متون الكتب :  
الفهارس :  
أسماء الكتب والمؤلفين :  
امتحان النبي إبراهيم بنفسه وماله
الكتاب : فلسفة الحج في الإسلام    |    القسم : مكتبة الفقه

امتحان النبي إبراهيم بنفسه وماله


مرة أخرى نعود للحديث عن شخصية النبي إبراهيم عليه السلام لنستلهم منها المزيد من الدروس التربوية التي ترسخ إيماننا وتساعدنا على مواجهة
____________
(1) سورة الأحزاب ، الآية : 21 .


( 186 )

التحديات والامتحانات الصعبة التي يتعرض لها المؤمن وهو ينطلق في مسيرته الإيمانية ويقوم بواجب وظيفة العبودية كما أمر الله تعالى بصبر وتسليم مستسهلاً الصعب ومستعذباً المر في سبيل تأدية واجبه المقدس .
وقد شاءت الإرادة الإلهية لأبي الأنبياء بطل التوحيد النبي إبراهيم عليه السلام ( موضوع الحديث ) أن يتعرض لشتى أنواع الامتحان والابتلاء ويخرج منها كلها بنجاح وتفوق وقد مر الحديث حول ابتلائه أولاً بأمره بالهجرة مع زوجته هاجر وطفله الصغير إسماعيل إلى بلد غير ذي زرع ليتركهما هناك ويرجع من حيث انطلق وقلبه معهما وعين عاطفته مشدودة إليهما .
وقد نجح بهذا الامتحان الصعب عندما سلم أمره لأمر الله تعالى وصبر على قضائه ليقضي أمراً كان مفعولاً ويحقق بهذه الهجرة المباركة هدفاً كبيراً وغاية سامية وهي تشييد بيت الله الحرام وبناء الكعبة مادياً ومعنوياً بتوجه كل المسلمين من أقطار العالم إليها بصلواتهم وغيرها من الشعائر الدينية التي يُعتبر في صحتها التوجه إلى الكعبة المشرفة وقد مرت الإشارة إلى ذلك كما مر الحديث حول ابتلائه ثانياً وامتحانه بالابتلاء الآخر الأشد والأصعب وهو أمره بذبح طفله الصغير الوحيد اسماعيل ـ وتقديمه قرباناً وقربة لله تعالى وقد عرفنا كيف قابل هذا البطل العظيم وولده الكريم الصغير سِناً والكبير شأناً وإيماناً ـ ذلك الامتحان الصعب بتسليم وخضوع لإرادة الله تعالى ونالا بذلك الفوز العظيم والنجاح الكبير وكافأهما الله عليه بما نالاه في هذه الحياة من التقدير والإكبار والمدح والإطراء الذي سجله الله بأحرف من نور على صفحات كتاب الخلود ورسالة العصور وهو كتابه الخالد ـ مضافاً إلى ما أعده لهما من الثواب الجزيل والمرتبة السامية في دار البقاء ومقر الجزاء وهي مرتبة المؤمنين الصابرين الراضين بالقدر


( 187 )

والقضاء المقصودين بقوله تعالى :
( وَبَشّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإنَّآ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُوْلَئِكَ عَلَيْهِم صَلَواتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمُ المُهْتَدُون )(1) .
وقوله تعالى : ( إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُون أَجْرَهُم بِغَيرِ حِسَابٍ )(2) .
وقد شاءت الإرادة الإلهية أن يُمتحن أبو الأنبياء بأقصى وأصعب أنواع الابتلاء وهو الامتحان بالنفس وبعده الامتحان بالمال وقد تقدم الحديث عن امتحانه بالولد ونجاحه العظيم الذي أحرزه بهذا الامتحان العظيم .
وكان امتحانه في نفسه يوم تعرض للإحراق الفظيع بتلك النار الكبيرة على يد طاغية عصره النمرود وزبانيته وكان إقدامهم على إحراقه بسبب تحطيمه أصنامهم وتسفيه أحلامهم الأمر الذي أشعل نار الحقد في قلوبهم وأرادوا أن يحولوه إلى نار مادية يحرقون بها خصمهم الثائر عليهم فأضرموا تلك النار الكبرىُ التي جُمع لها الكثير من الحطب خلال فترة طويلة على يد السائرين في طريق ذلك الطاغي المتعاونين معه على الإثم والعدوان .
وأرادوا أن ينفسوا عن حقدهم الدفين وبغضهم اللئيم فوضعوه في المنجنيق وقذفوه به إلى وسط تلك النار الجبارة .
وتتجلى حقيقة التوحيد الخالص عند هذا البطل التوحيدي العظيم ـ برفضه قبول كل أنواع المساعدة على إنقاذه ممّا تعرض له من الإحراق والاحتراق وكان الذين عرضوا عليه المساعدة ملك الهواء وملك المطر
____________
(1) سورة البقرة ، الآيات : 155 و156 و157 .
(2) سورة الزمر ، الآية : 10 .

