متون الكتب :  
الفهارس :  
أسماء الكتب والمؤلفين :  
باب الاعتقاد في الحديثين المختلفين
الكتاب : الإعتقادات    |    القسم : مكتبة عقائد الشيعة

(45)
باب الاعتقاد في الحديثين المختلفين


قال الشيخ أبو جعفر - رضي الله عنه -: اعتقادنا في الأخبار الصحيحة عن الأئمة - عليهم السلام - أنها موافقة لكتاب الله تبارك وتعالى، متفقة المعاني غير مختلفة، لأنها مأخوذة من طريق(1) الوحي عن الله تعالى، ولو كانت من عند غير الله تعالى لكانت مختلفة. ولا يكون اختلاف ظواهر الأخبار إلا لعلل مختلفة.

مثل ما جاء في كافرة الظهار عتق رقبة.

وجاء في خبر آخر صيام شهرين متتابعين.

وجاء في خبر آخر إطعام ستين مسكينا.

وكلها صحيحة، فالصيام لمن لم يجد العتق، والاطعام لمن لم يستطع الصيام.

وقد روي(2) أنه يتصدق بما يطيق، وذلك محمول على من لم يقدر على الاطعام.

ومنها ما يقوم كل واحد منها مقام الآخر، مثل ما جاء في كفارة اليمين

____________

(1) في ق زيادة غير.

(2) في هامش ر: قيل.


الصفحة 118
(إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام)(1) فإذا ورد في كفارة اليمين ثلاثة أخبار أحدها بالإطعام وثانيها بالكسوة، وثالثها بتحرير رقبة(2) كان ذلك عند الجهال مختلفا، وليس بمختلف، بل كل واحد من هذه الكفارات تقوم مقام الأخرى.

وفي الأخبار ما ورد للتقية.

وروي عن سليم بن قيس الهلالي أنه قال: قلت لأمير المؤمنين - عليه السلام -:

إني سمعت من سلمان ومقداد وأبي ذر شيئا من تفسير القرآن ومن الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم غير ما في أيدي الناس، ثم سمعت منك تصديق ما سمعت منهم، ورأيت في أيدي الناس أشياء كثيرة من تفسير القرآن، ومن الأحاديث عن النبي أنتم تخالفونهم فيها وتزعمون أن ذلك كله باطل، أفترى الناس يكذبون على رسول الله متعمدين ويفسرون القرآن بآرائهم؟.

قال: فقال علي - عليه السلام -: (قد سألت فافهم الجواب: إن ما في أيدي الناس: حق وباطل، وصدق وكذب، وناسخ ومنسوخ، وخاص وعام، ومحكم ومتشابه، وحفظ ووهم.

وقد كذب على رسول الله على عهده حتى قام خطيبا فقال: أيها الناس، قد كثرت الكذابة علي(3) فمن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار، ثم كذب عليه من بعد.

وإنما أتاكم الحديث من أربعة ليس لهم خامس:

رجل منافق مظهر للإيمان متصنع بالاسلام، لا يتأثم ولا يتحرج(4)

____________

(1) المائدة 5: 89.

(2) العبارة: فإذا ورد... بتحرير رقبة، ليست في ق، س.

(3) العبارة في م: (قد كثر الكذب علي).

(4) العبارة في ق، س، ر: لم يأثم ولم / لا يخرج / يجزع.


الصفحة 119
أن يكذب على رسول الله متعمدا. فلو علم الناس أنه منافق كذاب لم يقبلوا منه ولم يصدقوه، ولكنهم قالوا: هذا صحب(1) رسول الله ورآه وسمع منه، فأخذوا عنه وهم لا يعرفون حاله. وقد أخبر الله تعالى عن المنافقين بما أخبر، ووصفهم بما وصفهم، فقال: (وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم)(2) ثم تفرقوا بعده، فتقربوا(3) إلى أئمة الضلالة والدعاة إلى النار بالزور والكذب والبهتان، فولوهم الأعمال، وأكلوا بهم الدنيا، وحملوهم على رقاب الناس، وإنما الناس مع الملوك والدنيا إلا من عصم(4) الله. فهذا أحد الأربعة.

