الشبهة السابعة
قال الدمشقية: ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة (2/56) روى عن أبي بكر الجوهري، فقال: قال أبو بكر: وقد روي في رواية أخرى أن سعد بن أبي وقاص كان معهم في بيت فاطمة&، والمقداد بن الأسود أيضا، وأنهم اجتمعوا على أن يبايعوا علياً$، فأتاهم عمر ليحرق عليهم البيت، وخرجت فاطمة تبكي وتصيح.. إلى آخره.
وفي صفحة (57): قال أبو بكر: وحدثنا عمر بن شبة بسنده عن الشعبي، قال: سأل أبو بكر فقال: أين الزبير؟! فقيل: عند علي وقد تقلد سيفه.
فقال: قم يا عمر! قم يا خالد بن الوليد! انطلقا حتى تأتياني بهما.
فانطلقا، فدخل عمر، وقام خالد على باب البيت من خارج، فقال عمر للزبير: ما هذا السيف؟ فقال: نبايع علياً. فاخترطه عمر فضرب به حجراً فكسره، ثم أخذ بيد الزبير فأقامه ثم دفعه، وقال: يا خالد! دونكه فأمسكه، ثم قال لعلي: قم فبايع لأبي بكر! فأبى أن يقوم، فحمله ودفعه كما دفع الزبير فأخرجه، ورأت فاطمة ما صنع بهما، فقامت على باب الحجرة، وقالت: يا أبا بكر ما أسرع ما أغرتم على أهل بيت رسول الله! والله لا أكلم عمر حتى ألقى الله.
وقال ابن أبي الحديد في صفحة (59 و60): فأما امتناع علي $ من البيعة حتى أخرج على الوجه الذي أخرج عليه. فقد ذكره المحدثون ورواه أهل السير، وقد ذكرنا ما قاله الجوهري في هذا الباب، وهو من رجال الحديث، ومن الثقات المأمونين، وقد ذكر غيره من هذا النحو ما لا يحصى كثرة.
وأجاب الدمشقية: ابن أبي الحديد رافضي حجة على رافضي مثله لا علينا. قال الخونساري « هو عز الدين عبد الحميد بن أبي الحسن بن أبي الحديد المدائني (صاحب شرح نهج البلاغة، المشهور) هو من أكابر الفضلاء المتتبعين، وأعاظم النبلاء المتبحرين موالياً لأهل بيت العصمة والطهارة.. وحسب الدلالة على علو منزلته في الدين وغلوه في ولاية أمير المؤمنين$، شرحه الشريف الجامع لكل نفيسة وغريب، والحاوي لكل نافحة ذات طيب.. كان مولده في غرة ذي الحجة 586، فمن تصانيفه "شرح نهج البلاغة" عشرين مجلداً، صنفه لخزانة كتب الوزير مؤيد الدين محمد بن العلقمي، ولما فرغ من تصنيفه أنفذه على يد أخيه موفق الدين أبي المعالي، فبعث له مائة ألف دينار، وخلعة سنية، وفرساً» (روضات الجنات5/20-21 وانظر الكنى والألقاب للقمي1/185 الذريعة- آغا بزرگ الطهراني41/158).
جواب الشبهة:
أولاً: ابن أبي الحديد مذهبه الاعتزال وليس التشيع
قولكم: إنّ ابن أبي الحديد رافضي، هذا القول يجافي الحقيقة تماماً، وما استشهدتم به من قول الخوانساري لا يدل على كون الرجل من الشيعة؛ لأنكم قطّعتم كلامه، وهذا هو التدليس المستهجن، ولو قرأنا بعضاً من كلماته لاتضحت الحقيقة:
قال في ترجمته: >الشيخ الكامل الأديب المؤرخ عبد الحميد بن أبي الحسين بهاء الدين الحكيم الأصولي المعتزلي...رأيته بين علماء العامة بمنزلة عمر بن عبد العزيز الأموي بين خلفائهم..
ثم قال: وظاهر كثير من أهل السنة أيضا إنكار تسنن الرجل رأساً، بعد تشبث الشيعة في إسكاتهم والإلزام عليهم بكلماته المفيدة وإنصافاته المجيدة واعترافاته المكررة الحميدة<().