( 188 )

وجبرائيل ذي القوة المتين فاعتذر من قبول المساعدة منهم راغباً في ترك الأمر إلى إرادة الله سبحانه ليتم الامتحان وليقضي سبحانه أمراً كان مقدراً ومفعولاً .
وعندما اعتذر من قبول المساعدة على إنقاذه من قبل جبرائيل قال له جبرائيل هذا : إذن ادع الله سبحانه ليفرج عنك ويخلصك من هذا البلاء الكبير الخطير فرد عليه ( أي على جبرائيل ) قائلاً :
علمه بحالي يغنيه عن سؤالي .
وبعد أن نال النجاح العظيم في هذا الامتحان العسير ـ قدم الله له سبحانه الجائزة التكريمية الكبرى المعجلة في هذه الدنيا ـ بأن جعل عليه تلك النار برداً وسلاماً ـ وأخرج له الماء من قلب تلك الناس وخلق له السمك في ذلك الماء ـ ليحصل بذلك ما هو مضطر إليه من الطعام والشراب خلال فترة وجوده في سجن تلك النار .
وقد تحقق له ما أراده الله سبحانه حيث أخذ يشوي السمك بتلك النار ويأكله ويشرب من ذلك الماء ـ وهكذا تصنع القدرة الإلهية فتحول ما جُعل سبباً لهلاك المؤمن ـ إلى سبب لحياته وذلك عندما يجاهد في سبيل الله ويتوكل عليه ويتقيه حق تقاته فإنه بذلك يستحق أن يفي الله له بما وعده به من النصر والفرج والكفاية والإغناء عن غيره من لئام خلقه .
قال سبحانه : ( إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُم )(1) .
وقال تعالى : ( وَمَن يَتَوكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ )(2) .
____________
(1) سورة محمد ، الآية : 7 .
(2) سورة الطلاق ، الآية : 3 .

( 189 )

وقال عزوجل :
( وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْه مِنْ حَيْثُ لاَ يَحتَسِبُ )(1) .
والدرس الذي يمكن أن نستفيده من هذه الحادثة الكبيرة الخطيرة ومن ذلك الامتحان الأشد والأصعب ـ هو درس في توطين النفس وحملها على الجلد والصبر على أصعب وأشق أنواع الابتلاء ليكون ذلك سبباً لتحصيل الأجر العظيم والثواب الجسيم ونيله الدرجة الرفيعة عند الله سبحانه وأوليائه الصالحين مضافاً إلى السلامة من العذاب الأكبر والعقوبة الأشد بالإحراق والاحتراق بنار الآخرة التي أعدها الله تعالى للكافرين والمنافقين والفاسقين المنحرفين عن خط الاستقامة مع إصرارهم على الانحراف وعدم العودة الى الاستقامة من باب التوبة قال سبحانه :
( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ وَالمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَوْلَئكَ هُمْ شَرُّ البَرِيَّةِ )(2) .
وعلى العكس من هؤلاء مصير أولئك المؤمنين المتقين قال سبحانه :
( إِنَّ الَّذِينَ ءامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئكَ هُمْ خَيْرُ البَريَّةِ * جَزَاؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْري مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدين فِيهَا أَبَداً رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ )(3) .
وأما امتحان النبي ابراهيم بماله ونجاحه في هذا الامتحان على غرار نجاحه في الامتحانات الاُخرى السابقة .
فيظهر من خلال الاطلاع على القصة التالية :
____________
(1) سورة الطلاق : الآيتان : 2 ، 3 .
(2) سورة البينة ، الآية : 6 .
(3) سورة البينة ، الآيتان : 7 و8 .