ورجل آخر سمع من رسول الله(5) شيئا لم يحفظه على وجهه ووهم فيه، ولم يتعمد كذبا، فهو في يده يقول به ويعمل به ويرويه، ويقول: أنا سمعته من رسول الله(6). فلو علم المسلمون أنه وهم لم يقبلوه، ولو علم هو أنه وهم لرفضه.

ورجل ثالث سمع من رسول الله شيئا أمر به، ثم نهى عنه وهو لا يعلم، أو سمعه ينهى عن شئ، ثم أمر به وهو لا يعلم، فحفظ منسوخه ولم يحفظ الناسخ. فلو علم أنه منسوخ لرفضه، ولو علم المسلمون إذ سمعوه أنه منسوخ لرفضوه.

ورجل رابع لم يكذب على رسول الله، مبغض للكذب خوفا من الله وتعظيما لرسول الله، لم يسه(7) بل حفظ ما سمع على وجهه، فجاء به كما سمع، لم يزد ولم

____________

(1) في م: صاحب.

(2) المنافقون 63: 4.

(3) أثبتناها من ج، وهامش م، وفي النسخ: فتفرقوا.

(4) في م، ر: عصمه.

(5) أثبتناها من ر، وفي النسخ: وسمع رجل آخر من رسول الله.

(6) في م: أنا سمعت رسول الله.

(7) في م: ينسه، وفي ر: يتشبه به، وفي هامشها: يشتبه به.


الصفحة 120
ينقص، وعلم الناسخ والمنسوخ، فعمل بالناسخ ورفض المنسوخ.

وإن أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم مثل القرآن(1)، ناسخ ومنسوخ، وخاص وعام، ومحكم ومتشابه. وقد كان يكون من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الكلام له وجهان: كلام عام وكلام خاص، مثل القرآن، قال الله تعالى: (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا)(2) فاشتبه على من لم يعرف ما عني الله ورسوله، وليس كل أصحاب رسول الله يسألونه ويستفهمونه، لأن فيهم قوما كانوا يسألونه ولا يستفهمونه، لأن الله تعالى نهاهم عن السؤال، حيث يقول: (يا أيها الذين آمنوا لا تسئلوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم وإن تسئلوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم عفا الله عنها والله غفور حليم * قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين)(3).

فامتنعوا من السؤال حتى إن كانوا يحبون أن يجئ الأعرابي والبدوي فيسأل وهم يسمعون.

وكنت أدخل على رسول الله في كل ليلة دخلة، وأخلو به في كل يوم خلوة، يجيبني عما أسأل، وأدور به حيثما دار، وقد علم أصحاب رسول الله أنه لم يكن يصنع ذلك بأحد غيري، وربما كان ذلك في بيتي.

وكنت إذا دخلت عليه في بعض منازله خلا بي(4) وأقام نساءه، فلم يبق غيري وغيره، وإذا أتاني هو للخلوة وأقام من في بيتي لم يقم عنا فاطمة ولا أحد ابناي(5).

____________

(1) في م زيادة: كذلك.

(2) الحشر 59: 7.

(3) المائدة 5: 101، 102.

(4) في م، ر: أخلاني.

(5) في بعض النسخ: ولا أحدا من أبنائي.


الصفحة 121
وكنت إذا سألته أجابني، وإذا سكت ونفدت مسائلي ابتدأني.

فما نزلت على رسول الله آية من القرآن، ولا شئ علمه الله تعالى من حلال أو حرام، أو أمر أو نهي، أو طاعة أو معصية، أو شئ كان أو يكون، إلا وقد علمنيه وأقرأنيه، وأملاه علي وكتبته بخطي، وأخبرني بتأويل ذلك وظهره وبطنه، فحفظته ثم لم أنس منه حرفا.

وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا أخبرني بذلك كله يضع يده على صدري، ثم يقول:

اللهم املأ قلبه علما، وفهما، ونورا، وحلما، وحكما(1) وإيمانا وعلمه ولا تجهله، واحفظه ولا تنسه.

فقلت له ذات يوم: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، هل تتخوف علي النسيان؟.

