متون الكتب :  
الفهارس :  
أسماء الكتب والمؤلفين :  
حقيقة العالم الغيبي
الكتاب : شبابنا ومشاكلهم الروحية    |    القسم : مكتبة التربية و الأخلاق

النقطة الثانية: حقيقة العالم الغيبي: أكثر الناس تؤمن بوجود عالم غيبي يختلف في خصائصه ومميزاته عن عالمنا المادي الذي نعيش فيه ونشعر به بالفعل، ومنذ أن خلق الله تعالى الإنس0ان خلقه بجنبة روحية يتطلع من خلالها إلى العالمين الغيبي والروحي، وقد أشار تعالى إلى البعد الروحي الذي يتمتع به الإنسان حينما قال: (وبدأ خلق الإنسان من طين. ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين. ثم سواه ونفخ فيه من روحه). (السجدة: 7 ـ 9)

ومن خلال الجنبة الروحية كان الإنسان على الدوام يسعى للتعرف على حقيقة العالم الغيبي الذي يشعر الإنسان بأن روحه ونفسه تنتميان إليه وتشتاقان للارتباط به، وقد كانت مهمة الأديان السماوية هي ربط الإنسان بهذا العالم وتوثيق علاقته به من خلال الافصاح عن بعض حقائق هذا العالم وموجوداته، وربما وفق البعض من الناس كالفلاسفة والحكماء الإلهيين من خلال قدراتهم العقلية المتميزة من الوصول إلى بعض الأمور الغيبية والتعرف على حقيقتها، ولكن مع ذلك ظلت حاجة الإنسان شديدة إلى الأديان والرسالات السماوية من أجل وعي وإدراك حقيقة العالم الغيبي ولو بنحو الإجمال، لأن الوعي التفصيلي بكل حقائق عالم الغيب ربما لا يتيسر للإنسان مادام في هذه الدنيا. ولئن أكثر الناس تعجز عن إدارك حقيقة العالم الغيبي فإن الشرائع قد أمرتهم أن يؤمنوا إيماناً إجمالياً بالغيب، وأن لا يسعوا لتكلف التعرف والإحاطة بما لا يمكن لعقولهم الإحاطة به وإدراك حقيقته، ولذا حينما سئل أمير المؤمنين (ع) عن القدر قال: "طريق مظلم فلا تسلكوه، وبحر عميق فلا تلجوه، وسر الله فلا تتكلفوه". (نهج البلاغة: قصار الحكم، رقم 278).

ومما ينبغي الالتفات إليه بصورة أساسية أن حقيقة الحقائق وهو الله سبحانه وتعالى الذي هو المقصد الأصلي للإنسان في سيره التكاملي والروحي مهما اقترب الإنسان منه وارتبط به فإنه يظل غيباً بالنسبة إليه، وليس بإمكان أي إنسان أن يحيط بحقيقة الذات المقدسة، وهذا المطلب مقرر بصورة واضحة وجلية في نصوص الشريعة وكلمات العرفاء وكم هي جميلة كلمة الإمام السجاد (ع) حينما يناجي ربه قائلاً: "إلهي قصرت الألسن عن بلوغ ثنائك كما يليق بجلالك، وعجزت العقول عن إدراك كنه جمالك، وانحسرت الأبصار دون النظر إلى سبحات وجهك، ولم تجعل للخلق طريقا إلى معرفتك إلا بالعجز عن معرفتك". (الصحيفة الكاملة السجادية، مناجات العارفين).

