3ـ آية أولي الأمر
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً}[1]
منصبان للرسول(ص): يركّز القرآن الكريم على وجود منصبين للرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم هما:
(الأول): منصب إبلاغ التشريع وما يوحيه الله إليه وأداء رسالة الله وبيان الأحكام والمبادئ الإسلامية في مختلف المجالات.
قال تعالى: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ}[2]
(الثاني): منصب القيادة والحكم بين الناس، الذي يتطلّب اتّباع الأمة له في أوامره ونواهيه وتصويب آراءه والتسليم له. قال تعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللّهُ).[3].
والقرآن إذ يركّز على وجود هذين المنصبين له(ص) يؤكّد على لزوم طاعة الأمة الإسلامية له في كلا المجالين، فيقول تعالى: {أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ}[4] باعتبار أنّ طاعته(ص) هي طاعة الله تعالى في الواقع. أما تكرار(أطيعوا) فليس للتأكيد ـ كما قال به بعض المفسرين ـ وإنما يشعر بلزوم طاعة النبي(ص) في المجال الثاني أيضاً.
آيات تؤكد طاعة الرسول(ص): إنّ هذه الآية الكريمة لتأمر ـ بكل وضوح ـ جميع أهل الإيمان بإطاعة الله تبارك وتعالى في أوامره ونواهيه، وإطاعة الرسول صلى الله عليه وآله وأولي الأمر في مختلف أوامرهم ونواهيهم مطلقاً. وقد كرّر القرآن الكريم الأمر بإطاعة الله عز وجل مقرونة بإطاعة رسوله(ص) لتوضيح أنّ طاعته(ص) هي طاعة الله تعالى، وأنّ وجوب إطاعتهما هو على نسق واحد، وذلك في آيات كثيرة مثل:
{وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}[5]
{قُلْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ فإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ}[6]
{وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}[7]
{وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}[8]
{قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ}[9].
{أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ}[10]
وغير ذلك من الآيات الكريمة.
وإذا كانت إطاعته(ص) قد انفردت في بعض الآيات كما قال تعالى: {أقيموا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}[11] فإن ذلك لا يعني افتراقها عن طاعة الله عز وجل، فإن الآية الكريمة الأخرى تصرّح بالوحدة بينهما, حيث يقول تعالى {مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ}[12].
وهكذا نقطع من خلال ملاحظة هذه الآيات أنّ طاعته(ص) هي طاعة الله ومن سنخها.
ولَمّا كانت طاعة الله مطلقاً في أوامره ونواهيه هي طاعة معصوم بالضرورة، كانت طاعة رسول الله(ص) مطلقاً في أوامره ونواهيه الحكومية وبياناته المفسّرة لمجمل الكتاب، طاعة معصوم أيضاً؛ لوجود تلك العينية بين الطاعتين.. وهي حقيقة قرآنية جليّة لا مجال لإنكارها؛ لشدّة وضوحها.
طاعة أولي الأمر: ولَمّا كان (أولو الأمر) قد ذكروا مع الرسول صلى الله عليه وآله فإن الآية الكريمة تدلّ على فرض طاعتهم نظير ما للرسول من إطاعة في مجال الولاية والحكومة، من لزوم قبول رأيهم وطاعة أوامرهم؛ لأنهم ولاة أمر الناس وحكّامهم.
والملاحظة في هذه لآية أنها تؤكّد وحدة إطاعة الرسول(ص) وإطاعة ولي الأمر، إذ جعل الله تعالى لنفسه إطاعة وللرسول(ص) وأولي الأمر إطاعة، فتكون إطاعة أولي الأمر إطاعة للرسول، فهي إذاً إطاعة للمعصوم.
وبذلك تكون واجبة مطلقاً بحكم الالتحام بين طاعتهم وطاعة الرسول (ص) التي تعني طاعة الله تعالى ـ كما مر ـ وبهذا تكون الآية دالّة على عصمة أولي الأمر؛ لاقتران طاعتهم بطاعة الله تعالى.
