متون الكتب :  
الفهارس :  
أسماء الكتب والمؤلفين :  
حقيقة احتجاج الزهراء (ع) ، خطبة أبي بكر ، تعليق ابن أبي الحديد على الخطبة ، رد شهادة الزهراء (ع)
الكتاب : ظلامة الزهراء عليها السلام في روايات أهل السنة    |    القسم : مكتبة رد الشبهات

حقيقة احتجاج الزهراء (ع)

 

قد يتساءل البعض عن احتجاج الزهراء ء÷ هل كان الغرض منه مادياً للحصول على هذا العقار أو هذه الأرض أم أن المسألة أبعد من ذلك، أو قل بعبارة أخرى ماذا أرادت الزهراء من هذه الطالبة؟ ما هو جوهر هذه القضية وما هو الهدف منها؟

والجواب عن ذلك يتضح من خلال النقاط التالية:

أولاً: خطبتها÷ تكشف بشكل واضح أن الأمر كان سياسياً بلغة العصر التي نتداولها اليوم، فلو تأملنا بمفردات خطبتها، نجد أن ملامحها ومسارها وخطوطها الرئيسية والمفصلية يشير إلى حق مسلوب ومغيّب إلا وهو أمر الإمامة.

قالت÷ كما يروي لنا ذلك ابن أبي الحديد:

>أين زحزحوها عن رواسي الرسالة وقواعد النبوة ومهبط الروح الأمين والطيبين بأمر الدنيا والدين ألا ذلك هو الخسران المبين! وما الذي نقموا من أبى حسن! نقموا والله نكير سيفه وشدة وطأته ونكال وقعته وتنمره في ذات الله، وتالله لو تكافوا عن زمام نبذه إليه رسول الله صلى الله عليه وآله لاعتلقه ولسار إليهم سيراً سجحا لا تكلم حشاشته ولا يتعتع راكبه ولأوردهم منهلاً نميراً فضفاضاً يطفح ضفتاه ولأصدرهم بطانا قد تحير بهم الرأي غير متحل بطائل إلا بغمر الناهل وردعه سورة الساغب ولفتحت عليهم بركات من السماء والأرض وسيأخذهم الله بما كانوا يكسبون. ألا هلم فاستمع وما عشت أراك الدهر عجبه وأن تعجب فقد أعجبك الحادث إلى أي لجأ استندوا وبأي عروة تمسكوا! لبئس المولى ولبئس العشير ولبئس للظالمين بدلا! استبدلوا والله الذنابى بالقوادم والعجز بالكاهل فرغماً لمعاطس قوم يحسبون أنهم يحسنون صنعا...<([1]).

فلو تمعنا في هذه النصوص لوجدنا أن الزهراء ÷ ركّزت في خطبتها على أمور هي في صميم الإسلام وهي:

إنّ أمر الخلافة قد زحزح لغير محله، وان رواسي الرسالة وقواعد النبوة ومهبط الوحي الأمين المتمثل بأمير المؤمنين- الذي بذل الغالي والرخيص في سبيل الإسلام، والمتنمر في ذات الله، قد اخذ دوره، - لو كان له الأمر كما لو أراد رسول الله صلى الله عليه واله، لفتحت عليهم بركات من السماء والأرض... إلى آخر كلماتها فكلها تصب في هذا المعنى.

خطبة أبي بكر

أما خطبة أبي بكر التي خطبها والتي علق فيها على خطبة الزهراء معترضا عليها، ففيها إشارة إلى أن مسألة فدك هي في جوهرها وروحها اعتراض على الخلافة، وعلى المسار الذي نهجه القوم المغاير لما أراده رسول الله من النص على أمير المؤمنين عليه السلام.

قال ابن أبي الحديد نقلا عن الجوهري:

>فلما سمع أبو بكر خطبتها شق عليه مقالتها فصعد المنبر، وقال: أيها الناس, ما هذه الرعة([2]) إلى كل قالة([3])! أين كانت هذه الأماني في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا من سمع فليقل, ومن شهد فليتكلم, إنما هو ثعالة،([4]) شهيده ذنبه ([5]), مربّ لكل فتنة، هو الذي يقول: كرّوها جذعة([6])  بعد ما هرمت, يستعينون بالضعفة ويستنصرون بالنساء، كأم طحال أحب أهلها إليها البغي. ألا أنى لو أشاء أن أقول لقلت ولو قلت لبحت, إني ساكت ما تركت. ثم التفت إلى الأنصار فقال: قد بلغني يا معشر الأنصار مقالة سفهائكم, وأحق من لزم عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أنتم، فقد جاءكم فآويتم ونصرتم ألا إني لست باسطاً يداً ولا لساناً على من لم يستحق ذلك منا. ثم نزل, فانصرفت فاطمة عليه السلام إلى منزلها<([7]).

