4 ـ الخيانة والمكر والخداع والكذب :
ومن العلامات البارزة في حياة الكفّار الخيانة والمكر والخداع والكذب، إذ لا رادع لهم عن ذلك لاَنّهم فقدوا لذة الاِيمان ودوره في محاسبة النفس ، وقد شخّص الاِمام علي عليه السلام بدقة علامات الكافر بقوله : « الكافر خبٌّ لئيم ، خؤون مغرور بجهله.. » (1). والخبّ هو : «الخدّاع ومعناه الذي يفسد الناس بالخداع ويمكر ويحتال في الاَمر ، يقال فلان (خبّ ضبّ) إذا كان فاسداً مفسداً مراوغاً» (2).
وأما الكذب فهو من أخصّ علامات الكافرين ، قال تعالى : ( بل الَّذينَ كفروا يُكذّبُونَ ) (3). وقال أيضاً : ( إنَّما يَفتَري الكَذِبَ الَّذينَ لا يؤمِنُونَ بآياتِ اللهِ وأُولئكَ همُ الكاذِبُونَ ) (4)فمما يميز المؤمن عن الكافر هو أنّ الاَخير يكذب ويخون الاَمانة وبذلك لا يمكن الثقة بأقواله ومعاملاته ، قال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم : « إياكم والكذب فإنَّ الكذب مجانب للاِيمان » (5). وقال أيضاً : « كلُّ خلَّةٍ يُطبع عليها المؤمن إلاّ الخيانة والكذب » (6). وقد ورد عن الحسن بن محبوب قال : قلتُ لاَبي عبدالله عليه السلام : يكون المؤمن بخيلاً ؟ قال : « نعم ، قلتُ : فيكون كذّاباً ؟ قال : لا ولا خائناً ، ثم قال : يُجبل ____________ (1) غرر الحكم . (2) مجمع البحرين ، للشيخ الطريحي 2 : 48 . (3) سورة الانشقاق 84 : 22 . (4) سورة النحل 16 : 105 . (5) كنز العمال 3 : 620 | خ 8206 . (6) المصدر السابق : خ 8211 .
( 65 )المؤمن على كلِّ طبيعة إلاّ الخيانة » (1).
ولا بدَّ من التنويه على أنّ المؤمن قد يكذب ولكن بداعي الصلاح أما الكافر فيكذب بداعي الفساد وشتان ما بين الداعيين ، وقد أحب الله تعالى الكذب في الصلاح ، جاء في وصية النبي صلى الله عليه وآله وسلم للاِمام علي عليه السلام : «.. يا علي إنَّ الله عزَّ وجلَّ أحبَّ الكذب في الصلاح وأبغض الصدق في الفساد » (2) . وقال له أيضاً : « يا علي : ثلاث يحسن فيهنَّ الكذب : المكيدة في الحرب ، وعِدتك زوجتك ، والاصلاح بين الناس .. » (3). فالكافر إذن يتصف بالكذب ، وهو عندما يواجهه المؤمن بالبرهان الذي يكشف عن زيف دعواه ، تستبد به الحيرة ويتملكه الاضطراب فيتهم المؤمن بالكذب ! ومن الشواهد القرآنية على هذا المنحى المنحرف ، موقف أهل مدين من دعوة شعيب وما سبقه من الرسل فقد : ( كذَّبَ أصحابُ الاَيكةِ المُرسَلِينَ * إذ قَال لهُم شُعيبٌ ألا تَتقُونَ * إنّي لكُم رسُولٌ أمينٌ.. قالوا إنَّما أنتَ مِنَ المُسحَّرِينَ * وما أنتَ إلاّ بشرٌ مِثلُنا وإن نَّظُنكَ لَمِنَ الكَاذِبينَ ) (4). ومن الشواهد القرآنية الاُخرى الدالة على تكذيب الكاذب للمؤمن ماقصّه الله تعالى من كذب زليخا امرأة العزيز على يوسف عليه السلام عندما راودته عن نفسه وعرضت عليه مفاتنها ، ولما استعصم قذفته كذباً وزوراً ، ولكن يوسف دفع التهمة عن ساحته ، وقيّض الله تعالى له حكماً من أهلها ____________ (1) الاختصاص : 231 . (2) مكارم الاخلاق ، للطبرسي : 433 . (3) المصدر السابق : 437 . (4) سورة الشعراء 26 : 176 ـ 186 .
( 66 )فقطع النزاع كما حكاه القرآن الكريم : (.. إنَّ كانَ قميصهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَت وهُوَ مِنَ الكاذِبينَ * وإن كانَ قميصُهُ قُدَّ مِن دُبُر فَكَذَبَت وهُوَ مِن الصَّادِقينَ * فلمَّا رءا قَميصَهُ قُدَّ مِن دُبُر قَالَ إنَّهُ مِن كيدكُنَّ إنَّ كَيدَكُنَّ عظيمٌ ) (1). فقد استخدمت هذه المرأة ضد يوسف عليه السلام سلاح الكذب والافتراء ولكن الله صرف عنه السوء والفحشاء .
ولا شكَّ أنّ الاَنبياء عليهم السلام منزّهون عن القبائح كلّها ورأسها الكذب .
|