وتؤيّد هذا المعنى عدة نقاط:
(النقطة الأولى): إنّ الله تعالى أمر بإطاعة أولي الأمر من جهة، ونهى عن اتّباع خطوات الشيطان من جهة أخرى. فإذا افترضنا أنّ ولي الأمر لم يكن معصوماً لزم أن يكون اتّباعه في مورد خطئه اتّباعاً للشيطان، ولا يمكن الأمر بشيء قد نهى عنه؛ لأنه يلزم منه التناقض، كما أنه يتنافى مع الإطلاق في(أَطِيعُوا اللَّهَ).
(النقطة الثانية): إنّ الله تعالى أوجب طاعة أولي الأمر على الإطلاق كطاعته وطاعة الرسول، وهذا الإطلاق لا ينسجم إلاّ مع عصمة أولي الأمر؛ لأن غير المعصوم قد يأمر بمعصية فيحرم طاعته في ذلك، وعند ذلك لو قلنا: بأن الإطاعة مازالت واجبة اجتمع الضدّان (الوجوب والحرمة) وهو أمر باطل.
وقد يعترض على هذا فيقال: إنّ الأمر في هذه الآية وإن كان مطلقاً لكنه مقيّد بمثل الآية الشريفة {قُلْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء}[13] وقول الرسول صلى الله عليه وآله (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق)، فإذا أمر أولوا الأمر بمعصية حُرم إتّباع أمرهم ولم يشمله وجوب الطاعة، فلا يوجد أي تضاد.
إلا أنّ هذا الادّعاء مما يأباه الذوق، حيث إنّ العارف باللغة يجد تعارضاً بين القولين التاليين:
{مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ}[14]
و(لا تطع الرسول في ما خالف الله) !!
وهذا التنافي الواضح ينشأ من دلالة القول الأول ضمناً على صحة كل ما يأمر به الرسول وموافقته لأمر الله تماماً، هذا لا ينسجم مع دلالة القول الثاني على إمكان مخالفة رسول الله مما يجعله مناقضاً لمضمون القول الأول.
والنتيجة هي: أنّ الآية تنزّل إطاعة الرسول منزلة إطاعة الله {مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ}[15] وهذا التنزيل لا يقبل أي تخصيص أو تقييد بلا ريب. ولَمّا كانت إطاعة أولي الأمر تشترك مع إطاعة الرسول في السياق وتتساوى معها في الإطلاق، فهي لا تقبل تقييداً كذلك.
(النقطة الثالثة): لا معنى مطلقاً لأن نتصوّر الآية تأمر بإطاعة أولي الأمر في خصوص ما عدا المعاصي، فإن ذلك لا ينسجم أبداً مع ما هو الظاهر منها من كونها تركّز على تعظيم الرسول وأولي الأمر وجعلهما في مستوى واحد من اللزوم. فإن تعظيم العاصي ـ لا سيّما المنغمس بأنواع الفواحش ـ قبيح.
هذا بالإضافة إلى أنّ جوب الطاعة لمن يأمر بالطاعات ليس من خواص الرسول وأولي الأمر، بل تجب طاعة كل آمر بالمعروف وناهٍ عن المنكر، فلماذا لم يذكر هؤلاء هنا وخصّ الأمر بهم دون غيرهم؟
كل هذا يؤكّد أنّ المستفاد من الآية هو عصمة الرسول وأولي الأمر وأنهم لا يأمرون ولا ينهون إلا بالحق.
وبعد هذا فلا مجال لأن يقال بأن (عدم جواز طاعة المخلوق في معصية الخالق) أمر عقلي مسلّم يرتكز في ذهن العقلاء، فهو يشكّل قرينة عقلية متّصلة بالكلام تمنع من إطلاق قوله تعالى: {أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ}[16] وتجعله داّلاً على لزوم إطاعة الرسول وأولي الأمر في غير المعاصي.
