6 ـ الغرور والاستكبار :
إنَّ من عادة الكفّار الاغترار بقدرتهم وقوتهم مع المكابرة عن قبول الحق ، سادرين في غيهم ، لاهين في غفلتهم ، متناسين أو ناسين سخط الله القوي عليهم حتى لكأنهم يظنون أنّ قوتهم لا تضمحل وسطوتهم لا تزول ، وقد سخر القرآن الكريم من ذلك التعجرف والغرور وسفّه أحلام هؤلاء الجهلاء قائلاً : ( أمّن هذا الَّذي هُوَ جُندٌ لَكُم يَنصُرُكُم مِن دونِ الرحمنِ إن الكافِرُونَ إلاّ في غُرُورٍ ) (3). ولهذا ، نراهم عندما يحاول المؤمنون أن يبرهنوا لهم عن قصور هذه الرؤية ، وأنّ معادلات القوة ليست ثابتة ، تأخذهم العزّة بالاِثم ، فيتجهون للعناد والشقاق ، قال تعالى : ( بَلِ الَّذينَ ____________ (1) سورة هود 11 : 87 . (2) سورة البقرة 2 : 14 . (3) سورة الملك 67 : 20 .
( 68 )كَفَرُوا في عِزَّةٍ وشِقاقٍ ) (1).
ومن الاَمثال الرائعة التي ضربها القرآن الكريم في هذا المجال قصة صاحب الجنتين ، الذي كان كافراً غنياً قد أبطرته النعمة ، فأخذ يحاور صاحبه المؤمن الفقير مفتخراً عليه بأمواله وكثرة أعوانه . وما سرده الله من تحاورهما يصوّر للاِنسان بأجلى بيان كيف ينفخ الشيطان في اُنوف أصحاب المال ويطغيهم حتى يلقيهم في مهاوي الهلكة . وكيف يعلو الاِيمان بنفس صاحبه.. ويجعل له حسن العاقبة في الدارين (2).
قال تعالى : ( واضرِب لهُم مَثلاً رَّجُلَينِ جَعلنا لاَحدِهِما جنَّتينِ مِن أعنابٍ وحَففنَاهُما بنخلٍ وجعلنَا بَينَهُما زَرعَاً * كِلتَا الجَنتَينِ ءاتت اُكلَها ولم تَظلِم مِنهُ شَيئاً وفجَّرنا خِلالهُما نَهراً * وكانَ لَهُ ثَمرٌ فقالَ لِصاحبِهِ وهُوَ يَحاورهُ أنا أكثرُ مِنكَ مالاً وأعزُّ نفراً * ودَخلَ جنَّتهُ وَهُوَ ظَالمٌ لِنفسِه قالَ ما أظنُ أن تَبيدَ هذهِ أبداً* ومآ أظُنُّ السّاعةَ قآئمةً ولئِن رُّددتُ إلى رَبّي لاَجدَنَّ خَيراً مِنها مُنقلباً * قالَ لَهُ صاحبُهُ وَهُوَ يُحاورُهُ أكفرتَ بالَّذي خَلقكَ من تُرابٍ ثُمَّ من نُّطفةٍ ثُمَّ سوَّاكَ رجُلاً* لكنّا هُوَ اللهُ ربّي ولا أُشرِكُ بِربّي أحَداً... وأُحِيطَ بثمرهِ فأصبَحَ يُقلّبُ كفَّيهِ على مآ أنفقَ فِيهَا وهِي خَاويةٌ على عُروشِهَا ويقُولُ ياليتَني لم أُشرك بِربي أحَداً * ولم تَكُن لَّهُ فِئةٌ يَنصُرُونهُ مِن دونِ اللهِ وما كانَ مُنتَصِراً.. ) (3).
____________ (1) سورة ص 38 : 2 . (2) الامثال في القرآن ، للدكتور محمود بن الشريف : 105 دار مكتبة الهلال ـ بيروت ط5 . (3) سورة الكهف 18 : 32 ـ 43 .
|