( 190 )

وحاصلها أنه كان ذات يوم في المرعى ليرعى قطيعاً كثيراً من الغنم له فسمع ذاكراً لله يقول : سبوح قدوس سبوح قدوس .
فهز هذا الذكرُ الجميلُ كيانه واهتز به طرباً لمحبوبيته له في ذاته ولعدم وجود من يذكر الله سبحانه من أبناء قومه بسبب ضلالهم وعكوفهم على عبادة الأصنام ولذلك أراد أن يكافأ ذلك الشخص الذاكر لله تعالى ويشجعه على قيامه بهذه العبادة المقدسة فقال له :
أعد عليّ هذا الذكر ولك نصف هذا القطيع فلبى ذلك الشخص طلبه وأعاد الذكر ثانياً فزاد سروره وابتهاجه وطلب منه أن يعيده ثالثاً ليقدم له القطيع كله فلبى طلبه وقدم له الخليل والكريمُ الجليلُ القطيعَ كلَّه .
وبعد نجاحه بهذا الامتحان ونيله الثواب العظيم والأجر الجسيم والذكر الخالد الجميل ـ كشف الله له الستار عن الواقع وبين له أن الذاكر لله تعالى هو جبرائيل وقد كلفه الله تعالى لأن يقوم بهذا الدور كما كلف إبراهيم بذبح ولده إسماعيل وكلف إسماعيل بتقديم نفسه ـ قرباناً وقربة لله تعالى ـ على وجه الامتحان وبيان مقام هذين النبيين العظيمين عند الله وقوة إيمانهما به وتسليمهما لأمره بحيث أصبحا لذلك مستعدين لأن يقوما بما أمرهما الله به مهما كان صعبا وشاقا وبالقصة الأخيرة نعرف مدى نجاح خليل الله في كل الامتحانات التي عرضت عليه وتعرض لها ـ حيث نجح بالإقدام على الاحتراق بنار غضب النمرود وأتباعه في سبيل توحيده الصادق عقيدة وعملاً .
كما نجح بالإقدام على تقديم ولده الوحيد الصغير وبذل ماله الكثير في هذا السبيل .
وشاركه ولده إسماعيل في نيل أعلى درجات النجاح في الامتحان


( 191 )

الصعب ـ بالإقدام على تقديم نفسه فداء وقرباناً لله تعالى كما أقدم والده الخليل الجليل على تقديم نفسه للاحتراق وتحمل ألمه الشديد في سبيل الله تعالى .
وأما والدته هاجر فقد نجحت أولاً في امتحان الهجرة ومضاعفاتها الصعبة كما تقدم ونجحت ثانياً مع والده في إقدامهما معاً على تقديمه قرباناً وقربة لله سبحانه .
وهكذا شاء الله تعالى لأفراد هذه الأسرة المسلمة أن تتعرض لأقسى الإمتحانات وتنجح فيها كلها وأراد سبحانه أن تسجل ذكراهم في سجل الخلود كتابه الخالد وعلى صفحات التاريخ الصادق ليكون الوالد قدوة حسنةً لكل الأباء عبر التاريخ في الاستعداد لتقديم النفس النفيسة والولد العزيز في سبيل مرضاة الله سبحانه ونصر مبدئه ـ وليكون الولد قدوة مثلى لكل الأبناء في الانقياد لإرادة السماء وإطاعة الآباء في سبيل تحقيقها .
ولتكون الوالدة قدوة مثلى وأسوة فضلى للنساء في الإنقياد لإرادة الزوج عندما يطلب من زوجته تحقيق إرادة الله وامتثال أمره وشاءت الإرادة الإلهية أن تتكرر هذه النوعية في التاريخ لتبقى القدوة مشرقة والحجة على المتخلفين قائمة حتى بلغت الذروة في شخصية الحسين عليه السلام الذي اختصر تاريخ الأنبياء ومن سار على خطهم من الأوصياء والأولياء الصالحين وذلك بتقديمه فعلاً وممارسة كل أنواع التضحية والفداء في سبيل نصر كلمة السماء لتبقى هي العليا وكلمة أرض الهوى والشيطان هي السفلى .
وبذلك يظهر السر في وراثته عليه السلام لتلك الكوكبة من الأنبياء الذين سطعوا في سماء القيم نجوماً لامعة وكواكب متألقة .


