متون الكتب :  
الفهارس :  
أسماء الكتب والمؤلفين :  
فلسفة الابتلاء وحكمته
الكتاب : فلسفة الحج في الإسلام    |    القسم : مكتبة الفقه

فلسفة الابتلاء السماوي وحكمته

بعد أن ذكرت أنواع الابتلاء التي تعرض لها النبي ابراهيم عليه السلام وبينت السبب الأساسي الذي ساعده على تحملها بصبر واحتساب ونيل درجة النجاح الراقية بهذا الصبر والتحمل .
أجل : بعد بيان ذلك ترجح عندي نقل حديث مطول ومفصل نشر في الجزء الأول ـ من وحي الإسلام ، تحت عنوان فلسفة الابتلاء صفحة 105 .
وذلك لانسجامه مع الحديث الذي انطلقتُ به في رحاب شخصية النبي إبراهيم عليه السلام وشرحت فيه مواقف هذا البطل التوحيدي من تلك الابتلاءات فيكون متمماً للحديث المذكور وممهداً لاستفادة الدروس التربوية الكثيرة منه بالنسبة إلى الشخص الذي لم يصل إليه الجزء الأول المذكور وهو كما يلي :


( 195 )

بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين

 والصلاة والسلام على أشرف الخلق وسيد المرسلين نبينا محمد بن عبدالله‏ وعلى آله الطاهرين وصحبه المنتجبين .
قال الله سبحانه وتعالى في محكم كتابه المجيد :
( وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيءٍ مِّنَ الخَوْفِ وَالجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمْوَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرينَ * الَّذِينَ إذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُوْلَئكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَات مِّن رَّبِّهمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئكَ هُمُ المُهتَدُونَ )(1) . صدق الله العلي العظيم
إذا كان المراد من البلاء الوارد في قوله تعالى : ( وَلَنَبْلُوَنَّكْم ) هو الابتلاء والامتحان يتوجه حينئذ سؤالان .
الأول : ما معنى أن يمتحن الله عباده وهو العالم بأوضاعهم وأحوالهم قبل وجودهم في هذه الحياة وبعده إلى أن يرث الأرض ومن وما عليها وبذلك يرتفع موضوع الاختبار الذي يصدر من أجل معرفة حال الممتحن كالأستاذ يَمتحنُ طلابه ليعرف الناجح وغيره والأب ولدَه ليعرفَ بره وعدمه والصديقُ صديقَه ليعرف إخلاصه والزوجةُ زوجَها وبالعكس
____________
(1) سورة البقرة ، الآيات : 155 و156 و157 .
( 196 )

ليعرف كل واحد منهما وفاء الآخر وإخلاصه له وهكذا .
السؤال الثاني : ما معنى أن يبتلي الله عباده بهذه المحن والمصائب وهو أرحم الراحمين الذي سبقت رحمتهُ غضبَه ووسعت كل شيء ؟
وحاصل الجواب على السؤال الأول أن الامتحان مرةً يكون للتعرف على حال الممتحَن والإطلاع على وضعه وأخرى يكون من أجل أن يعرف الإنسانُ نفسه ويطلعَ الآخرون على واقع حاله من حيث قوة الإيمان وضعفه والممتنع في حقه سبحانه هو الأول دون الثاني كما هو واضح .
وفلسفة هذا الامتحان بمعناه الثاني هي أن الكثير من الناس يكون في حال الرخاء والسلام على حالة جيدة من الالتزام الديني والبروز بالمظهر الحسن الذي يُوحي للآخرين بأن أحدهم قد بلغ المرتبة العالية في الالتزام الشرعي وربما طرأ عليه الإعجاب والغرور بحاله وحصل له الاطمئنان بأنه قد بلغ هذه الدرجة .
وحيث أن الله هو الحق فلا يرضى من الإنسان إلا بالإيمان الحق القائم على أساسٍ ثابتٍ وراسخ ولا يُعرف واقع ذلك إلا بعد مرور الشخص بتجربة صعبة ومحنة شديدة اشار الله سبحانه إلى بعض أنواعها بالآية المذكورة .
وفي حال إصابته بشيء من ذلك إذا بقي على وضعه الأول من الالتزام بخط السماء بالإيمان الصادق والاستقامة في خط التقوى ـ يُعرف أنه قوي العقيدة وثابت الموقف لا تزيده المصيبةُ إلا ثباتاً على منهج الحق بعقيدته واستقامته وتسليمه لقدر الله سبحانه ورضاه به منتظراً أحد أمرين إما الفرج والسلامة ليقابل ذلك بشكر الله سبحانه على تفضله باستجابة دعائه وكشف بلائه أو استمرار المصيبة وبقاءها إلى أجل غير مسمى ليقابل