كما لا مجال للقول: بأن ذكر أولي الأمر وتخصيصهم إنما هو لمصلحة اجتماعية، هي حفظ وحدة المجتمع وصيانته من اختلاف الكلمة، رغم أنه من المحتمل أن يخطأوا؛ لأن هذه المصلحة تعوّض وتسدّ نقص الأخطاء.
فكل هذا توهّم باطل طبق ما مر.
والواقع أنّ القرآن الكريم وأسلوبه في التعبير لا يساعد على هذه التمحلات، فإن القرآن يلتزم بالتقييد في ما هو أهون من ذلك بكثير وأوضح، كما في قوله تعالى: عند التعرّض لبِرّ الوالدين {وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا}[17].
هذا، وقد اعترف إمام المشككين الفخر الرازي بدلالة الآية على عصمة الرسول وأولي الأمر، فقال في المسألة الثالثة في ذيل الآية:
إعلم أنّ قوله {وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ}[18] يدلّ عندنا على أنّ اجماع الأمة حجة، والدليل على ذلك أنّ الله تعالى أمر بطاعة أولي الأمر على سبيل الجزم في هذه الآية، ومن أمر الله بطاعته على سبيل الجزم والقطع لا بد وأن يكون معصوماً عن الخطأ، إذ لو لم يكن معصوماً عن الخطأ كان بتقدير إقدامه على الخطأ يكون قد أمر الله بمتابعته، فيكون ذلك أمراً بفعل ذلك الخطأ، والخطأ لكونه خطأ نهي عنه. فهذا يقتضي اجتماع الأمر والنهي في الفعل الواحد باعتبار واحد، وأنه محال، فثبت أنّ الله تعالى أمر بطاعة أولي الأمر على سبيل الجزم، وثبت أنّ كل مَنْ أمر الله بطاعته على سبيل الجزم وجب أن يكون معصوماً عن الخطأ، فثبت أنّ أولي الأمر المذكور في الآية لابد وأن يكون معصوماً.
وقال في موضع آخر:
.. فكان حمل الآية على الإجماع أولى؛ لأنه أدخل الرسول وأولي الأمر في لفظ واحد، وهو قوله {أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ} فكان حمل أولي الأمر الذي هو مقرون الرسول على المعصوم أولى من حمله على العاجز والفاسق ـ الخ.
وصححه النيشابوري والشيخ محمد عبده ـ على ما حكاه مقرر بحثه في المنار بقوله: فأهل الحل والعقد من المؤمنين إذا أجمعوا على أمر من مصالح الأمة ـ إلى أن قال ـ فطاعتهم واجبة، ويصحّ أن يقال هم المعصومون في هذا الإجماع. وإن أضاف اليه المقرر ما يوهم خلافه، فراجع.
من هم أولو الأمر؟ الأمر قد يكون بمعنى الشأن، وقد يراد به المعنى المقابل للنهي، وعلى أي فعمناه واضح عرفاً.
وأولو الأمر طائفة من الأمة يتملكون شأناً هامّاً هو (ولاية أمرها) والإشراف على تسيير دفّة الحكم فيها، ولهم أن يأمروا بما يرون فيه مصلحة الأمة وسيرها الطبيعي.
ولا ريب في دلالة الآية الكريمة على وجودهم في الأمة، وإلاّ لكان الأمر بإطاعتهم لغواً. ولكن من هم هؤلاء؟ وهل كان أحدهم موجوداً على عهد رسول الله (ص)؟ وهل كان هذا ـ لو وجد ـ يتقلّد منصباً ويتولّى شأناً من الشؤون, أو كان على الأقل مؤهّلاً لتولّي هذا الشأن؟
هذه أسئلة لا تجيب عليها الآية الشريفة، ولذا كان اللازم الرجوع إلى من أسلمت له مهمة بيان الكتاب وتفصيل مجمله، وذلك كما في أمثال هذا المورد من عدد الصلوات وركعاتها ومناسك الحج وغيرها.
ثم إنّ (أولي الأمر) اسم جمع يدلّ على كثرة المسمّين به، إلا أنه لا مانع من أن يراد به آحاد يتقلّدون الأمر واحداً بعد الآخر.
