متون الكتب :  
الفهارس :  
أسماء الكتب والمؤلفين :  
ثالثاً : أثره النفسي
الكتاب : الاِيمان و الكفر في الكتاب و السنّة    |    القسم : مكتبة عقائد الشيعة

ثالثاً : أثره النفسي :
عندما يذكر المؤمن ربّه ويتصل بالقوة العظمى الاِلهية ، يتبدد خوفه ويتغلب على ضعفه ويطمئن قلبه ، قال تعالى : ( الَّذينَ آمنُوا وتَطمئنُّ قلُوبُهُم بذكرِ اللهِ ألا بذكرِ اللهِ تَطمَئنُّ القُلُوبُ ) (2)، وقال أيضاً : ( الَّذينَ آمنُوا ولم يَلبِسُوا إيمانَهُم بِظُلمٍ أولئك لهُمُ الاَمنُ وهُم مُهتدُونَ ) (3).
فالاِيمان يضفي على النفس طمأنينة عند هبوب عواصف الاَحداث ، ويرفع الاِنسان فوق مستوى الخوف ، وفي تاريخ أهل البيت عليهم السلام شواهد جمّة على ذلك ، فهذا قنبر مولى أمير المؤمنين عليه السلام وكان يحبُّ الاِمام عليّاً عليه السلام حباً شديداً ، فإذا خرج الاِمام علي عليه السلام خرج على أثره بالسيف، فرآه ذات ليلة فقال : « يا قنبر ! ما لك ؟ قال : جئتُ لاَمشي خلفك ، فإنَّ النّاس كما تراهم يا أمير المؤمنين ! فخفتُ عليك ، قال عليه السلام : ويحك أمن
____________
(1) اُصول علم النفس ، دكتور أحمد عزت راجح : 120 المكتب المصري الحديث ـ الاسكندرية 1970 م ط8 .
(2) سورة الرعد 13 : 28 .
(3) سورة الانعام 6 : 82 .


( 83 )
أهل السماء تحرسني ، أم من أهل الاَرض ؟! قال : لا ، بل من أهل الاَرض ، قال عليه السلام : إنَّ أهل الاَرض لا يستطيعون لي شيئاً إلاّ بإذن الله عزَّ وجلَّ من السّماء فارجع » فرجع (1).
وقال يعلى بن مرّة : (كان عليّ يخرج بالليل إلى المسجد يصلّي تطوّعاً، فجئنا نحرسه ، فلمّا فرغ أتانا فقال : « ما يجلسكم ؟ قلنا : نحرسك ، فقال : أمن أهل السماء تحرسون ، أم من أهل الاَرض ؟ قلنا : بل من أهل الاَرض ، قال : إنَّه لا يكون في الاَرض شيء حتى يُقضى في السماء ، وليس من أحد إلاّ وقد وكّل به ملكان يدفعان عنه ويكلآنه حتى يجيء قدره ، فإذا جاء قدره خلّيا بينه وبين قدره ، وإنَّ عليَّ من الله جُنّة حصينة فإذا جاء أجلي كشف عنّي... وأنّه لا يجد طعم الاِيمان حتّى يعلم أنّ ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه » ) (2).
فالاِيمان يبعث نحو التسليم بقضاء الله وقدره وبذلك يبعد عن النفس شبح الخوف وهاجس القلق ، وهو عنصر هام في معالجة أمراض النفس ، وقد اعترف بذلك كثير من علماء النفس المتخصصين منهم الدكتور : إرنست ادولف ، استاذ مساعد بجامعة سانت جونس الامريكية ، عندما سُئل عن الاَسباب الرئيسية للاَمراض العصبية ؟ فأجاب : (إنَّ من الاَسباب الرئيسية لهذه الاَمراض الشعور بالاِثم أو الخطيئة والحقد والخوف والقلق والكبت والتردد والشك والغيرة والاِثرة والسأم ، ومما يؤسف له أنّ كثيراً ممن يشتغلون بالعلاج النفسي قد ينجحون في تقصي أسباب الاضطراب
____________
(1) توحيد الصدوق : 338 .
(2) كنز العمال 1 : 347 | خ 1564 .