يوصينا أمير المؤمنين (ع) بأن نرجع إلى القرآن في التعرف على صفات الباري سبحانه وتعالى وأن لا نتكلف ما وراء ذلك، لا لأنه لا يراد لنا أن نعلم بما وراء ذلك، بلا لأنه لا يوجد شيء وراء ذلك يمكن لعقولنا أن تصل إليه وتطلع عليه، فيقول (ع): "فأنظر أيها السائل: فما دلك القرآن عليه من صفته فائتم به واستضئ بنور هدايته، وما كلفك الشيطان علمه مما ليس في الكتاب عليك فرضه، ولا في سنة النبي (ص) وائمة الهدى أثره، فكل علمه إلى الله سبحانه، فإن ذلك منتهى حق الله عليك، واعلم ان الراسخين في العلم هم الذين أغناهم عن اقتحام السدد المضروبة دون الغيوب، إلاقرار بجملة ما جهلوا تفسيره من الغيب المحجوب، فمدح الله تعالى اعترافهم بالعجز عن تناول ما لم يحيطوا به علماً، وسمى تركهم التعمق فيما لم يكلفهم البحث عن كنهه رسوخاً، فاقتصر على ذلك، ولا تقدر عظمة الله سبحانه على قدر عقلك فتكون من الهالكين. هو القادر الذي إذا ارتمت الأوهام لتدرك منقطع قدرته، وحاول الفكر المبرء من خطرات الوساوس أن يقع عليه في عميقات غيوب ملكوته، وتولهت القلوب إليه، لتجري في كيفية صفاته، وغمضت مداخل العقول في حيث لا تبلغه الصفات لتناول علم ذاته، ردعها وهي تجوب مهاوي سدف الغيوب، متخلصة إليه ـ سبحانه ـ فرجعت إذ جبهت معترفة بأنه لا ينال بجور الاعتساف كنه معرفته، ولا تخطر ببال أولى الرويات خاطرةمن تقدير جلاله عزته". (نهج البلاغة، الخطبة 91).

وبعد أن وعينا هذه الحقيقة نريد أن نقدم لشبابنا المسلم بعض الحقائق الأساسية عن عالم الغيب بالمقدار الذي يتناسب والمستوى الفكري العام لهؤلاء الشباب، ولم يكن بإمكاننا أن نتوسع كثيراً في بيان حقائق عالم الغيب لأن الكثير من هذه الحقائق يتوقف فهمها واستيعابها على توفر مقدمات علمية وعملية للإنسان لا يمكن تحصيلها من دون كثير عناء وتعب، ولذا فإن ما سنقدمه لن يتجاوز أن يكون صورة إجمالية عن العالم الغيبي، نريد من خلالها رفع حالة الغموض والارتباط التي يعيشها الشاب المسلم في تصوراته عن عالم الغيب وما وراء الطبيعة.

فنقول: مما لا شك فيه أن هناك تقسيماً أولياً للوجود يدركه كل الناس بعقولهم البسيطة والساذجة، وهو تقسيم الوجود أو الموجودات بالأحرى إلى وجودات مادية نستشعرها ونحسها بحواسنا الخمس، ووجودات غير مادية نؤمن بها ولكننا لا نحسها، وأكثر الناس تعتقد أن العالم الغيبي هو وجود واحد يقابل العالم المادي، ولكن الحقيقة التي يهدينا إليها الشرع والدين وتوصل إلهيا العرفاء الالهيون من خلال اتباعهم للشرع ومجاهدتهم لأنفسهم هي غير ذلك، وذلك لأن العالم الغيبي هو عالم ذو مراتب تخفى جميعها علينا، وقد اصطلح العرفاء الإسلاميون ممن عنوا بالجانب الروحي في الإسلام واستطاعوأ إدراك الكثير من حقائق عالم الغيب على التسميات التالية التي تبين جميع مراتب الوجود وتنزلاته، فقالوا: "فأول العوالم في الوجود الخارجي هو عالم العقول والنفوس المجردة المسماة بعالم الجبروت، ثم عالم المثال المطلق الذي لكل من الموجودات المجردة وغير المجردة فيه صور مثالية مدركة بالحواس الباطنة، ويسمى بعالم الملكوت، ثم عالم الملك الذي هو العرش والكرسي والسماوات والعناصر، وما يتركب منها.؟ وهذه العوالم الثالث صور ما في العلم الإلهي من الأعيان الثابتة المسماة بالماهيات الممكنة، والحقائق وأمثالها، وهي عالم الغيب المطلق لاشتماله على غيوب كل ما في العالم.

والإنسان وإن كان من حيث صورته الظاهرة من عالم الملك لكن لجامعيته وكونه مشتملاً على كل ما في العالم الخارجي فهو عالم آخر برأسه، فصارت العوالم الكلية والحضرات الأصلية خمساً:

عالم الأعيان الثابتة وهي عالم الغيب المطلق.

عالم الجبروت.

عالم الملكوت.

عالم الملك.

عالم الإنسان الكامل". (رسائل قيصري، رسالة في التوحيد والنبوة والولاية: 14 ـ 15).