ولهذا الاستعمال نظائر في القرآن الكريم، كما في قوله تعالى: {فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ}[19] وقوله تعالى: {وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ}[20] وقوله تعالى: {إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءنَا}[21] وأمثال ذلك.
والمقصود به أنّ الاستعمال على نحو القضية الحقيقية ـ كما يعبّر المناطقة ـ أي على نحو إصدار حكم على موضوع معيّن مفروض، فمتى ما تحقق ذلك الموضوع في الخارج تحقق الحكم. وهنا يقال: إنه متى ما تحقق ولي الأمر ووجد خارجاً تجب طاعته. وليس هذا المعنى خلافاً للظاهر من التعبير القرآني.
ومن هنا نعرف فساد ما توهّمه الفخر الرازي من أنّ أولي الأمر جمع فلابد من أرادة جماعة، أي أرادة هيئة مكوّنة من أفراد مجتمعة، أما إرادة فرد واحد منها فهو خلاف الظاهر.
نعم، إذا استعمل لفظ الجمع في المفرد لا غير ـ على نحو القضية الشخصية ـ فهو خلاف الظاهر بلا ريب، وليس الأمر هنا كذلك.
أما تعبير( منكم ) في الآية الكريمة فهو نظير تعبير(منهم) في قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ}[22]. ولعل ذكر هذين التعبيرين لأجل توضيح حقيقة وجوب طاعتهم رغم أنهم (منكم)، وذلك باعتبار وجود مزّية لهم على الآخرين.
فليس بسديد ما قيل من أنّ تعبير(منكم) إنما جاء للتنبيه على أنهم أناس عاديون مثلكم بلا أي مزيّة كالعصمة وشبهها.
هل المراد بهم أهل الحل والعقد؟ بعد أن اعترف الرازي بلزوم عصمة أولي الأمر, واستظهر من لفظ الجمع أنّ المقصود هم جماعة، فسّر أولي الأمر بأنهم أهل الحل والعقد من العلماء، وبنى عليه حجية الاجماع, معبّراً عنه بإجماع الأمة تارة، وإجماع أهل الحل والعقد أخرى.
إلاّ أنّ هذا الرأي تكتنفه تساؤلات كثيرة وثغرات تجعله رأياً هزيلاً باطلاً.
إذ يتساءل قبل كل شيء عن المقصود بهذا التفسير، وهل أنّ المراد هو عصمة كل فرد فرد من أهل الحل والعقد؟ وهو واضح البطلان ولا يدّعيه أحد. أو أنّ المراد هو عصمة هذه الجماعة بما هي جماعة بلا أن يتصف الأفراد بالعصمة؟ فهذا أيضاً باطل لا معنى له، فإن تصوّرهم كجماعة مستقلة عن أفرادها أمر اعتباري ذهني محض، وهذا الأمر الاعتباري الذهني لا يقبل أن يتصف بصفة حقيقية خارجية هي العصمة!! إنّ الهيئة المُشَكَّلَة منهم لا يمكن أن تتصف بالعصمة مع افتراض عدم عصمة هؤلاء الأفراد.
وقد يُدّعى بهذا الصدد: أنّ أهل الحل والعقد إذا اجتمعوا على أمر كان اجتماعهم ملازماً للصواب والحق عادة، وذلك نظير إخبار جماعة كثيرة عن حادثة، حيث يلازم ذلك صحة الخبر إذا بلغ أخبارهم حد التواتر.
إلا أنه غير تام، فإنه:
أولاً: لو فرض وجود هذا التلازم فهو لا يختص بهذه الأمة.
وثانياً: فإنه لا ملازمة بين اجتماع طائفة من الناس على شيء ومطابقة ذلك الشيء للواقع الخارجي، فكم من أمر اجتمع عليه أهل الحل والعقد وبان خطؤه بعد حين.