تعليق ابن أبي الحديد على الخطبة

قال ابن أبي الحديد: >قرأت هذا الكلام على النقيب أبي يحيى جعفر بن يحيى بن أبي زيد البصري، وقلت له: بمن يعرض؟ فقال؛ بل يصرح. قلت: لو صرح لم أسألك. فضحك، وقال: بعلي بن أبي طالب عليه السلام, قلت: هذا الكلام كله لعلي يقوله! قال, نعم, إنه الملك يا بني، قلت: فما مقالة الأنصار؟ قال: هتفوا بذكر علي، فخاف من اضطراب الأمر عليهم, فنهاهم<([8]).

السؤال المهم هنا هو أن الخليفة ماذا فهم من خطبة الزهراء عليها السلام

نقول: فهم من خطبتها أن الزهراء وإن كان حقها الشرعي والقانوني هو مطالبتها بفدك، وهذا واضح؛ ولكن الزهراء تريد الجوهر من هذه القضية، وهو المطالبة بحق علي بن أبي طالب$ في الخلافة؛ لذا نجد الخليفة ركّز في خطبته على التعريض بل التصريح بعلي عليه السلام كما ينقل ابن أبي الحديد، والمسألة مسألة ملك، وهو عقيم.

 

ثانياً: تقدم في بداية بحثنا إن إعطاء فدك وقع بعد نزول آية{وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ} وقد اجمع علماؤنا رضوان الله عليهم، أن المراد بذي القربى هو الإمام، فرسول الله وهبها لها بما إنها كانت أم الأئمة الأطهار وقرينة لأول الأوصياء. ولعل شده قربها من النبي توجب الحياء ومن هتك حريمها والعواطف تعوق دون ابتزاز حقها، ولكن يد السياسة حرمت ما أسسه النبي ما بناه وما أدراك ما السياسة؟!([9]).

 

ثالثاً:حدود فدك المترامية الأطراف في سعتها بحدود المملكة الإسلامية, هذه السعة لا يمكن أن تفسر إلا بأمر ومنصب الإمامة والخلافة.

فقد روى الزمخشري في ربيع الأبرار: >كان الرشيد يقول لموسى الكاظم بن جعفر: يا أبا الحسن خذ فدك حتى أردها عليك، فيأبى، حتى ألحّ عليه، فقال: لا آخذها إلا بحدودها. قال: وما حدودها؟ قال: يا أمير المؤمنين إن حددتها لم تردها، قال: بحق جدك إلا فعلت، قال: أما الحد الأول: فعدن، فتغير وجه الرشيد وقال: هيه, قال، والحد الثاني: سمرقند، فأربد وجهه، وقال: هيه, والحد الثالث: أفريقية، فاسود وجهه، وقال: هيه، قال، والرابع: سيف البحر مما يلي الخزر وأرمينيه، قال الرشيد: فلم يبق لنا شيء فتحول في مجلسي؟ قال موسى: قد أعلمتك أني أن حددتها لم ترّدها. فعند ذلك عزم على قتله...<([10]).

وروى الكليني عن علي بن اسباط، قال: >لما ورد أبو الحسن× على المهدي رآه يرد المظالم، فقال: ما بال مظلمتها لا ترد.... فقال له المهدي يا أبا الحسن حدها لي، فقال: حد منها جبل أحد، وحد منها عرش مصر، وحد منها سيف البحر، وحد منها دومة الجندل، فقال له، كل هذا؟ قال: نعم هذا كله مما لم يوجف على أهله رسول الله بخيل ولا ركاب فقال كثير وانظر فيه<([11]).

 

إذن واضح من هذه النصوص أن فدكاً كانت حدودها واسعة، جداً وواضح من كلام الرشيد قوله: >انه لم يبق لنا شيء وتحول في مجلسي < أن الأمر غير مقصور يرتبط بأمر الإمامة وهذا ما أكدت عليها الزهراء في خطبتها.