فقال: يا أخي، لست أتخوف عليك النسيان ولا الجهل، وقد أخبرني الله تعالى أنه قد استجاب لي فيك(2) ولشركائك الذين يكونون بعدك.

قلت: يا رسول الله ومن شركائي؟

قال: الذين قرن الله طاعتهم بطاعته وبطاعتي.

قلت: من هم يا رسول الله؟

قال: الذين قال الله تعالى فيهم: (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم)(3).

قلت: يا نبي الله، من هم؟

____________

(1) أثبتناها من م، ر.

(2) في ق، ر: أجابني فيك.

(3) النساء 4: 59.


الصفحة 122
قال: هم الأوصياء بعدي(1)، ولا يتفرقون حتى يردوا علي الحوض، هادين مهديين، لا يضرهم كيد من كادهم، ولا خذلان من خذلهم، هم مع القرآن، والقرآن معهم، لا يفارقونه ولا يفارقهم، بهم تنتصر أمتي وبهم يمطرون، وبهم يدفع البلاء، وبهم يستجاب لهم الدعاء.

قلت: يا رسول الله، سمهم لي.

قال: أنت يا علي، ثم ابني هذا، ووضع يده على رأس الحسن، ثم ابني هذا، ووضع يده على رأس الحسين، ثم ابنه سميك يا أخي سيد العابدين، ثم ابنه يسمى محمدا، باقر علمي، وخازن وحي الله، وسيولد في زمانك يا أخي فاقرأه مني السلام، ثم(2) تكملة اثني عشر إماما من ولدك إلى مهدي أمة(3) محمد صلى الله عليه وآله وسلم، الذي يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت قبله ظلما وجورا.

والله إني لأعرفه - يا سليم - حيث يبايع بين الركن والمقام، وأعرف أسماء أنصاره وقبائلهم.

قال سليم بن قيس: ثم لقيت الحسن والحسين - عليهما السلام - بالمدينة بعد ما ملك معاوية، فحدثتهما بهذا الحديث عن أبيهما، قالا: (صدق، قد حدثك أمير المؤمنين بهذا الحديث ونحن جلوس، وقد حفظن ذلك عن رسول الله كما حدثك، فلم يزد فيه حرفا ولم ينقص منه حرفا).

قال سليم بن قيس: ثم لقيت علي بن الحسين، وعنده ابنه محمد بن علي

____________

(1) العبارة في م: قال (الأوصياء الذين هم الأصفياء الأوصياء بعدي).

(2) في ر، ج زيادة: (ثم جعفر بن محمد، ثم موسى بن جعفر، ثم علي بن موسى، ثم محمد بن علي، ثم علي بن محمد، ثم الحسن بن علي الزكي، ثم من اسمه اسمي، ولونه لوني، القائم بأمر الله في آخر الزمان، مهدي أمة محمد جده، الذي يملأ...).

(3) تقرأ في م: اسمه، وفي ر: إنه.


الصفحة 123
الباقر أبو جعفر، فحدثته بما سمعت من أبيه وما سمعته من أمير المؤمنين، فقال علي بن الحسين: (قد أقرأني أمير المؤمنين من رسول الله وهو مريض وأنا صبي، ثم قال أبو جعفر: (وأقرأني جدي من رسول الله وأنا صبي).

قال أبان بن أبي عياش: فحدثت علي بن الحسين بهذا(1) كله عن سليم بن قيس الهلالي، فقال: (صدق، وقد جاء جابر بن عبد الله الأنصاري إلى ابني محمد وهو يختلف إلى كتاب، فقبله واقرأه السلام من رسول الله).

قال أبان بن أبي عياش: فحججت بعد موت علي بن الحسين، فلقيت أبا جعفر محمد بن علي بن الحسين فحدثته بهذا الحديث كله عن سليم، فاغرورقت عيناه وقال: (صدق سليم(2)، وقد أتى أبي بعد قتل جدي الحسين وأنا عنده، فحدثه بهذا الحديث بعينه، فقال له أبي: صدقت والله - يا سليم - قد حدثني بهذا الحديث أبي عن أمير المؤمنين)(3).

وفي كتاب الله ما يحسبه الجاهل مختلفا متناقضا وليس بمختلف ولا متناقض.