وقد يُدّعى: أن عصمة هؤلاء بتأييد إلهي وعناية منه تعالى. ولكن هذا الادّعاء باطل أيضاً بالضرورة، فما أكثر الهيئات الاجتماعية الإسلامية التي لم تعصم من الخطأ والزلل في قراراتها المجمع عليها مما جرّ على المسلمين أحياناً مآسي ومفاسد كبرى.
والحقيقة هي أنه لو كانت هذه الكرامة لأهل الحل والعقد من الأمة المسلمة واقعاً، لكان من المنطقي أن نشاهد تأكيد القرآن الكريم عليها واهتمام النبي صلى الله عليه وآله ببيانها، ولدارت حولها أسئلة كثيرة من قِبَل المسلمين محاولة استيضاح حدودها وشرائطها وتفصيلاتها والموقف من ملابساتها المتوقعة.. ونحن نرى أنّ المسلمين تساءلوا عن كثير من الأمور التي هي أقل خطراً منها، بل لا تقاس قيمتها إلى هذه الكرامة المُدّعاة..
إلا أننا نجد أنّ كل ذلك لم يحدث مطلقاً، وبقي هذا النظام الذي ادُّعيت له هذه الكرامة نظاماً غامضاً يفتقد أي صورة محددة له ولو اجمالاً، مما يؤكد لنا بوضوح أنّ هذا الادعاء ما هو إلا مجرد خرافة، وإنّ الإسلام لا يمكنه أن يضع مثل هذا النظام وبهذا الشكل من الغموض والإبهام.
فكل هذه الاحتمالات باطلة لا أساس لها، ويتعيّن بالتالي ما قالت به الإمامية: من أنّ المراد هم أفراد معصومون من هذه الأمة منزّهون في أفعالهم وأقوالهم عن الخطأ والزلل, مما يفرض على الأمة طاعتهم واتّباع منهجهم والانضواء تحت لوائهم.
أما معرفة من هم هؤلاء فهي موكولة إلى الله ورسوله، وقد عيّنتهم آيات مثل آية التطهير وآية الولاية {إنما وليكم الله ورسوله..}[23] كما شخّصتهم أحاديث جمّة مثل حديث الثقلين وحديث الغدير.
ما يرجع به إلى أولي الأمر: ولأجل تعيين الأمور التي يرجع بها إلى أولي الأمر نقول:
إنّ الآية وأن عبّرت بأنه {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ}[24] وكلمة (شيء) تعمّ بظاهرها كل ما تنازعت الأمة واختلفت فيه، سواء كان حكماً من الأحكام التشريعية الكلية، أو كان من القضايا والمنازعات التي تحتاج في حلّها إلى الترافع والتحاكم، إلا أنّ الآية لَمّا ذكرت الردّ إلى الله والرسول بالخصوص بلا ذكر لأولي الأمر فإنها أوضحت أنّ المراد من الشيء المتنازع فيه هو تلك الأحكام الكلية التي يمتلك الرسول فيها حيثية التبليغ، وإلا فالموضوعات كما يمكن ردّها إلى الرسول بما له من الرأي يمكن ردّها أيضاً إلى أولي الأمر بما لهم ذلك.
ومن الممكن أن نقول: إنّ عدم ذكر أولي الأمر مرّة ثانية كان للاختصار والوضوح، فكان ذكر الله والرسول من باب التمثيل لمن يرجع اليه في الاحكام والمواضيع المتنازع فيها لا من باب الحصر.
ولذا لا نحتاج إلى أن نقيّد الاطلاق في كلمة(شيء) بخصوص الاحكام الكلية.
ويؤيّد ذلك قوله تعالى: {وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ}[25] فإنه لم يذكر لفظ الجلالة مع الرسول وأولي الأمر هنا، وليس ذلك للاختصار والوضوح والتمثيل للمرجع بذكر الرسول وأولي الأمر, إلا أنْ يقال: إنّ هذه الأمور العادية ليست مما يرجع فيها إلى الله لمعرفتها، وهذه هي النكتة في عدم ذكر لفظ الجلالة في هذه الآية.