إذن هبة الرسول فدكاً لفاطمة÷، لا لأنها ابنته فقط؛ بل لأن بيتها مهبط الملائكة ومحور حفظ الكتاب والسنة وضمان مستقبل الأمة، وهذا كان من أهم المصالح العامة. فهو أراد دعم بيت الإمامة من الجهة المالية، وبهذا الملاك أعطى ونحل فاطمة فدك، وبهذا الملاك أيضاً ابتزها الغاصبون. ومطالبة الميراث كانت في الرتبة المتأخرة ومن باب المماشاة، بعد أن رفض الحق الموهوب لها كما يظهر لمن تتبع([12]). 

لذا نجد أن الإمام× في كتابه لعثمان بن حنيف يشير لهذه الحقيقة، قال: >وما أصنع بفدك وغير فدك والنفس مظانها في غد جدث... إلى آخر الخطبة<([13]).

رد شهادة الزهراء (ع)

عند مطالبة الزهراء بفدك أمام الخليفة أبي بكر رُدّت شهادتها؛ بدعوى أن شهادة زوجها يجر نفعاً، وشهادة أم أيمن قاصرة عن نصاب الشهادة.

قال الهيتمي في الصواعق المحرقة:

>ودعوى فاطمة أنه نحلها فدكاً لم تأت عليها إلا بعلي وأم أيمن فلم يكمل نصاب البينة.. إلى آخر كلامه<([14]).

نقول: أولاً: تنقل لنا الروايات الصحيحة أنّ أبا بكر غفل عن أخذ البينة من جابر بن عبد الله الأنصاري وأبو بشير المازني لما جاء يطلب مالاً كان قد أوعده النبي بذلك.

جاء في صحيح البخاري: >عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهم، قال: لما مات النبي جاء أبا بكر مال من قبل العلاء بن الحضرمي، فقال: أبو بكر من كان له على النبي دين أو كانت له قبله عدة فليأتنا قال جابر: فقلت وعدني رسول الله أن يعطيني هكذا وهكذا وهكذا، فبسط يديه ثلاث مرات، قال جابر: فعد في يدي خمسمائة ثم خمسمائة ثم خمسمائة<([15]).

وفي الطبقات لابن سعد: >عن أبي سعيد الخدري أنه قال: سمعت منادي أبي بكر ينادي بالمدينة حين قدم عليه مال البحرين: من كانت له عدة عند رسول الله فليأت, فيأتيه رجال فيعطيهم, فجاء أبو بشير المازني، فقال: إن رسول الله قال: يا أبا بشير، إذا جاءنا شيء فأتنا, فأعطاه أبو بكر حفنتين أو ثلاثاً، فوجدوها ألفاً وأربعمائة درهم<([16]).

فإذا كان أبو بكر لا يطالب أحداً من الصحابة بالبينة على الدين أو العدة؛ فكيف طالب الزهراء ببينة على النحلة.

ثانياً: إنّ احتياج القاضي إلى البينّة هو لغلبه الظن أن المدعي صادق فيما يدعيه، لذلك قالوا: إن العدالة لها تأثير كبير في الشهادة، لان لها مدخلية في غلبة الظن بصدقه، فالحاكم أو القاضي يستطيع أن يحكم بعلمه، لان العلم أقوى من الشهادة.

لذا نجد أن رسول الله أجاز شهادة خزيمة بن ثابت،عندما شهد له، عند نزاعه مع ذلك الإعرابي في ناقة، وهو غير عالم بهذه الدعوى.

فعندما سأله رسول الله (من أين علمت شرائي لها) فقال: لا؛ ولكن علمت ذلك من حيث أنك رسول الله، فقال له النبي، أجزت شهادتك، فسمي خزيمة بذلك ذا الشهادتين([17]).

فالزهراء هي كرسول الله الصادق في القول والفعل، والمفروض أن شهادتها تورث العلم عند من ادعت حقها لديه.

روى الحاكم النيسابوري عن عائشة: >أنها كانت إذا ذكرت فاطمة بنت النبي، قالت: ما رأيت أحداً كان أصدق لهجةً منها؛ إلا أن يكون الذي ولدها. ـ ثم قال ـ : هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه<([18]).

فمن كان صادقاً في اللهجة، كما تصرح عائشة، هل يحتاج إلى البينة فيما يقول لاسيما والقائلة هي الزهراء÷؟!  

ثالثاً: إن الزهراء÷ معصومة من الخطأ مأموناً منها فعل القبيح، ومن هذه صفته لا يحتاج فيما يدعيه إلى شهادة ولا بينة.