إذن فالخوانساري ينكر عليهم تشيعه، فالرجل كما يقول من المعتزلة، ومن علماء العامة؛ ولكنه منصف في كلماته ومعترف بالحق.
وأما القمي، فقال عنه:>كان مذهبه الاعتزال كما شهد لنفسه في إحدى قصائده في مدح أمير المؤمنين$، بقوله: ورأيت دين الاعتزال وإنني أهوى لأجلك كل من يتشيع<().
أضف إلى ذلك أنّ علماءكم يصنفون الرجل من أعيان المعتزلة، قال الزركلي: >عبد الحميد بن هبة الله بن محمد بن الحسين بن أبي الحديد، أبو حامد، عز الدين، عالم بالأدب، من أعيان المعتزلة< ().
ثانياً: نظرية تقديم المفضول على الفاضل
وكون ابن أبي الحديد محباً لعلي$، ويرى أنّه الأفضل، فهذا لايصيّره شيعياً، أضف إلى ذلك انه يؤمن بنظرية تقديم المفضول على الفاضل، والأمامية لا تؤمن بهذا الكلام مطلقاً.
قال الشيخ الطوسي^:
>ولا يجوز تقديم المفضول على الفاضل؛ لأن تقديمه عليه وجه قبح، ومع حصول وجه القبح لا يحسن ذلك، كما لا يحسن الظلم، وإن عرض فيه وجه من وجوه الحسن - ككونه نفعاً للغير - لأن مع كونه ظلماً - وهو وجه القبح - لا يحسن على حال. ولو جاز أن يحسن ذلك لعلة لجاز أن يحسن تقديم الفاسق المتهتك على أهل الستر والصلاح، وتقديم الكافر على المؤمن لمثل ما قالوه، وذلك باطل< ()
ثالثاً: مذهب ابن أبي الحديد في إيمان أبي طالب
إن ابن أبي الحديد مذهبه هو: التوقف في إيمان أبي طالب وإسلامه وهذا مخالف لما تذهب إليه الشيعة الإمامية من إيمانه وإسلامه، وذكروا الأدلة في ذلك حتى أن الشيخ المفيد كتب رسالة في إيمان أبي طالب().
وإليك ما قاله ابن أبي الحديد في إيمان أبي طالب:
>قلت: فأما أنا فإن الحال ملتبسة عندي، والأخبار متعارضة، والله أعلم بحقيقة حاله كيف كانت.
ثم يقول: ويقف صدري في رسالة النفس الزكية إلى المنصور، وقوله فيها ( فأنا ابن خير الأخيار، وأنا ابن شر الأشرار، وأنا ابن سيد أهل الجنة، وأنا ابن سيد أهل النار ). فإن هذه شهادة منه على أبي طالب بالكفر، وهو ابنه وغير متهم عليه، وعهده قريب من عهد النبي صلى الله عليه وآله، لم يطل الزمان فيكون الخبر مفتعلاً().
وجملة الأمر أنه قد روي في إسلامه أخبار كثيرة، وروى في موته على دين قومه أخبار كثيرة، فتعارض الجرح والتعديل، فكان كتعارض البينتين عند الحاكم، وذلك يقتضى التوقف، فأنا في أمره من المتوقفين<.() (انتهى كلام ابن أبي الحديد).
رابعاً: مذهب ابن أبي الحديد في إسلام آباء الأنبياء
الظاهر أن ابن أبي الحديد يؤيد القول أن آباء الأنبياء مشركون لاسيما نبينا صلى الله عليه وآله؛ وذلك لما نجده من رده للأدلة التي ساقتها الشيعة من أنهم منزهون عن الشرك().
وإليك ما قاله في هذه المسالة:
>قلت: وهذا الاحتجاج عندي ضعيف، لأن المراد من قوله ( نقلنا من الأصلاب الطاهرة إلى الأرحام الزكية ) تنزيه آبائه وأجداده وأمهاته عن السفاح لا غير، هذا مقتضى سياقة الكلام، لأن العرب كان يعيب بعضها بعضاً باختلاط المياه واشتباه الأنساب ونكاح الشبهة.