الروايات تعيّن أولي الأمر: وقد جاءت الروايات الكثيرة التي تؤيد ما قالت به الإمامية من تفسير للآية، وذلك عن طريق الفريقين: السنة والشيعة.
(فمن طريق السنة) ما عن تفسير المجاهد, أنّ هذه الآية نزلت في أمير المؤمنين عليه السلام حين خلّفه رسول الله صلى الله عليه وآله بالمدينة فقال: يا رسول الله، أتخلّفني على النساء والصبيان؟ فقال: يا أمير المؤمنين، أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى حين قال {اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ}[26] فقال الله {وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ}[27] قال: علي بن أبي طالب، ولاّه الله أمر الأمة بعد محمد صلى الله عليه وآله, وحين خلّفه رسول الله صلى الله عليه وآله فأمر الله العباد بطاعته وترك خلافه[28]
(ومنها) ما عن الحمويني ـ وهو من أعيان علماء العامة ـ في حديث: قال (يعني أمير المؤمنين عليه السلام): أنشدكم الله، أتعلمون حيث نزلت {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم}[29] وحيث نزلت {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ}[30] وحيث نزلت {لَمْ يَتَّخِذُواْ مِن دُونِ اللّهِ وَلاَ رَسُولِهِ وَلاَ الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً}[31] قال الناس: يا رسول الله أخاصة في بعض المؤمنين أم عامة لجميعهم؟ فأمر الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وآله أن يعلمهم ولاة أمرهم وأن يفسر لهم من الولاية ما فسر لهم من صلاتهم وزكاتهم وحجّهم، ونصّبني للناس بغدير خم ـ إلى أن قال ـ ثم خطب فقال: أيها الناس، أتعلمون أنّ الله عز وجل مولاي وأنا مولى المؤمنين وأنا أولي بهم من أنفسهم؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: قم يا علي، فقمت ، فقال: من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه. فقام سلمان فقال: يا رسول الله، ولاء ماذا؟ فقال: ولاء كولائي، من كنت أولى به من نفسه فعلي أولى به من نفسه. فأنزل الله تعالى ذكره {لَمْ يَتَّخِذُواْ مِن دُونِ اللّهِ وَلاَ رَسُولِهِ وَلاَ الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً}[32] فكبّر رسول الله صلى الله عليه وآله وقال: الله أكبر، تمام نبوتي وتمام دين الله ولاية علي بعدي.
فقام أبو بكر وعمر فقالا: يا رسول الله، هذه الآيات خاصة في علي؟
قال: بلى، فيه وفي أوصيائي إلى يوم القيامة: قالا: يا رسول الله، بيّنهم لنا.
قال: علي أخي ووزيري ووارثي ووصيي وخليفتي في أمتي وولي كل مؤمن من بعدي، ثم ابني الحسن، ثم ابني الحسين، ثم تسعة من ولد ابني الحسين واحداً بعد واحد، القرآن معهم وهم مع القرآن، لا يفارقونه ولا يفارقهم حتى يردوا عليّ الحوض. فقالوا: اللهم نعم، قد سمعنا ذلك وشهدنا كما قلت[33].
وعن الشيعة روايات متواترة: (منها) صحيحة أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قوله الله عز وجل {أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ} فقال: نزلت في علي بن أبي طالب والحسن والحسين. فقلت له: إنّ الناس يقولون: فما له لم يسمّ علياً وأهل بيته في كتاب الله عز وجل.