( 197 )

ذلك بالاستمرار على الصبر والتسليم وينال ثواب الصابرين وجائزتهم التي أشار الله سبحانه إليها بقوله في آخر الآية المذكورة :
( أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنّ رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمُ المُهْتَدُون )(1) .
وإذا حصل منه تبدل وتغير في الوضع بتحوله من موقف الالتزام والاستقامة في العقيدة والسلوك إلى موقف الانحراف عنه فإنّه بذلك يظهر واقعه أمام نفسه والآخرين وأن التزامه الذي كان عليه لم يكن قائماً على أساس ثابت بدليل اهتزاز موقفه وتغير تصرفه من الاستقامة إلى الانحراف ليكون مصداقاً لقوله تعالى :
( وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ أطْمَأَنَّ بِهِ وَإنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالأَخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الخُسْرَانُ المُبِينُ )(2) .
وكما يكون الامتحان بالمصيبة كذلك يكون بالنعمة والتكليف الحقيقي الواقعي الذي صدر من المولى بقصد العمل والامتثال أو الظاهري الذي لم يصدر لذلك بل لمجرد الاختبار والامتحان فقط ونجاح المؤمن في امتحان النعمة يكون أولاً باعترافه بكونها من الله سبحانه وتوفيقه وليست لمجرد توفير الأسباب المادية العادية المتعارفة فيكون ذلك منطلقاً من إيمانه بمؤدى قوله تعالى : ( وَمَا بِكُم مِنّ نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ )(3) .
وثانياً بصرف هذه النعمة في سبيل إطاعته تعالى انطلاقاً من إيمانه بأنّه سبحانه إنما وفقه لنيل هذه النعمة ومَنَّ بها عليه من أجل أن يستعين بها
____________
(1) سورة البقرة ، الآية : 157.
(2) سورة الحج ، الآية : 11 .
(3) سورة النحل ، الآية : 53 .

( 198 )

على إطاعته وعبادته التي خلقه من أجلها وبنجاحه في هذا الامتحان ينال من الله جوائز معجلةً في هذه الحياة ومؤجلة إلى اليوم الموعود .
أما الأولى فتتمثل بزيادة النعمة ودوامها وطول العمر ودفع البلاء وقد أبرم إبراماً كما تقدم في حديث سابق .
والمصداق الواضح للمؤمن الناجح بهذا الامتحان هو النبي سليمان على نبينا وعليه أفضل التحية والسلام كما تقدم مفصلاً .
حيث اعترف بأن ملكه الواسع كان من فضل الله سبحانه وقد منَّ به عليه ليبلوه ويمتحنه أيشكر الله عليه بصرفه في سبيل إطاعته أم يكفر بصرفه في غير هذا السبيل ؟
وحيث صرفه في السبيل الأول وحقق بذلك واجبَ الشكر كان ناجحاً في امتحان النعمة ونال الجوائز العظمى والفوائد الكبرى في الدنيا والآخرة وذلك هو الفوز العظيم .
ويأتي قارونُ في المقابل ليكون المثال الواضح للإنسان الراسب في امتحان النعمة حيث أنكر كونها من الله سبحانه وأدعى أنها إنما حصلت له لعلمه وقدرته الذاتية البشرية وذلك هو الكفر القلبي وترتب عليه الكفر الظاهري العملي بامتناعه عن دفع الحق الشرعي الذي أمره الله به بواسطة النبي موسى عليه السلام ونال بذلك جزاءه العادل وخسارته الكبرى عندما خسف الله به وبداره الأرض وخسر بذلك الدنيا والآخرة وهذا هو الخسران المبين .
وأما النجاح في امتحان التكليف الواقعي فهو يكون بالالتزام به إيماناً وعملاً مهما كانت الصعوبات ما لم تصل إلى درجة الضرر أو الحرج لأن الشارع يرفع عنه الإلزام في أحد هذين الفرضين إلا مع فريضة الجهاد