الدليل على عصمتها÷

1ـ قوله تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}([19]) وهذه الآية تتناول جماعة منهم فاطمة÷ [بما تواترت الأخبار في ذلك] وأن الإرادة ها هنا دلالة على وقوع الفعل المراد.

2ـ قوله (فاطمة بضعة مني فمن أغضبها أغضبني) ([20]).

 وهذا يدل على عصمتها؛ لأنها لو كانت ممن يقارف الذنوب لم يكن من يؤذيها مؤذياً له على كل حال؛ بل كان فعل المستحق من ذمها وإقامة الحد [عليها] ـ إن كان الفعل يقتضيه ـ سارا له ومطيعاً, على أنا لا نحتاج فيما نريد أن نبنيه على هذا الكلام إلى القطع على عصمتها. بل يكفي في هذا الموضع العلم بصدقها فيما ادعته، وهذا لا خلاف فيه بين المسلمين, لأن أحداً لا يشك أنها÷ لم تدّع ما ادعته كاذبة, وليس بعد أن لا تكون كاذبة إلا أن تكون صادقة ([21]).



([1]) نهج البلاغة، ج16ص233-234.

([2]) الرعة بالتخفيف, أي الاستماع والإصغاء.

([3]) القالة: القول.

([4]) وثعالة: اسم الثعلب علم غير مصروف, ومثله ذؤاله للذئب.

([5]) وشهيده ذنبه: أي لا شاهد له على ما يدعى إلا بعضه وجزء منه.

([6]) وكروها جذعة: أعيدوها إلى الحال الأولى, يعنى الفتنة والهرج.

([7]) شرح نهج البلاغة، ج16ص214- 215.

([8]) شرح نهج البلاغة، ج16ص215.

([9]) دراسات في ولاية الفقيه، ص332.

([10]) الزمخشري: ربيع الأبرار، ج1 ص315ـ316.

([11]) الكليني: الكافي، ج1 ص543.

([12]) المنتظري: دراسات في ولاية الفقيه, ص331. الناشر: دار الفكر ـ قم ـ إيران. 

([13]) نهج البلاغة، ج3 ص71.

([14]) ابن حجر الهيتمي: الصواعق المحرقة، ج1 ص93. مؤسسة الرسالة ـ لبنان ـ 1417هـ.

([15]) صحيح البخاري، ج3 ص163. باب القرعة في المشكلات.

([16]) محمد بن سعد: الطبقات الكبرى، ج2 ص318ـ319.

([17]) الطبراني: المعجم الكبير، ج4 ص87، النشار: دار إحياء التراث العربي، وانظر: ابن الأثير، أسد الغابة: ج2 ص114. الناشر: دار الكتاب العربي ـ بيروت.

([18]) الحاكم النيسابوري: المستدرك على الصحيحين، ج2 ص161ـ162، الناشر: دارا لمعرفة ـ بيروت.

([19]) الأحزاب/33.

([20]) صحيح البخاري، ج4 ص210.

 قال ابن تيمية: حديث > إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يا فاطمة؟ إن الله يغضب لغضبك و يرضى لرضاك<. فهذا كذب منه ( أي العلامة)، ما رووا هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا يعرف هذا في شيء من كتب الحديث المعروفة, ولا الإسناد معروف عن النبي صلى الله عليه وسلم لا صحيح ولا حسن. انظر منهاج السنة:ج4ص248-249.

قال الاميني رحمه الله معقّبا على كلام ابن تيمية:

ليتني عرفت هل المقحم للرجل في أمثال هذه الورطة، جهله المطبق وضيق حيطته عن الوقوف على كتب الحديث؟! ثم إن الرعونة تحدوه إلى تكذيب ما لم يجده تكذيبا باتا؟ أو: أن حقده المحتدم لآل بيت الوحي يتدهور به إلى هوة المناوئة لهم بتفنيد فضائلهم ومناقبهم.

أحسب أن كلا الداءين لا يعدوانه. أما الحديث فله إسناد معروف عند الحفاظ والأعلام، صححه بعضهم وحسنه آخر، وأنهوه إلى النبي الأقدس صلوات الله عليه وآله. انظر: الغدير ج3 ص180-181.

([21]) الشافي في الإمامة، ج4 ص94ـ95.


 شبكة البتول عليها السلام  @ 11-2006  -  www.albatoul.net

إنتاج : الأنوار الخمسة للإستضافة والتصميم @ Anwar5.Net