وسنحاول تقديم هذه الحقائق وتلك التصورات من خلال النقاط الأربع التالية:
النقطة الأولى: ضرورة الإيمان بالغيب: من السمات البارزة التي يذكرها القرآن الكريم للمؤمنين هي إيمانهم الراسخ بعالم الغيب فيقول تعالى: (الم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب...). (البقرة: 1 ـ 3)
ويقول عز شأنه: (إنما تنذر من اتبع الذكر وخشى الرحمن بالغيب فبشره بمغفرة وأجر كريم). (يس: 11)
ويقول سبحانه: (إن الذين يخشون ربهم بالغيب لهم مغفرة وأجر كبير). (الملك: 12)
وتذكيرنا بهذه الحقيقة يأتي من أجل لفت النظر والتنبيه على أن الإنسان مادام في هذه الدنيا فإنه تبقى كثير من الأمور بالنسبة إليه في نطاق الغيب ومجاله، ومهما أوتي الإنسان من سعة علم ومعرفة فإن معرفته في أكثر الأحيان لا تتعدى حدود المعرفة الظاهرية والسطحية للأشياء، وهذا يستلزم من الإنسان أن لا يعجب بما وصل إليه من علوم ومعارف، وأن يعي كل الوعي أن فوق كل ذي علم عليم، وهذه الأمور هي التي يذكرنا بها القرآن حينما يقول: (والله يعلم وأنتم لا تعلمون). (البقرة: 216)
وحينما يقول: (وفوق كل ذي علم عليم) (يوسف: 76)، وحينما يقول (يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا) (الروم: 7)، وحينما يقول: (وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً) (الإسراء: 85)، وحينما كرر أكثر من مرة قوله تعالى: (ولكن أكثر الناس لا يعلمون). (يوسف: 21)
وهذه الآيات وغيرها تدفعنا لتفويض أمر الغيب والعلم به بكل تفاصيله إلى الله لأنه (... لا يعلم من في السماوات والأرض والغيب إلا الله) (النمل: 65)، وقد أخبرنا جل شأنه بأنه لا يطلع أحدا على الغيب إلا من شاء من رسول أو نبي فقال: (وما كان الله ليطلعكم على الغيب ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء). (آل عمران: 179)
ولذا فإن عباد الله الصالحين يرجعون العلم بالغيب إلى الله، وهذا ما يحكيه القرآن حينما يقول: (يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم قالوا لا علم لنا إنك أنت علام الغيوب). (المائدة: 109)
وما نريده من إثارة هذه الأمور المتقدمة والتي ربما تكون معلومة عند الكثير منا هو تنبيه شبابنا المسلم على ضرورة التطلع إلى الغيب وما وراء عالم المادة والطبيعة ولكن من موقع الرغبة في توثيق العلاقة بين العبد وربه، لا من موقع التفكير في الاستئثار بمعلومات ومعارف غيبية يشكل العلم بها امتيازاً نفسياً للإنسان وذلك لأن الإسلام لا يعطي للعلم قيمة مجردة عن العمل، وإنما العلم يراد له أن يكون مقدمة للعمل ووسيلة لتحقق الإنسان بحقيقة العبودية، وكثيرون أولئك الذين حجبهم علمهم عن الله لأنهم لم يعوا أن العلم إنما هو المنزل الأول من منازل السلوك إلى الله، وانه لا ينبغي للسالك إلى الله التوقف عنده والاكتفاء به بل يلزمه تجاوزه إلى منازل القرب الأخر وفي ذلك يقول الإمام الخميني (قده): "فسالك طريق الحقيقة ومسافر سبيل العبودية إذا قطع هذا المنزل بالسلوك العلمي وركب مركب السير الفكري يقع في حجاب العلم ويصل إلى المقام الأول للإنسانية، ولكن هذا الحجاب من الحجب الغليظة وقد قالوا: العلم هو الحجاب الأكبر، ولابد للسالك أن لا يبقى في هذا الحجاب وأن يخرقه ولعله إذا اقتنع بهذا المقام وسجن قلبه في هذا القيد يقع في الاستدراج، والاستدراج في هذا المقام هو أني يشتغل بالتفريعات الكثيرة العلمية ويجول فكره في هذا الميدان، فيقيم لهذا المقصد براهين كثيرة فيحرم من المنازل الأخر ويتعلق قلبه بهذا المقام ويغفل عن النتيجة المطلوبة وهي الوصول إلى الفناء في الله ويصرف عمره في حجاب البرهان وشعبه وكلما كثرت الفروع يصير الحجاب والاحتجاب عن الحقيقة أكثر.
فللسالك أن لا يغتر بمكايد الشيطان في هذا المقام ولا يحتجب بكثرة العلم وغزارته، ولا بقوة البرهان عن الحق والحقيقة ويتأخر عن السير في الطلب وله أن يشمر الذيل بهمته، ولا يغفل عن الجد في طلب المطلوب الحقيقي حتى ينال المقام الثاني.
وهو أن كل ما أدركه عقله بقوة البرهان والسلوك العلمي يكتبه بقلم العقل على صحيفة قلبه كي يوصل ذل العبودية وعز الربوبية إلى القلب ويفرغ من القيود والحجب العلمية".
|