ولابد من التنبيه في هذا المقام على أن معرفة الأمور والأشياء تارة تكون بحدودها وتارة بإدراكها على ما هي عليه من خلال انكشاف حقيقتها للإنسان بصورة مباشرة، وحينما نريد أن نوضح ذلك بمثال فإنه سيمكننا تشبيه النوع الأول من المعرفة بمن يستطيع ان يحد الحلاوة فيقول هي كذا وكذا، وهذا نوع معرفة بالشيء، والنوع الثاني من المعرفة يمكن تشبيهه بمن يعرف الحلاوة بتذوقها، والنوع الأول من المعرفة يسمى بالمعرفة العقلية لأنها تستند في معرفة حقيقة الأشياء إلى العقل والبرهان، والنوع الثاني من المعرفة يسمى بالمعرفة القلبية لأنها تستند في معرفة حقيقة الأشياء إلى القلب والعرفان، ولكل نوع من أنواع المعرفتين مناصرون ومؤيدون، واصطلح على تسمية مناصري المعرفة القلبية والذوقية بالاشراقيين أو العرفاء.

وفي هذا المجال توجد بحوث معرفية وفلسفية مطولة في ترجيح المعرفة العقلية البرهانية على المعرفة القلبية العرفانية أو بالعكس، وفي الاشكالات المعرفية التي ترد على كل نوع من أنواع المعرفتين، والبحث في هذه المسئلة يعد من البحوث الفلسفية المهمة التي شغلت تفكير الكثير من الفلاسفة والعرفاء، ومازالت المسئلة إلى يومناهذا محل أخذ ورد، وقد بحثت بعضاً مما يرتبط بالمسألة مورد البحث في كتابي "القيمة المعرفية للكشف والشهود".

وما أردته من ذكر هذا التنبيه هو فقط الإشارة إلى أن معرفة الحقائق الغيبية على وجهها الصحيح والتام قد لا تتيسر للإنسان بمجرد البحث العلمي والتتبع الفكري، بل ربما يفتقر إدراكها إلى مجاهدات نفسية عملية، وذلك لأن الإسلام قد دلنا على أن العلم والعمل يرتبط كل منهما بالآخرة ويؤثر فيه فالعلم يهدي إلى العمل، والعمل بالعلم يفتح للإنسان أبواباً أخر من العلم، وهذا ما أكده القرآن حينما قال: (يا أيها الذين امنوا أن تنفقوا الله يجعل لكم فرقانا) (الأنفال: 29) وحينما قال: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وامنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نوراً تمشون به ويغفر لكم والله غفور رحيم) (الحديد: 28)، وحينما قال: (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين). (العنكبوت: 69)

ومن هنا نريد التأكيد على أن ما استعرضناه من حقائق عن عالم الغيب في هذه النقطة وما سنقوم باستعراضه في النقطة القادمة من حقائق وتصورات ترتبط بهذا العالم أيضاً قد لا تتضح كل الوضوح للقارئ، وكل ما نرجوه من القارئ أن يعي أن هناك حقائق كثيرة عن عالم الغيب قد يكون جاهلاً بها ولم يسمع عنها أبداً مما يستدعي منه أن يكون دقيقاً في رفض أو قبول هذه الحقائق أو التصورات، وأن يكون اكثر دقة في التعامل مع القضايا والأمور الغيبية التي لم يسمح له الوقت بتكوين تصور معقول وواقعي عن حقيقتها وكنهها، لأننا نعي تمام الوعي أن التعامل مع القضايا الغيبية والروحية من دون استعداد علمي وعملي مسبقين عمل له خطورته الكبيرة على ذات الشخص وعلى الآخرين ممن يرتبطون به، وهذا ما سنقوم ببيانه في النقطة الرابعة من هذه الكلمة.