( 192 )

وتفهم هذه الوراثة بوضوح من زيارة وارث التي يخاطب فيها الإمام الصادق جده الحسين عليهما السلام قائلاً :
( السلام عليك يا وارث آدم صفوة الله السلام عليك يا وارث نوح نبي الله السلام عليه يا وارث إبراهيم خليل الله السلام عليك يا وارث موسى كليم الله السلام عليك يا وارث عيسى روح الله السلام عليك يا وارث محمد حبيب الله .
السلام عليك يا وارث علي أمير المؤمنين ولي الله ) .
وكما تكررت القدرة المثالية والأسوة الحسنة عبر التاريخ لتكون منارة هادية تسير على ضوئها الأجيال الصاعدة في سبيل إدراك الأهداف السامية والغايات الرفيعة المنسجمة مع روح الغاية الكبرى والهدف الأعلى وهو عبادة الله تعالى وحده لا شريك له والانطلاق في رحاب شريعته السمحاء نحو هدف الفضيلة والعلاء والسعادة والهناء أجل : كما تكررت هذه القدوة الجليلة النبيلة في التاريخ .
تكررت في مقابلها النماذج المنحرفة عن خط السماء لتكون امتداداً لمن سبقها إلى الإنحراف والإنجراف بتيار الهوى والبعد عن منهج الفضيلة والهدى .
وقد بلغ هذا الإنحراف ذروته في شخص يزيد الذي كان وارثاً لكل الطواغيت في التاريخ ومجدداً لكل ما سبقوا إليه وقاموا به من الظلم والاستبداد والانحراف عن خط الفضيلة والرشاد الأمر الذي أوجب على سيد الشهداء أن يثور عليه ليقف في وجه تيار انحرافه ويضع حداً لكفره وفجوره ويصون بذلك كل رسالات السماء بصيانة رسالة جده التامة الخاتمة التي حملت في طيها كل المبادىء الأساسية المقومة لطبيعة الدين


( 193 )

بصورة عامة وهي القاسم المشترك بين كل الديانات السماوية المعبر عنها بالإسلام في قوله تعالى :
( إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإسْلامُ )(1) .
وقوله سبحانه :
( وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الأَخِرَةِ مِنَ الخَاسِرِينَ )(2) .
وهكذا بقيت نماذج الصلاح والإصلاح ونماذج الفساد والإفساد تتكرر وتتجدد حتى وصلت إلى كل زمان وبلغت كل مكان تصارعت فيه وفوقه مبادىء الحق والفضيلة ومبادىء الباطل والرذيلة وهذا ما عناه الإمام الصادق عليه السلام بقوله : كل يوم عاشوراء وكل أرض كربلاء .
وعلى ضوء هذا المفهوم الثوري العام يصح أن نقول مخاطبين سيد الشهداء ورمز التضحية والفداء وعنوان العزة والإباء :

ذكراك فـينا ثـورةٌ تتجـــددُ * يمضي الزمانُ ونورها متوقـد
فإذا طغى فـينا يزيدٌ ظـالــم * يلقاه منتــفضاً حُسينٌ مُرشد
ليظل شرعُ الحق نــهج تقـدم * نرقي به نحو العلاء ونصعـد
ونـعيش في ظل الإبـاء أعزةً * أبداً لغير إلهنـا لا نســـجدُ
من أجل ذا جاءت قوانين السما * وأتى ليكملَهــا النبي محـمدُ
____________
(1) سورة آل عمران ، الآية : 19.
(2) سورة آل عمران ، الآية : 85.

( 194 )

 شبكة البتول عليها السلام  @ 11-2006  -  www.albatoul.net

إنتاج : الأنوار الخمسة للإستضافة والتصميم @ Anwar5.Net