وذلك مثل قوله تعالى: (فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا)(4).

وقوله تعالى: (نسوا الله فنسيهم)(5).

ثم يقول بعد ذلك: (ما كان ربك نسيا)(6).

____________

(1) أثبتناها من ج.

(2) في ق، س، ر، زيادة: رحمه الله.

(3) رواه سليم في كتابه: 61، والمصنف في الخصال إلى قوله - عليه السلام -: (واحفظه ولا تنسه) 1:

255 باب الأربعة ح 131.

(4) الأعراف 7: 51.

(5) التوبة 9: 67.

(6) مريم 19: 64.


الصفحة 124
ومثل قوله تعالى: (يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا)(1).

ومثل قوله تعالى: (ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا)(2).

وقوله تعالى: (إن ذلك لحق تخاصم أهل النار)(3).

ثم يقول تعالى: (لا تختصموا لدي وقد قدمت إليكم بالوعيد)(4).

ويقول تعالى: (اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون)(5).

ومثل قوله تعالى: (وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة)(6).

ثم يقول تعالى: (لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار)(7).

وقال تعالى: (وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب)(8).

ثم يقول: (وكلم الله موسى تكليما)(9).

____________

(1) النبأ 78: 38.

(2) العنكبوت 29: 25.

(3) ص 38: 64.

(4) ق 50: 28.

(5) يس 36: 65.

(6) القيامة 75: 22، 23.

(7) الأنعام 6: 103.

(8) الشورى 42: 51.

(9) النساء 4: 164.


الصفحة 125
وقال تعالى: (وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة)(1).

وقال تعالى: (يا أيها النبي)(2) و (يا أيها الرسول)(3).

ومثل قوله: (عالم الغيب لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر في كتاب مبين)(4).

ثم يقول تعالى: (ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم)(5).

ثم يقول: (كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون)(6).

ومثل قوله تعالى: (أمنتم من في السماء أن يخف بكم الأرض فإذا هي تمور)(7).

وقوله تعالى: (الرحمن على العرش استوى)(8).

وقوله تعالى: (وهو الله في السموات وفي الأرض يعلم سرّكم وجهركم)(9).

ثم يقول تعالى: (ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا)(10).

ويقول تعالى عز وجل: (وهو معكم أين ما كنتم)(11).

____________

(1) الأعراف: 7: 22.

(2) الأنفال 8: 64، التوبة 9: 73.

(3) المائدة 5: 41، 67.

(4) سبأ 34: 3.

(5) آل عمران 3: 77.

(6) المطففين 83: 15.

(7) الملك: 67: 16.

(8) طه 20: 5.

(9) الأنعام 6: 3.

(10) المجادلة 58: 7.

(11) الحديد 57: 4.


الصفحة 126
ويقول عز وجل: (ونحن أقرب إليه من حبل الوريد)(1).

ويقول تعالى: (هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك)(2).

ومن قوله تعالى: (قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم)(3).

ثم يقول تعالى: (توفته رسلنا وهم لا يفرطون)(5).

ويقول تعالى: (الله يتوفى الأنفس حين موتها)(6).

ومثله في القرآن كثير.

وقد سأل عنه رجل من الزنادقة أمير المؤمنين - عليه السلام - فأخبره بوجوه اتفاق معاني هذه الآيات، وبين له تأويلها. وقد أخرجت الخبر في ذلك مسندا بشرحه في كتاب التوحيد(7).

وسأجرد كتابا في ذلك بمشيئة الله وعونه إن شاء الله تعالى.


وصلى الله على محمد وعترته الطاهرين،
حسبنا الله ونعم الوكيل، نعم المولى ونعم النصير، ألا إلى الله تصير الأمور.

____________

(1) ق 50: 16.

(2) الأنعام 6: 158.

(3) السجدة 32: 11.

(4) الأنعام 6: 61.

(5) النحل 16: 32.

(6) الزمر 39: 42.

(7) التوحيد: 255.


 شبكة البتول عليها السلام  @ 11-2006  -  www.albatoul.net

إنتاج : الأنوار الخمسة للإستضافة والتصميم @ Anwar5.Net