وما قدمناه من تصوير عن عالم الغيب وتعدد وجوداته وتنزلاته فيما مر وسبق هو نتاج أفكار العرفاء الإسلاميين، وهناك تصوير آخر حاول العلماء الطبيعيون من خلاله تقديم بعض الحقائق عن العالم الغيبي، وأكثر هذه الحقائق ينسجم ولا يتعارض مع الحقائق التي استطاع عرفاء الإسلام التوصل إليها واكتشافها في هذا المجال، ومنذ بدايات القرن العشرين الميلادي توجهت أنظار الكثير من العلماء في أوربا وأمريكا والاتحاد السوفيتي السابق إلى البحث في القضايا الروحية والغيبية، وتوصلوا من خلال بحوثهم التجريبية والمختبرية إلى نتائج مهمة في المجالين الروحي والغيبي يمكننا اعتبارها أوليات البحوث الروحية والغيبية التي أهتم بها أشد الاهتمام في الوسط الإسلام علم العرفان.

ويقوم التصوير الذي يقدمه العلماء المحدثون عن العوالم الغيبية على الاعتقاد بانقسام العالم إلى عالمين: عالم فيزيقي وهو العالم المادي الذي نحسه ونشعر به وندرك موجوداته، وعالم أثيري هو بمثابة العالم الغيبي الذي لا نحسه ولا نشعر به ولا ندرك موجوداته إلا من خلال تأثيراته التي تنعكس في بعض الأحيان على عالمنا المادي الفيزيقي.

وفي مقام بيان وشرح بعض حقائق الإنسان الغيبية يقول جيمس آرثر فند لاي ـ وهو ممن توصلوا إلى نتائج مهمة وجيدة في البحث الروحي ـ في كتابه "على حافة العالم الأثيري": "إن الإنسان مكون من جسم ونفس وروح، فالجسم ما نراه، والنفس هي العقل، والروح هي الجسم الأثيري الذي يطابق في الشكل الجسم الفيزيقي وهي التي تجعل هذا الجسم الفيزيقي يتماسك، وما الموت إلا انفصال الجسم الأثيري عن الجسم المادي، ويحمل هذا الجسم الأثيري معه العقل او النفس، وعندئذ ننظر إلى الكون من وجهة النظر الأثيرية لا وجية النظر المادية، ويصبح العالم المادي أمراً تافهاً لا يعتد به. أما الأثيري ـ وهو ما نسميه نحن الفضاء ـ فليس إلا مادة حقيقية في صيغة أكثر تخلخلاً، وهو العالم الحقيقي الذي يعتد به، وهو ما عرفنا عن تكوينه كون مستقر ثابت، في حين أن الكون المادي دائب التغير سائر إلى الانحلال، ولا يوجد في الكون الأثيري أي أثر للانحلال، بل إن كل شيء فيه ثابت منتظم.

أما عقل الإنسان فشيء فوق الأثيري، ولا يستطيع أي إنسان وهو في جسمه الفيزيقي أن يشرح العقل ويفسره، ولكنه لابد أن يكون شيئاً فوق الأثيري لأنه يعمل بعد الموت، فهو الذي يرشد الجسم الأثيري ويضبطه". (على حافة العالم الأثيري: فندلاي 25 ـ 26).

وعن الجسم الأثيري يقول فندلاي: "والجسم الأثيري هو الذي يحفظ كيان الجسم المادي فوق الأرض، ومن الجائز أن يكون لكل شيء في الوجود جسم أثيري، ولن يتغير العقل بالموت ولكنه يؤدي وظائفه في أوساط أخرى مغايرة". (على حافة العالم الأثيري: فندلاي 25 ـ 26).

ورغم ما توصل إليه فندلاي من حقائق عن عالم الغيب والروح فإنه كان يقول عن الحياة: "والحياة شيء آخر غير المادة الفيزيقية، وهي من خصائص العالم الأثيري، أما لماذا أو متى امتزجت بالمادة الفيزيقية فأمر لا نعرفه". (على حافة العالم الأثيري: فندلاي25 ـ 26).

وهذه هي بعض ملامح العالم الغيبي وهي لا تعدو أن تكون مجرد تصورات أولية عن حقيقة العالم الغيبي وموجوداته، وإلا فإن حقائق هذا العالم لا تنفذ ولا تتناهى ولا يمكن الاحاطة بها واستعراضها في كتاب بل ولا في كتب كثيرة، ولقد صدق تبارك وتعالى حينما قال: (ويسئلونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً). (الإسراء: 85)


 شبكة البتول عليها السلام  @ 11-2006  -  www.albatoul.net

إنتاج : الأنوار الخمسة للإستضافة والتصميم @ Anwar5.Net