قال: فقولوا لهم: إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله نزلت عليه الصلاة لم يسمّ الله لهم ثلاثاً ولا أربعاً، حتى كان رسول الله صلى الله عليه وآله هو الذي فسّر لهم ذلك، ونزلت عليه الزكاة ولم يسمّ لهم من كل أربعين درهماً حتى كان رسول الله صلى الله عليه وآله هو الذي فسّر لهم ذلك، ونزل الحج فلم يقل لهم: طوفوا اسبوعاً، حتى كان رسول الله صلى الله عليه وآله هو الذي فسّر ذلك لهم، ونزلت {أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ} ونزلت في علي والحسن والحسين، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: من كنت مولاه فعلي مولاه. وقال: أوصيكم بكتاب الله وأهل بيتي، فإني سألت الله عز وجل أن لا يفرق بينهما حتى يوردهما عليّ الحوض، فأعطاني ذلك. وقال: لا تعلموهم، فإنهم أعلم منكم. وقال: إنهم لن يخرجوكم من باب هدى، ولن يدخلوكم في باب ضلالة. فلو سكت رسول الله صلى الله عليه وآله فلم يبيّن مَنْ أهل بيته لادّعاها آل فلان وآل فلان ـ الحديث[34].
(ومنها) عن جابر بن يزيد الجعفي قال: سمعت جابر بن عبد الله الانصاري أنه سأل رسول الله عليه وآله: فمن أولو الأمر الذين قرنا الله طاعتهم بطاعتك؟ فقال: هم خلفائي يا جابر، وأئمة المسلمين من بعدي، أولهم علي بن ابي طالب، ثم الحسن، ثم الحسين ثم علي بن الحسين، ثم محمد بن علي المعروف في التوراة بالباقر، ستدركه يا جابر فإذا لقيته فاقرأه منّي السلام، ثم الصادق جعفر بن محمد، ثم موسى بن جعفر، ثم علي بن موسى، ثم محمد بن علي، ثم علي بن محمد، ثم الحسن بن علي، ثم سميي وكنيي حجة الله في أرضه وبقيته في عباده ابن الحسن بن علي. ذاك الذي يفتح الله ـ تعالى ذكره ـ على يديه مشارق الأرض ومغاربها، ذاك الذي يغيب عن شيعته وأوليائه غيبة لا يثبت فيها على القول بإمامته إلا مَنْ امتحن الله قلبه للإيمان.
قال جابر: فقلت له: يا رسول الله، فهل يقع لشيعته الانتفاع به في غيبته؟ فقال: أي والذي بعثني بالنبوة، إنهم يستضيئون بنوره وينتفعون بولائه في غيبته كانتفاع الناس بالشمس وإن تجلاّها سحاب. يا جابر، هذا مكنون سرّ الله ومخزون علمه، فاكتمه إلا عن أهله.[35]
__________________________
[1] سورة النساء، الآية: 59.
[2] سورة النحل، الآية: 44.
[3] سورة النساء، الآية: 105.
[4] سورة النساء، الآية: 59.
[5] سورة آل عمران، الآية: 132.
[6] سورة آل عمران، الآية: 32.
[7] سورة الأنفال، الآية: 1.
[8] سورة المجادلة، الآية: 13.
[9] سورة النور، الآية: 54.
[10] سورة محمد، الآية: 32.
[11] سورة النور، الآية: 56.
[12] سورة النساء، الآية: 80.
[13] سورة الأعراف، الآية: 28.
[14] سورة النساء، الآية: 80.
[15] سورة النساء، الآية: 80.
[16] سورة النساء، الآية: 59.
[17] سورة العنكبوت،الآية: 8.
[18] سورة النساء، الآية: 59.
[19] سورة القلم، الآية: 8.
[20] سورة الشعراء، الآية: 151.
[21] سورة الأحزاب، الآية: 67.
[22] سورة الجمعة، الآية: 2.
[23] سورة المائدة، الآية: 55.
[24] سورة النساء، الآية: 59.
[25] سورة النساء، الآية: 83.
[26] سورة الأعراف، الآية: 142.
[27] سورة النساء، الآية: 59.
[28] غاية المرام : ص 263، ب 58، ح1.
[29] سورة النساء، الآية: 59.
[30] سورة المائدة، الآية: 55.
[31] سورة التوبة، الآية: 16.
[32] سورة التوبة، الآية: 16.
[33] غاية المرام: ص 264، ب 58، ح4.
[34] غاية المرام: ص 265، ح3.
[35] غاية المرام: ص 267، ح10.
|