وقولهم لو كانوا عبدة أصنام لما كانوا طاهرين، يقال لهم: لِمَ قلتم أنهم لو كانوا عبدة أصنام لما كانوا طاهري الأصلاب فإنه لا منافاة بين طهارة الأصلاب وعبادة الصنم، ألا ترى إنه لو أراد ما زعموه لما ذكر الأصلاب والأرحام، بل جعل عوضها العقائد واعتذارهم عن إبراهيم وأبيه يقدح في قولهم في أبى طالب، لأنه لم يكن أبا محمد صلى الله عليه وآله، بل كان عمه، فإذا جاز عندهم أن يكون العم - وهو آزر - مشركا كما قد اقترحوه في تأويلهم - لم يكن لهم حجة من هذا الوجه على إسلام أبى طالب<().
خامساً: ابن أبي الحديد يشترط على نفسه نقل الأخبار والسير من كتب أهل السنة لا من كتب الشيعة
لو سلمنا جدلاً أن ابن أبي الحديد شيعياً؛ ولكن نقول أنه شرط على نفسه أن ينقل الحوادث في مسألة فدك أو ما وقع من الاختلاف والاضطراب عقب وفاة رسول الله@ من كتب أهل السنة وعلمائهم لا من كتب الشيعة، حيث قال: >فيما ورد من الأخبار والسير المنقولة من أفواه أهل الحديث وكتبهم، لا من كتب الشيعة ورجالهم؛ لأنا مشترطون على أنفسنا ألا نحفل بذلك، وجميع ما نورده في هذا الفصل من كتاب أبى بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهري في السقيفة وفدك وما وقع من الاختلاف والاضطراب عقب وفاة النبي صلى الله عليه وآله، وأبو بكر الجوهري هذا عالم محدث كثير الأدب، ثقة ورع، أثنى عليه المحدثون ورووا عنه مصنفاته< ().
فبهذا الشرط ثبت أن كل ما ينقله هو من مصادركم وكتبكم فالحجة عليكم دامغة ولا يمكن التأويل إلا الإذعان والإقرار بذلك.
إذن بعد ما تقدم، هل يمكن أن نقول: إن ابن أبي الحديد شيعي، فهذا من خطل القول وجفاء الحقيقة التي ينشدها العقلاء.
وثاقة ابن أبي الحديد
قال الذهبي في ترجمته لأخيه الموفق: >وكانا [أي الموفق وابن أبي الحديد] من كبار الفضلاء وأرباب الكلام والنظم والنثر والبلاغة<().
ونفس الكلام يذكره ابن كثير: >وكان أكثر فضيلة وأدباً من أخيه أبي المعالي موفق الدين بن هبة الله، وإن كان الآخر فاضلاً بارعاً أيضاً<().
إذن فابن أبي الحديد من كبار الفضلاء البارعين، وهذه شهادة لوثاقة الرجل وحسنه.
إذن مما تقدم تبين بوضوح أن دعوى صاحب الشبهة واهية وضعيفة، وإن ما يتهم به ابن أبي الحديد من التشيع، ظاهر البطلان.
>هؤلاء شيعة أهل البيت # لا يشك أحد منهم في إيمان أبي طالب ويرونه في أسمى مراقيه وعلى صهوته العليا آخذين ذلك يداً عن يد حتى ينتهي الدور إلى الصحابة منهم والتابعين لهم بإحسان،ومذعنين في ذلك بنصوص أئمتهم # بعد ما ثبت عن جدهم الأقدس رسول الله صلى الله عليه وآله.
1- قال المعلم الأكبر شيخنا المفيد في ( أوائل المقالات ) ص 45: اتفقت الإمامية على أن آباء رسول الله صلى الله عليه وآله من لدن آدم إلى عبد الله مؤمنون بالله عز وجل موحدون ـ إلى أن قال: ـ وأجمعوا على أن أبا طالب مات مؤمناً، وأن آمنة بنت وهب كانت على التوحيد... الخ.
2- وقال شيخ الطائفة أبو جعفر الطوسي في التبيان 2: 398: عن أبي عبد الله وأبي جعفر عليهما السلام أن أبا طالب كان مسلماً، وعليه إجماع الإمامية لا يختلفون فيه،ولها على ذلك أدلة قاطعة موجبة للعلم.
3- وقال شيخنا الطبرسي في مجمع البيان 2: 287: قد ثبت إجماع أهل البيت على إيمان أبي طالب وإجماعهم حجة لأنهم أحد الثقلين الذي أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالتمسك بهما بقوله: إن تمسكم بهما لن تضلوا.
