخرى، وهي قوله تعالى: {قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ}[13]، فتحدّث عن عمل عجيب خارق للعادة، وهو جلب عرش بلقيس من سبأ خلال أقل من ارتداد الطرف، ونسبه إلى مَنْ عنده علم من الكتاب. وإذا كان هذا شأن مَنْ عنده علم من الكتاب فما هو يا ترى شأن من عنده علم الكتاب كله؟! {ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ}[14].
من هو هذا الذي عنده علم الكتاب؟ إذا لاحظنا اتصاف شهادة هذا الشاهد الثاني بالكفاية للرسول صلى الله عليه وآله في دعوته، وصحتها واقترانها بشهادة الله تعالى، توضّح لدينا أنه لا يمكن أن يكون هذا الشاهد هو ما جاء في قوله تعالى: {وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ}[15]، أو ما جاء في قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَكُن لَّهُمْ آيَةً أَن يَعْلَمَهُ عُلَمَاء بَنِي إِسْرَائِيلَ}[16]، حيث فسر بعلماء أهل الكتاب مثل عبد الله بن سلام. فلا يمكن أن يكون ذلك الشاهد العظيم هو عبد الله بن سلام وأمثاله، سواء كانت الآية أو السورة نازلة في مكة المكرمة أو المدينة المنورة.
ومن هنا يتضح الخلط الذي قد يشاهد عند بعض المؤلفين بين من عنده علم الكتاب وأهل الكتاب، ظنّاً منهم بأنهما مفهومان متّحدان؛ ولذا فَهُم يطبّقونه على ابن سلام وأمثاله. وتلك مغالطة نشأت من التشابه اللفظي بينهما. ولعل هؤلاء كانوا سيفسرون آية: {قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ..}[17] أيضاً بذلك لولا وقوع هذه الآية في قصة سيدنا سليمان ـ على نبينا وآله وعليه الصلاة والسلام ـ !.
وهذا الخلط والاشتباه والضلال في الواقع ناشئ من ترك التمسك بالثقلين، وقد امروا بأن يتمسكوا بهما بقوله صلى الله عليه وآله في الحديث المتواتر بين الفريقين (إني مخلف فيكم الثقلين، إن تمسكتم بهما لن تضلوا: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي)[18]
وقد ورد عن العترة الطاهرة عليهم السلام في تفسير {عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ} روايات كثيرة جداً من طرق الفريقين. فعن طريق القوم روايات مستفيضة:
(منها) ما رواه الفقيه ابن المغازلي الشافعي مسنداً عن عبد الله بن عطاء، قال: كنت عند أبي جعفر عليه السلام جالساً إذ مرّ عليه ابن عبد الله بن سلام، قلت: جعلني الله فداك، هذا ابن الذي عنده علم الكتاب؟ قال: لا، ولكن صاحبكم علي بن أبي طالب عليه السلام الذي نزلت فيه آيات من كتاب الله عز وجل: ومن عنده علم الكتاب، أفمن كان على بينّة من ربّه ويتلوه شاهد منه، إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا [19].
وأما عن طرقنا فروايات متظافرة: (منها) ما رواه ثقة الإسلام محمد بن يعقوب الكليني(ره) في الصحيح عن بريد بن معاوية، قال: قلت لأبي جعفر عليه السلام: {قُلْ كَفَى بِاللّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ}[20] قال: إيّانا عنى، وعلي أولنا وأفضلنا وخيرنا بعد النبي صلى الله عليه وآله[21].
(ومنها) ما رواه أيضاً مسنداً عن سدير قال: كنت أنا وأبو بصير ويحيى البزاز وداود بن كثير في مجلس أبي عبد الله عليه السلام إذ خرج الينا وهو مغضب، فلما أخذ مجلسه قال: يا عجباً لأقوام يزعمون أنّا نعلم الغيب! ما يعلم الغيب إلا الله عز وجل. لقد هممت بضرب جاريتي فلانة، فهربت منّي، فما علمت في أي بيوت الدار هي.
قال سدير: فلما أن قام من مجلسه وصار في منزله دخلت أنا وأبو بصير وميسر وقلنا له: جعلنا فداك، سمعناك وأنت تقول كذا وكذا في أمر جاريتك ونحن نعلم أنك تعلم علماً كثيراً ولا ننسبك إلى علم الغيب.
قال: فقال: يا سدير، ألم تقرأ القرآن؟ قلت: بلى. قال: فهل وجدت في ما قرأت من كتاب الله عز وجل: {قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ}[22]؟ قال: قلت: جعلت فداك، قد قرأته. قال: فهل عرفت الرجل وهل علمت ما كان عنده من علم الكتاب؟ قال: قلت: أخبرني به. قال: قدر قطرة من الماء في البحر الأخضر، فما يكون ذلك من علم الكتاب! قال: قلت: جعلت فداك، ما أقل هذا! فقال: يا سدير، ما أكثر هذا أن ينسبه الله عز وجل إلى العلم الذي أخبرك به. يا سدير، فهل وجدت في ما قرأت من كتاب الله عز وجل: {قُلْ كَفَى بِاللّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ}[23]؟ قال: قلت: قد قرأته جعلت فداك. قال: أفمن عنده علم الكتاب كله أفهم أم من عنده علم الكتاب بعضه؟ قلت: لا، بل من عنده علم الكتاب كله. قال: فأومأ بيده إلى صدره وقال: علم الكتاب والله كله عندنا، علم الكتاب والله كله عندنا[24].
____________________________
[1] سورة الرعد،الآية: 43.
[2] سورة الإسراء، الآية: 90 ـ 93.
[3] سورة الرعد، الآية: 27.
[4] سورة الإسراء، الآية: 96.
[5] سورة الإسراء، الآية: 88.
[6] سورة الكهف، الآية: 6.
[7] سورة الشعراء، الآية:3.
[8] سورة فاطر، الآية:8.
[9] سورة الأنعام، الآية: 33 ـ 34.
[10] سورة الرعد، الآية: 43.
[11] سورة يس, الآية: 3.
[12] سورة إبراهيم،الآية: 8.
[13] سورة النمل، الآية: 40.
[14] سورة الحديد، الآية: 21.
[15] سورة الأحقاف، الآية: 10.
[16] سورة الشعراء، الآية: 197.
[17] سورة النمل, الآية: 40.
[18] مناقب ابن المغازلي: ص 134.
[19] اصول الكافي: ج1، ص 225، ح6.
[20] سورة الرعد، الآية: 43.
[21] أصول الكافي: ج1، ص 257 ح 3.
[22] سورة النمل، الآية: 40.
[23] سورة الرعد، الآية: 43.
[24] اصول الكافي: ج1 ص 257. ح3.
|