متون الكتب :  
الفهارس :  
أسماء الكتب والمؤلفين :  
الشبهة السادسة
الكتاب : ظلامة الزهراء عليها السلام في روايات أهل السنة    |    القسم : مكتبة رد الشبهات

الشبهة السادسة

 

قال الدمشقية: محمد بن جرير الطبري في تاريخه (3/203) وما بعدها، قال: دعا عمر بالحطب والنار، وقال: لتخرجنّ إلى البيعة أو لأحرقنّها على من فيها. فقالوا له: إن فيها فاطمة! قال: وإن!!

مسكين هذا الناقل ذو الجهل المركب حاطب الليل. فإن هذه الرواية لا وجود لها في تاريخ الطبري بهذا اللفظ.

وإنما هو في كتاب الإمامة والسياسة، منسوب ومنحول على ابن قتيبة. وهذا الكتاب لم يثبت له لأسباب منها:ـ

 

• إن الذين ترجموا لابن قتيبة لم يذكر واحد منهم أنه ألّف كتاباً يُدعى الإمامة والسياسة.

• إن مؤلف الكتاب يروي عن ابن أبي ليلى بشكل يشعر بالتلقي عنه، وابن أبي ليلى هذا: هو محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الفقيه قاضي الكوفة توفى سنة 148، والمعروف أن ابن قتيبة لم يولد إلا سنة 213، أي بعد وفاة ابن أبي ليلى بخمسة وستين عاماً.

• إنّ الكتاب يشعر أن ابن قتيبة أقام في دمشق والمغرب، في حين أنه لم يخرج من بغداد إلا إلى دينور.

 

جواب الشبهة

قلتم: فإن هذه الرواية لا وجود لها في تاريخ الطبري بهذا اللفظ.وإنما هي في كتاب الإمامة والسياسة.

 

نقول: الطبري نقلها بألفاظ أخرى، ولا ضير في ذلك، لأنّ المهم والمدار هو صحة الرواية وإن وردت بلفظ آخر، وإليك رواية الطبري، قال: حدثنا ابن حميد، قال: حدّثنا جرير، عن مغيرة، عن زياد بن كليب، قال: أتى عمر ابن الخطاب منزل علي$ وفيه طلحة والزبير ورجال من المهاجرين، فقال: والله لأحرقنَّ عليكم أو لتخرجنَّ إلى البيعة! فخرج عليه الزبير مصلتاً بالسيف، فعثر فسقط السيف من يده!فوثبوا عليه فأخذوه.([1])  والرواية صحيحة، وتقدم ترجمة رجالها فراجع.

 

دعوى انتفاء كتاب الإمامة والسياسة لابن قتيبة

كثيراً ما يُردد أن كتاب الإمامة والسياسة ليس لابن قتيبة بدعوى إنّ الذين ترجموا لابن قتيبة لم يذكر واحد منهم أنه ألّف كتاباً يُدعى الإمامة والسياسة.كما يردد الدمشقية وغيره.

نقول: إنّ هذا المدعى مردود؛ وذلك لذكر الزركلي له في كتابه الأعلام، قال: >عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، أبو محمد: من أئمة الأدب، ومن المصنفين المكثرين. ولد ببغداد وسكن الكوفة. ثم ولي قضاء الدينور مدة، فنسب إليها. وتوفي ببغداد. من كتبه....والإمامة والسياسة. ثم ذكر إن للعلماء نظراً في نسبته إليه< ([2]).

ومعنى ذلك انّ غيره تردد في نسبته إليه، والتردد غير الإنكار.

وذكره إليان سركيس في معجمه، قال:

>الشيخ الإمام أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري النحوي اللغوي كان كوفياً ومولده بها، وإنما سمي الدينوري لأنه كان قاضي دينور، وأخذ عن أبي حاتم السجستاني وغيره... وله المصنفات المذكورة والمؤلفات المشهورة ثم ذكر منها كتابه الإمامة والسياسة<([3]).

ثم إننا لم نجد أهل التراجم قد أنكروا نسبة هذا الكتاب إليه, ولعل عدم ذكرهم لهذا الكتاب هو لشهرته فاغُفِل ذكره , وهذا الخطيب البغدادي المشهور بتتبعه للرجال، لم يتطرق للكتاب المذكور، ولو كان لديه أدنى شك لما تردد بذكره، لاسيما كتاب الإمامة والسياسة الذي يحوي على أحداث قد لا تنسجم مع رؤى الخطيب وما يعتقد به، وكذلك الذهبي لم نجد في موسوعاته الرجالية أثراً للإنكار أو التشكيك. وهذا يشكل قرينة على أن الكتاب هو لابن قتيبة حقيقة وواقعاً.

 

وقولكم: إن مؤلف الكتاب يروي عن ابن أبي ليلى بشكل يشعر بالتلقي عنه، وابن أبي ليلى هذا، هو محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الفقيه قاضي الكوفة توفى سنة 148هـ، والمعروف أن ابن قتيبة لم يولد إلا سنة 213هـ، أي بعد وفاة ابن أبي ليلى بخمسة وستين عاماً.

 

نقول: هذا الاستشعار في غير محله؛ لأنّ ابن أبي ليلى لا نستطيع الجزم أنّه (محمد بن عبد الرحمن)؛ لأن ابن قتيبة في كتابه ذكر لقباً له وهو (ابن أبي ليلى التجيبي)، ومحمد بن عبد الرحمن ليس هو(التجيبي).

