متون الكتب :  
الفهارس :  
أسماء الكتب والمؤلفين :  
المبحث الثاني : مرتكب الكبيرة
الكتاب : الاِيمان و الكفر في الكتاب و السنّة    |    القسم : مكتبة عقائد الشيعة
المبحث الثاني : مرتكب الكبيرة :
بعد أن استعرضنا أبرز العوامل التي تخرج الاِنسان من سكة الاِيمان ، نجد من المناسب التطرق إلى مسألة مرتكب الكبيرة فقد اختلف أهل القبلة فيمن أقرَّ بالشهادتين ، وأتى بالذنوب الكبيرة كالقتل وشرب الخمر وما إلى ذلك . هل هو كافر مخلد في النار ، أو أنه مؤمن فاسق يعاقب على
____________
(1) اُصول الكافي 2 : 308 | 1 كتاب الاِيمان والكفر .
(2) معاني الاَخبار : 190 .
(3) الاختصاص : 31 .

( 74 )
الذنب بما يستحق ، ثم يدخل الجنة ؟ ذهب الخوارج إلى كفر مرتكب الكبيرة ، وقال الاِمامية والاَشاعرة وأكثر الاصحاب والتابعين إلى إنّه مؤمن اتّصف بالفسق ، وأحدث المعتزلة قولاً ثالثاً وأثبتوا المنزلة بين المنزلتين ، أي لا هو بالكافر ، ولا بالمؤمن . وقد أورد الشيخ المفيد في هذا الصدد شاهداً قرآنياً على أنّ كبائر الذنوب لا تخرج عن الاِيمان وذلك انّه لاخلاف أنّ ما صنعه أخوة يوسف عليه السلام بأخيهم من إلقائه في غيابة الجب وبيعه بالثمن البخس وكذبهم على الذئب وما أوصلوه إلى قلب أبيهم نبي الله يعقوب من الحزن كان كبيراً من الذنوب . وقد قصّ الله قصتهم وأخبر عن سؤالهم أباهم الاستغفار عن توبتهم وندمهم فإن كان الحسد لا يخرج عن الاِيمان ، فالكبير من الذنوب أيضاً لا يخرج عن الاَديان (1).
واستدل العلاّمة الحلي في شرح التجريد على صحة القول بأنّ مرتكب الكبيرة مؤمن فاسق لا يخلد في النار ، استدل : «بأنّه لو خلد في النار للزم أن يكون من عبدَ الله مدة عمره ثم عصى آخر عمره معصية واحدة ، مع بقائه على إيمانه ، لزم أن يكون هذا مخلداً في النار ، تماماً كمن أشرك بالله مدة عمره ، وذلك محال لقبحه عند العقلاء» (2).
وليس من شك أنّ سيئة واحدة لا تحبط جميع الحسنات ، بل العكس هو الصحيح ، لقوله تعالى : (... إنَّ الحسناتِ يُذهبن السيئات.. ) (3).
والباحث المتجرّد عن الهوى والغرض ، يلاحظ أنّ رأي أهل البيت عليهم السلام
____________
(1) الفصول المختارة من العيون والمحاسن : 11 منشورات مكتبة الداوري 1396 هـ ط4 .
(2) اُنظر التفسير الكاشف ، للشيخ محمد جواد مغنية 1 : 139 .
(3) سورة هود 11 : 114 .

( 75 )
حول هذه المسألة الحساسة أكثر صوابية وينسجم مع روح الاِسلام السمحة ، ويتلائم مع رحمة الله الواسعة . فالاِنسان ضعيف بطبعه ومعرَّض للخطأ ، لذلك فتح الله تعالى أمامه باب التوبة على مصراعيه ، عن أبي عبدالله عليه السلام : « إنَّ الله عزَّ وجلَّ يفرح بتوبة عبده المؤمن إذا تاب كما يفرح أحدكم بضالته إذا وجدها » (1).
وعليه فآل البيت عليهم السلام لا يؤيسون الناس من رحمة الله ويدخلونهم في دائرة الكفر بمجرّد إرتكاب الذنب وإن كان كبيراً ، فهناك ربّ رؤوف يتصف بالرحمة والمغفرة أقسم أن لا يُبقي أحداً في النار من الموحدين .
وتزداد هذه الرؤية وضوحاً وإشراقاً من الاَمل ، بما ورد عن أبي عبدالله عليه السلام : «مامن مؤمن يقارف في يومه وليلته أربعين كبيرة ، فيقول : وهو نادم ، استغفر الله الذي لا إله إلاّ هو الحي القيوم بديع السماوات والاَرض ذي الجلال والاكرام وأسئله أن يصلي على محمد وآل محمد وأن يتوب عليَّ إلاّ غفرها الله عزَّ وجلَّ له » (2).
وعنه عليه السلام : « .. قد يكون العبد مسلماً قبل أن يكون مؤمناً ولا يكون مؤمناً حتى يكون مسلماً ، فالاِسلام قبل الاِيمان وهو يشارك الاِيمان ، فإذا أتى العبد كبيرة من كبائر المعاصي أو صغيرة من صغائر المعاصي التي نهى الله عزَّ وجلَّ عنها كان خارجاً من الاِيمان ، ساقطاً عنه اسم الاِيمان وثابتاً عليه اسم الاِسلام ، فإن تاب واستغفر عاد إلى دار الاِيمان ولا يخرجه إلى الكفر إلاّ بالجحود والاستحلال أن يقول للحلال هذا حرام وللحرام هذا
____________
(1) اُصول الكافي 2 : 436 | 13 كتاب الاِيمان والكفر .
(2) المصدر السابق : 438 | 7 .

( 76 )
حلال ودان بذلك ، فعندها يكون خارجاً من الاِسلام والاِيمان داخلاً في الكفر ، وكان بمنزلة من دخل الحرم ثمَّ دخل الكعبة وأحدث في الكعبة حدثاً فأُخرج عن الكعبة وعن الحرم فضربت عنقه وصار إلى النار » (1).
نعم الذي يحرم من مغفرة الله هو الذي لم تعرف له توبة قط بعد كفره ومات على جحوده وإنكاره للحق تبارك وتعالى ، وكذلك من كفر بعد إيمانه وتاب ولكن توبته لم تكن توبة نصوحة إذ سرعان ما أعاد إلى حضيض الكفر وازداد كفراً قال تعالى : ( إنَّ الَّذين آمنُوا ثُمَّ كفروا ثُمَّ آمنُوا ثُمَّ كفروا ثُمَّ ازدادُوا كُفراً لم يكنِ اللهُ ليغفر لهُم ولا ليهديهُم سبيلاً ) (2).

____________
(1) اُصول الكافي 2 : 27 ـ 28 | 1 كتاب الاِيمان والكفر .
(2) سورة النساء 4 : 137 .

 شبكة البتول عليها السلام  @ 11-2006  -  www.albatoul.net

إنتاج : الأنوار الخمسة للإستضافة والتصميم @ Anwar5.Net