4- وقال شيخنا الفتال في روضة الواعظين ص 120: اعلم أن الطائفة المحقة قد أجمعت على أن أبا طالب، وعبد الله بن المطلب، وآمنة بنت وهب، كانوا مؤمنين وإجماعهم حجة.
5- وقال سيدنا الحجة ابن طاووس في الطرائف ص 84: إنني وجدت علماء العترة مجمعين على إيمان أبي طالب. وقال في ص 87: لا ريب أن العترة أعرف بباطن أبي طالب من الأجانب، وشيعة أهل البيت مجمعون على ذلك، ولهم فيه مصنفات وما رأينا وما سمعنا أن مسلما أحوجه ما أحوجهم في إيمان أبي طالب،والذي نعرفه منهم أنهم يثبتون إيمان الكافر بأدنى خبر واحد وبالتلويح،وقد بلغت عداوتهم لبني هاشم إلى إنكار إيمان أبي طالب مع ثبوت ذلك بالحجج الثواقب< وأما الأحاديث التي ذكرها لإيمان أبي طالب فأترك للقارئ المراجعة. الغدير: ج 7ص383- 384.
() نقول: من الأدلة الواضحة والجلية على إسلام آباء النبي صلى الله عليه وآله قوله تعالى:
{وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَآ إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} البقرة/127-128. فمن زعم بعد تلاوة هذه الآية من كتاب الله تعالى أن النبي@- ولد من آباء كفار، فقد زعم أن الأمة المسلمة قد انقطعت من ذرية إسماعيل في وقت من الأوقات. ومن زعم أنها انقطعت في وقت من الأوقات، فقد زعم أن دعوة إبراهيم وإسماعيل$ لم تستجب. ومن قال بذلك، فما آمن بالله،ولا برسوله @، ولا عرف حق أنبيائه.
إذن هذا دليل واضح وقاطع على إيمان عبد الله بن عبد المطلب، وآمنه بنت وهب،وعبد المطلب بن هاشم،وأبي طالب بن عبد المطلب سلام الله عليهم أجمعين.
وقال الفخر الرازي: >ومما يدل أيضاً على أن أحداً من آباء محمد $ ما كان من المشركين قوله$ (لم أزل أنقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات ) وقال تعالى: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ} (التوبة 28 ) وذلك يوجب أن يقال: إن أحداً من أجداده ما كان من المشركين، إذا ثبت هذا فنقول: ثبت بما ذكرنا أن والد إبراهيم $ ما كان مشركاً وثبت أن آزر كان مشركاً فوجب القطع بأن والد إبراهيم كان إنساناً آخر غير آزر<. التفسير الكبير أو مفاتيح الغيب: ج13ص33، دار النشر: دار الكتب العلمية – بيروت، ط1ـ 1421هـ - 2000م.
وزاد زيني دحلان قوله: وقد ارتضى كلامه هذا أئمة محققون،منهم العلامة السنوسي،والتلمساني محشي الشفاء،فقالا: لم يتقدم لوالديه صلى الله عليه وآله شرك،وكانا مسلمين، لأنه عليه الصلاة والسلام انتقل من الأصلاب الكريمة إلى الأرحام الطاهرة،ولا يكون ذلك إلا مع الإيمان بالله تعالى. ( ما نقله المؤرخون قلة حياء وأدب )،وقد أيد جلال الدين السيوطي كلام الفخر الرازي بأدلة كثيرة،وألف في ذلك رسائل،فجزاه الله خيرا،وشكر سعيه. قال حافظ بن ناصر رحمه الله:
تنقّل أحمد نوراً عظيماً تنقّل فيهـم قرناً فقـرنا
|
|
تلألأ في جباه الساجدينا إلى أن جاء خير المرسلينا
|
( انتهى كلام زيني دحلان)
وقال الماوردي في كتاب أعلام النبوة: وإذا اختبرت حال نسبه صلى الله عليه وآله،وعرفت طهارة مولده،علمت أنه سلالة آباء كرام. ليس فيهم مسترذل؛ بل كلهم سادة، قادة. وشرف النسب وطهارة المولد من شروط النبوة. انظر: ( السيرة الحلبية ج 1 ص 28 وفي هامشها،والسيرة النبوية: لزيني دحلان، ج 1 ص 12 ).
|