( 199 )

المقدس الذي يتوقف عليه حفظ الدين من الزوال وتحرير الوطن من الاحتلال وإنقاذ الشعب من الإذلال والاستغلال حيث يبقى على وجوبه والإلزام به مهما كانت التضحية جسيمة لأن الهدف أسمى والغاية أعلى وأغلى .
الناجح في هذا الامتحان ينال جائزته المعجلة بتحصيله مصلحة الواجبات بفعلها وسلامته من مفسدة المحرمات بتركها .
وإذا أراد أن يُضيف مصلحةَ المستحبات الضعيفة بفعلها مع الواجبات مع إضافته ترك المكروهات إلى ترك المحرمات ليسلم من مفسدتها الخفيفة فذلك نور على نور .
وبذلك يُعرف مصدرُ الرسوب والفشل في هذا الامتحان لأنه ( بضدها تتميز الأشياء ) وتكون نتيجة رسوبه هي حرمانه من المصلحة ووقوعه في المفسدة وهذه عقوبة معجلة .
وأما عقوبته المؤجلة فهي واضحة معلومة .
وقد نال الحسين عليه السلام الدرجة العالية من النجاح في امتحان النعمة بما من الله عليه من نعمة منصب الإمامة والجاه العريض والمال الكثير والذرية الصالحة المعصومة وغير ذلك من النعم والآلاء الجسيمة وذلك لأنه سخر ذلك كله وصرفه في سبيل مرضاة الله سبحانه وصون شريعته الغراء من الزوال والفناء كما نجح في امتحان التكليف الصعب الذي توجه نحوه من أجل حفظ الدين وصونه من التحريف والتزييف .
وقد نهض بمسؤولية هذا التكليف وضحى في سبيل امتثاله بنفسه النفيسة وأولاده الأحباء وإخوته الأعزاء وأصحابه الأوفياء كما عرض عياله ومن بقي من أطفاله لأقسى ألوان المشقة والعناء أيام سبيهم والانتقال بهم


( 200 )

من بلد إلى بلد ونال الإمام زين العابدين عليه السلام النصيب الأوفر من الألم النفسي والعذاب الجسمي في هذا السبيل .
أجل : لقد نال الحسين الدرجة السامية بل الأسمى والأعلى من النجاح في أمتحان التكليف الشاق والصعب حيث امتثله بصبر وتجلد وهو يقول بلسان المقال أو الحال :
إن كان دين محمد لم يستقم * إلا بقتلي يا سيوف خذيني

ويقول أيضاً بهذا اللسان الصادق والإيمان الواثق :
رضاكَ رضاكَ لا جناتُ عَدْنٍ * وهل عدنٌ تطيب بلا رضاكا
ولو قطعـتني في الحب إرْباً * لما مال الفؤاد إلى سواكــا

وكذلك نال هذا الدرجة الأرقى من النجاح في امتحان البلاء حيث واجه تلك المحن والخطوب التي نزلت عليه وأحاطت به من كل جانب ومكان بقوة صبر ورحابة صدر مناجياً ربه بقوله :
هوَّن ما نزل بي أنه بعينك يارب .
وتبعه كل من كان معه بنيل الدرجة العالية من النجاح في هذا الامتحان العسير حيث قدموا المثل الأعلى في التضحية والفداء والإخلاص والوفاء لقائدهم ورسالتهم مستبشرين بما سينالونه من النعيم الخالد والسعادة الأبدية في ظل جوار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته المعصومين والتابعين لهم بإحسان وحسن أولئك رفيقا .
وعلى العكس من هؤلاء أولئك الأعداء الذين سقطوا في أصعب امتحان ونالوا الذل والهوان وفي الآخرة أعظم الخسران .


 شبكة البتول عليها السلام  @ 11-2006  -  www.albatoul.net

إنتاج : الأنوار الخمسة للإستضافة والتصميم @ Anwar5.Net