( 84 )
النفسي الذي يسببه المرض ، ولكنهم يفشلون في معالجة هذه الاضطرابات ، لاَنهم لا يلجأون في علاجها إلى بث الاِيمان بالله في نفوس هؤلاء المرضى) (1).
والملاحظ أنّ أهم ما يعتمد عليه العلاج النفسي هو مساعدة الفرد على الاعتراف بخطاياه ، وذلك أنّ الاعتراف يعيد إلى النفس المضطربة اتزانها وطمأنينتها . وقد أقرَّ القرآن من حيث المبدأ بفكرة الاعتراف هذه ، ولكن حوّل وجهته من اعتراف الاِنسان المعروف أمام أبناء جنسه إلى الاعتراف أمام ربّه وخالقه ، فينفس الاِنسان ـ بذلك ـ عن الاحتقان والشعور بالاثم الذي يحسّه في قرارة نفسه ، عندما يقف ـ مثلاً ـ بالصلاة بين يدي ربّه رافعاً يده في قنوته قائلاً : ( .. ربَّنا ظَلمنَا أنفُسَنا وإن لم تَغفر لنا وتَرحَمنَا لنكُوننَّ مِنَ الخَاسِرينَ ) (2).
وقد نقل لنا القرآن الكريم إعترافات عديدة من هذا القبيل ومن ضمنها بعض أنبيائه ورسله كموسى عليه السلام عندما قتل رجلاً ولم يتعمد ذلك قال : (رَبِّ إنّي ظلمتُ نَفسي فاغفِر لي فَغَفَرَ لَهُ إنَّهُ هُوَ الغفُورُ الرحِيمُ ) (3).
ثم إنّ شعور الاِنسان بأنّه ليس وحيداً وأنّ الله تعالى معه على الدوام ، يضفي عليه هذا الشعور نوعاً من الاطمئنان والثقة ويُبعد عنه أشباح الخوف والقلق والوحدة والشعور بالكآبة لذلك يُطمْئن الله تعالى الناس : (.. وهو معكم أين ما كنتُم واللهُ بما تعملون بصير ) (4).

____________
(1) الخطايا في الاِسلام ، لعفيف عبدالفتاح طبارة : 22 ـ 23 دار العلم للملايين ـ بيروت ط1 .
(2) سورة الاعراف 7 : 23 .
(3) سورة القصص 28 : 16 .
(4) سورة الحديد 57 : 4 .

( 85 )
فالاِيمان ـ إذن ـ أشبه بمانعة الصواعق تفرّغ كل ما في الاِنسان من شحنات القلق والخوف والاضطراب ، فتمنحه الصحة النفسية والجسدية معاً . وقد أثبت علم النفس أنّ : «الاِنسان حين يغشاه انفعال كالخوف أو الحزن أو الغضب ، فإنّ هذه التأثيرات الوجدانية والانفعالية تصحبها تغيرات أو اضطرابات جسمية وفسيولوجية قد تكون بالغة الخطورة إن أزمن الانفعال . فقد اتّضح أنّ القلق المزمن الموصول قد يؤدي إلى ظهور قرحة في المعدة أو الاثني عشر ، وأنّ الكراهة المكظومة لمدة طويلة قد تؤدي إلى ارتفاع في ضغط الدم..» (1).
أضف إلى ذلك أنّ الاِيمان يؤدي إلى الاَُنس والراحة النفسية فيبدد بذلك الشعور بالعزلة ومن خطبةٍ لاَمير المؤمنين عليه السلام قال فيها : « اللَّهمَّ إنَّك آنسُ الآنسين لاَوليائك... إن أوحشتهم الغُربةُ آنسهُم ذكرُكَ ، وإن صُبَّت عليهم المصائب لجؤوا إلى الاستجارة بك ، علماً بأنَّ أزمّة الاُمور بيدك..»(2) .

 شبكة البتول عليها السلام  @ 11-2006  -  www.albatoul.net

إنتاج : الأنوار الخمسة للإستضافة والتصميم @ Anwar5.Net