الباب التاسع في قصر الأعمار وسرعة انقضائها وترك الاغترار بها
قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أعمار امّتي ما بين الستين إلى السبعين، وقلّ ما يتجاوزها(1).
وجاء في قوله تعالى: {أولم نعمّركم ما يتذكّر فيه من تذكّر}(2) انّه معاتبة لابن الأربعين، وقيل لابن ثمانية عشر سنة، {وجاءكم النذير}(3) الشيب.
وفي قوله: {قد بلغت من الكبر عتيّاً}(4) جاوزت الستين. وروي انّ لله ملكاً ينادي أبناء الستين: عدّوا أنفسكم في الموتى(5). وقال بعضهم: يوشك انّ من سار إلى منهل ستين سنة أن يردّه(6).
وأنشد بعضهم:
____________
1- عنه معالم الزلفى: 59.
2- فاطر:37.
3- فاطر: 37.
4- مريم: 9.
5- عنه مستدرك الوسائل 12: 156 ح 13766.
6- مجموعة ورام 2: 222 نحوه.
تزوّد من الدنيا فانّك لا تبقى |
وخذ صفوها لمّا صفت ودع الزلقا |
ولا تأمننّ الدهر انّي أمنته |
فلم يبق لي خلاًّ ولم يبق لي حقّاً(1) |
وقال آخر:
تزوّد من الدنيا فانّك راحل |
وبادر فإنّ الموت لا شك نازل |
وانّ امرءً عاش ستين حجّة |
ولم يتزوّد للمعاد فجاهل(2) |
وقال آخر:
إذا كانت الستون عمرك لم يكن |
لدائك الاّ أن تموت طبيب |
وانّ امرءً عاش ستين حجّة |
إلى منهل من ورده لقريب |
إذا ذهب القرن الذي أنت فيهم |
وخُلّفت في قرن فأنت غريب |
وجاء في قوله تعالى: {انّما نعدّ لهم عدّاً}(3) قال: الأنفاس، يخسرها من أنفقها في غير طاعة الله(4).
وقال بعضهم: العمر قصير، والسفر بعيد، فاشتغل(5) بصلاح أيّامك(6)، وتزوّد(7) لطول سفرك(8)، وانتفع بما جمعت فقدّمه من ممرّك إلى مقرّك قبل أن تنزعج(9) عنه فتحاسب به ويحضي به غيرك، فما أقلّ مكثك في دار الفناء، وأعظم مقامك في دار البقاء.
____________
1- في "ج": خلفاً.
2- في "ج": فهو جاهل.
3- مريم: 84.
4- مجموعة ورام 2: 222.
5- في "ب": فاشتغلوا.
6- في "ب": أيّامكم.
7- في "ب": تزوّدوا.
8- في "ب": سفركم.
9- في "الف": تزعج.
وقال بعضهم:
لهفي على عمر ضيّعت أوّله |
وغال(1) آخره الأسقام والهرم |
كم أقرع السن عند الموت من ندم |
وأين يبلغ قرع السن والندم |
هلاّ انتبهت(2) ووجه العمر مقتبل |
والنفس في جدة والعزم مخترم |
وجاء في قوله تعالى: {لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم} قال: الشباب، {ثم رددناه أسفل سافلين}(3) قال: الهرم.
وقال بعضهم: الشيب رائد الموت، ونذير الفناء، ورسول المنيّة، وقاطع الاُمنيّة، وأوّل مراحل الآخرة، ومقدّمة الهرم، [ورائد الانتقال، ونذير الآخرة](4)، وواعظ فصيح، وهو للجاهل نذير، وللعاقل بشير، وهو سمت الوقار، وشعار الأخيار، ومركب الحمام، والشباب حلم المنام.
وقيل لشيخ من العبّاد: ما بقي منك مما تحب له الحياة؟ فقال: البكاء على الذنوب(5).
وقال النبي صلى الله عليه وآله: خير شبابكم من تزيّا بزيّ شيّابكم، وشرّ شيّابكم من تزيّا بزيّ شبابكم.
وقال صلى الله عليه وآله: قال الله تعالى: "وعزّتي وجلالي انّي لأستحي من عبدي وأَمَتي يشيبان في الإسلام أن اُعذّبهما، ثم بكى صلى الله عليه وآله فقيل: ممّ تبكي يا رسول الله؟ فقال: أبكي ممّن استحى الله من عذابهم ولا يستحون من عصيانهم(6).
____________
1- غاله الشيء غولا واغتاله: أهلكه وأخذه من حيث لم يدر. (لسان العرب) 2- في "ج": انتهيت.
3- التين: 4-5.
4- أثبتناه من "ب" و"ج".
5- مجموعة ورام 2: 222.
6- في "ب": عصيانه.
وقال بعضهم: من أخطأته سهام المنيّة قيّده عقال الهرم.
وقال بعضهم:
انّي أرى رقم البلاء |
في قود(1) رأسك قد نزل |
وأراك تعثر دائماً |
في كلّ يوم بالعلل |
والشيب والعلل الكثيرة |
من علامات الأجل |
فاعمل لنفسك أيّها المغـ |
ـرور في وقت العمل |
وقال آخر:
ولقد رأيت صغيرة |
فسترت شيبي بالخمار |
قالت: غبار قد علاك؟ |
فقلت: ذا غير الغبار |
هذا الذي نقل الملو |
ك إلى القبور من الديار |
____________
1- في "ج": قرن.
|