5 ـ السخرية والاستهزاء بالآخرين :
ولما كان الكافر جاهلاً يعجز ـ عادة ـ عن الرد على أهل الاِيمان بالحجة والبرهان ، يعبر عن عجزه هذا بالاستهزاء بهم والسخرية منهم ، يقول تعالى : ( زُيّنَ للَّذينَ كَفرُوا الحَياةُ الدُّنيا ويَسخَرونَ مِنَ الَّذين آمنُوا..)(2). وهذه أحد علامات الكفّار في كلِّ زمان ومكان ، يسخرون من المصلحين ويتهمونهم بالجهل والتخلف وعدم المسايرة لروح العصر !
فعلى سبيل المثال ، لما أمر الله نوحاً أن يصنع السفينة ، كان تحوله من داعٍ إلى الله إلى نجّار سبباً في تعجب الكفّار فجعلوا من هذا الاَمر مادةً للسخرية والتندّر عليه .. ( ويَصنَعُ الفُلكَ وكُلَّما مرَّ عَليهِ ملاٌَ مِّن قَومِهِ سَخِرُوا مِنهُ قال إن تَسخَرُوا مِنَّا فإنّا نَسخَرُ مِنكُم كَما تَسخَرُونَ ) (3).
وكان أهل مدين لا يؤمنون بالله ويعبدون سواه وكانوا من أسوأ الناس معاملة ينقصون الكيل والميزان إذا باعوا ، فبعث الله فيهم رجلاً منهم وهو ____________ (1) سورة يوسف 12 : 26 ـ 28 . (2) سورة البقرة 2 : 212 . (3) سورة هود 11 : 38 .
( 67 )رسوله شعيب عليه السلام فدعاهم إلى عبادة الله وحده ، ونهاهم عن تعاطي هذه الافعال القبيحة وأمرهم بالعدل وحذرهم من عاقبة الظلم ، ولكن القوم أصروا على باطلهم وقابلوه بالاستهزاء والتهكم ( قالوا يا شُعيب أصلواتُكَ تأمرُكَ أن نَّترك ما يعبدُ ءآباؤنا أو أن نَّفعل في أموالنا ما نشاءُ.. ) (1).
وهذه النفسية المعقدة سببت لهم ضياع فرص الهداية إلى الاَبد إذ كلّما سمعوا كلاماً فسروه تفسيراً سلبياً واستهزؤا به .
ويصف لنا تعالى حالة التذبذب والنفاق التي يعيشها هؤلاء بقوله الكريم : ( وإذا لَقُوا الَّذينَ آمنُوا قَالُوا آمَنّا وإذا خَلَوا إلى شَياطِينِهِم قَالُوا إنّا مَعكُم إنَّما نَحنُ مُستهزِؤنَ ) (2).
|