الكلمة السابعة
الشباب وعالم الأحلام والرؤى
ابتليت مجتمعاتنا الإسلامية ـ وربما كل المجتمعات الدينية ـ بمشكلة التعامل مع الغيب والغيبيات، ومن أهم تلك الإثارات التي ترتبط بالجانب الغيبي هي مشكلة الأحلام والرؤى، إذ ان هذه المشكلة قدر لها أن تضخم وأن يتم التعامل معها أما من موقع الرفض المطلق لكل أسسها المعقولة واللامعقولة، أو من موقع القبول المطلق لكل أسسها المعقولة واللامعقولة أيضاً، وهكذا صار الناس في موقفهم من الأحلام والرؤى بين إفراط وتفريط.
وقبل أن نحاول معالجة المشكلة واستكشاف الموقف الشرعي والعقلي تجاهها، لابد أن نشير إلى حالة مؤسفة جداً تنتشر في أوساط مجتمعاتنا الإسلامية، ويسمح لها أن تؤسس البناء الفكري والعقيدي والسلوك الفردي والإجتماعي للإنسان المسلم، وهي حالة الاندفاع في التعامل مع الغيبيات بصورة تفتقد كل مقومات الوعي والإدراك، إذ من الملاحظ أن هناك الكثير من الارتباكات والتخبطات الفكرية والنفسية والروحية والسلوكية يعيشها عدد غير يسير من المسلمين ولاسيما من الشباب المسلم المتدين نتيجة انعدام الرؤية الواضحة عندهم في ما يتعلق بالغيب والغيبيات.
وبصورة عامة فإن المشكلة الروحية للإنسان المسلم المعاصر تكمن في سماحه للغيب المختلق والمتوهم بأن يتدخل في حياته بشكل يفسد عليه كل ارتباطاته الغيبية واللاغيبية. وهذا الأمر ينتج من قصور أو تقصير في وعي وإدراك واستيعاب حقائق الإسلام ما يرتبط منها بالغيب والعالم الآخر الذي ينتظره المسلم، وما يرتبط منها بحاضره وعالمه الدنيوي الذي يعيشه بالفعل.
وحينما نقول بأن المشكلة الروحية للإنسان المسلم المعاصر في أساسها مشكلة تعامل مع غيب مختلق ومتوهم، فذلك لأننا ندرك بأن الكثير من التصورات والأفكار التي يحملها العديد من المسلمين عن عالم الغيب تصورات وأفكار لا تمت إلى الإسلام بصلة ولا ترتبط معه بأي رابط، وفوق ذلك فإن هذا التعامل يفسح له المجال أن يفسد ويدمر حياة الإنسان المسلم حتى في بعدها الروحي، وهذا ما نجزم بأن الإسلام ما كان يبتغيه وما كان يرتضيه من المسلم، ولقد دخل عليّ (ع) على العلاء بن زياد الحارثي يعوده فشكا إليه العلاء أمر أخيه عاصم "فقال له العلاء: يا أمير المؤمنين أشكو إليك أخي عاصم بن زياد. قال: وما له؟ قال: لبس العباءة وتخلى عن الدنيا. قال: عليّ به فلما جاء قال: يا عدي نفسه لقد استهام بك الخبيث، أما رحمت أهلك وولدك! أترى الله أحل لك الطيبات، وهو يكره أن تأخذها! أنت أهون على الله من ذلك". وما نريد إثارته من حديث عن الأحلام والرؤى في هذه الكلمة ننطلق فيه من محاولة تصحيح مظاهر التعامل اللاواعي والسلبي التي يمارسها الكثير من الأفراد المتدينين في أوساط مجتمعاتنا الإسلامية في موقفهم من الرؤى والاحلام سواء التي يشاهدونها بأنفسهم أم التي يشاهدها غيرهم من الناس ويصل خبرها إليهم.
إننا نشعر ان هناك الكثير من السذاجة والبساطة واللاواقعية يتمتع بها المسلمون في نظرتهم للمسائل الغيبية وموقفهم منها، وأفضل دليل على ذلك الاستجابة السريعة والتأثيرات العميقة التي تجدها وتتركها كل ظاهرة تتعلق بالأمور الغيبية في نفوس أكثر المسلمين ولو كانت الظاهرة عاجزة عن إثبات نفسها بأي دليل مقنع، ويكفي أن يخترع أي إنسان ـ ولو كان فاسقاً وبعيداً كل البعد عن الدين ـ معجزة وكرامة وأي قصة ذات طابع غيبي وينسبها إلى شخصية مقدسة في الوسط الديني ليجد أكثر الناس تتباشر بنقلها وكأن الجميع قد شاهدها بأم عينيه، ومن يحاول التشكيك في حصولها وصدورها ولو لم يكن يحمل نية سيئة فإنه لن يواجه بأقل من النفور والاشمئزاز، وربما يتهم بمحاولة تشكيك الآخرين في حقائق الدين.
وعلى هذا الأساس يبرز لنا في الوسط الديني الإسلامي بين فترة وأخرى من يدعي أنه يطلع على قضايا غيبية بصورة أو أخرى، ومن الطبيعي أن لا يعجز مثل هؤلاء المدعون عن الحصول على العديد من الأنصار والأتباع الذين يدافعون عنهم ويتبنون كل النتائج المتحصلة من مشاهداتهم الغيبية.
وخطورة هذه الدعاوي أنها تستطيع أن توجد قناعات قلبية ونفسية عند من يؤمنون بها ويصدقون مدعيها بحيث لا يمكن لأي دليل عقلي أو شرعي مهما كان محكماً وثابتاً أن يزلزل أو يزحزح تلك القناعات الثابتة. ومن المؤسف جداً أن تصير الرؤى والمنامات من الأمور التي يعتمد عليها بصورة كلية عند الكثير من المتدينين حتى في أمور لا مجال للرؤيا في إثباتها أو نفيها، وربما كان أحد أسباب هذا التعامل اللاواعي من قبل المتدينين مع قضايا الرؤى والمنامات هو تقصير أصحاب الفكر والعلماء في بيان وإيضاح حقيقة الرؤى والأحلام والاشتباهات التي يمكن أن تحيط بها وتلتبس على من يشاهدها مع كثرة ابتلاء المتدينين بمسائل الرؤى والمنامات، وانجرار الكثير منهم للتعامل معها بصورة لا واعية وسلبية.
ومع أن عدداً من العلماء والفلاسفة والعرفاء الإسلاميين تعرضوا في جملة من كتاباتهم لأبحاث مهمة وأساسية في الرؤى والأحلام إلا أن هذه الأبحاث كانت تتخذ في أكثر الأحيان منهجاً اختصاصياً وأسلوباً علمياً معقداً مما لا يوفر دواعي الاطلاع عليها ومحاولة هضم واستيعاب أفكارها من قبل عامة الناس. ولقد أفصح الشيخ المفيد (رض) في كلمة مختصرة له عن المنامات عن أهم مظاهر التعامل السلبي مع أبعاد هذه القضية حينما قال: "إن الكلام في باب رؤيا المنامات عزيز، وتهاون أهل النظر به شديد، والبلية بذلك عظيمة، وصدق القول فيه أصل الجليل".
وعلى هذا الأساس فإننا سنحاول أن نعالج مشكلة الموقف من الرؤى والأحلام في هذه الكلمة، وسنسعى لتقديم صورة واضحة وجلية عن حقيقة الرؤى والمنامات نأمل من خلالها أن تتلاشى مظاهر التعامل السلبي مع الرؤى والمنامات عند شبابنا المسلم الذي نخصه ونعنيه بالحديث قبل غيره من الناس.
|