إذن ما قطعتم به هو مجازفة بدون علم ودليل.

أضف إلى ذلك أن ابن قتيبة لم يذكر ابن أبي ليلى إلا في مورد واحد فقط في (ج2 ص91) قال: (قال الليث... وحدثنا ابن أبي ليلى التجيبي...)، فمن قال إن ابن أبي ليلى هو شيخ ابن قتيبة؟ فلعل الضمير في (حدثنا راجع إلى الليث) وليس إلى (ابن أبي ليلى) وهو الأقرب.

وعليه فينهار ويسقط ما أوردتموه من هذا الإشكال.

 

وقولكم: إن الكتاب يشعر أن ابن قتيبة أقام في دمشق والمغرب في حين أنه لم يخرج من بغداد إلاّ إلى دينور.

نقول: هذا كلام مردود؛ فلا نعلم من أين فهم انه أقام في دمشق والمغرب؟! والكتاب من ألفه إلى يائه لم يُذكر فيه ذلك، ولا توجد قرينة تؤكد ذلك.

نعم يمكن أن يقال: إن ابن قتيبة قد ذكر في (ج2ص71)، > قال وحدثنا بعض المشايخ من أهل المغرب<.

فلعل صاحب الشبهة وغيره، قد فهم أن ابن قتيبة أقام في المغرب أو دمشق.

ولكن هذا الفهم سطحي وساذج يدلّ على قلة الخبرة حتى في فهم العبارات ولغة الكتابة، فلو دققنا في عبارة المؤلف، فإنّه قال: (قال وحدثنا) نسأل من هو القائل، فلعل واسطة مفقودة في المقام والضمير يعود إليه، ثم لو فرضنا إن القائل هو ابن قتيبة، فلا توجد دلالة على أنه أقام في المغرب؛ لأنه لو فرضنا أن فلاناً من الناس يعيش في العراق وشيخه من أهل الحجاز، وقال حدثنا بعض المشايخ من أهل الحجاز، فهل هذا الكلام يدل على أن التلميذ أيضاً من أهل الحجاز.

نعتقد أن هذه مغالطة لا يقبلها العقل والمنطق السليم.

ثم إنّكم قلتم: إنّه لم يخرج من بغداد إلاّ إلى دينور، وهذا غير صحيح، فقد قال الزركلي: إنّه ولد في بغداد، وسكن الكوفة، بل عدّه إليان سركيس كوفياً كما تقدم.

 

وثاقة ابن قتيبة الدينوري

ولا بأس أن نذكر ترجمةً لابن قتيبة، لنبين حاله ولنطمئن بما ينقله من أحاديث وروايات.

قال ابن النديم: >هو عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري أبو محمد من أئمة الأدب والتاريخ والفقه وغيرهما من العلوم، وهو من المصنفين المكثرين.

ولد ببغداد وسكن الكوفة، ثم ولى قضاء الدينور مدة فنسب إليها.

كان صادقاً فيما كان يرويه، عالما باللغة والنحو وغريب القرآن ومعانيه والشعر والفقه، كثير التصنيف والتأليف وكتبه بالجبل مرغوب فيها<([4]).

وقال الخطيب البغدادي:>وكان ثقة ديّناً فاضلاً<([5]).

وقال ابن حجر:>قال ابن حزم كان ثقة في دينه وعلمه، ثم ذكر توثيق ابن النديم له<([6]) توفي ببغداد سنة (276 هـ) ومن كتبه: تأويل مختلف الحديث، وأدب الكاتب، والمعارف، وكتابا المعاني وعيون الأخبار، والشعر والشعراء، والإمامة والسياسة، ويعرف بتاريخ الخلفاء، وكتاب الأشربة، والرد على الشعوبية، وفضل العرب على العجم، ومشكل القرآن، والاشتقاق وغريب القرآن والمسائل والأجوبة، وغير ذلك، فهو من علماء العرب الذين يشار إليهم بالبنان([7]).

إذن فالرجل عند القوم ثقة في دينه، صائن لنفسه، وصادق فيما يرويه.

أما شبهة نسبة الكتاب؛ فقد بينا أن الزركلي قد ذكر أن الكتاب منسوب له، وعليه فالروايات التي يذكرها يطمئن إليها بهذا اللحاظ.

وبهذا تندفع هذه الشبهة وتسقط الحجج المزعومة بما تقرر، والحمد لله.



([1]) الطبري: تاريخ الأمم والملوك ج2ص443

([2]) خير الدين الزركلي: الاعلام,ج4ص137. الناشر: دار العلم للملايين - بيروت – لبنان.

([3]) إليان سركيس: معجم المطبوعات العربية،ج1 ص211 0الناشر: مكتبة آية الله المرعشي النجفي ـ قم المقدسة، 1411هـ  / قم.

 

([4]) ابن النديم: الفهرست، ص85.

([5]) الخطيب البغدادي: تاريخ بغداد، ج10 ص168.

([6]) ابن حجر: لسان الميزان، ج3 ص358.

([7]) انظر: مقدمة المحقق الزيني على كتاب الإمامة والسياسة، لابن قتيبة الدينوري، ج1 ص7.


 شبكة البتول عليها السلام  @ 11-2006  -  www.albatoul.net

إنتاج : الأنوار الخمسة للإستضافة والتصميم @ Anwar5.Net