الشبهة الثالثة:
قال الدمشقية: أحمد بن يحيى البغدادي، المعروف بالبلاذري، وهو من كبار محدثيكم، المتوفى سنة (279هـ)، روى في كتابه أنساب الأشراف 1/586، عن سليمان التيمي، وعن ابن عون: أن أبا بكر أرسل إلى علي$ يريد البيعة، فلم يبايع. فجاء عمر ومعه فتيلة ـ أي شعلة نار ـ فتلقته فاطمة على الباب، فقالت فاطمة: يا بن الخطاب! أتراك محرقاً عليّ بابي؟ قال: نعم، وذلك أقوى فيما جاء به أبوك!
هذا إسناد منقطع من طرفه الأول ومن طرفه الآخر. فإن سليمان التيمي تابعي والبلاذري متأخر عنه، فكيف يروي عنه مباشرة بدون راو وسيط؟ وأما ابن عون فهو تابعي متأخر وبينه وبين أبي بكر انقطاع.
وفيه علتان:
أولاً: جهالة مسلمة بن محارب. ذكره ابن أبي حاتم في (الجرح والتعديل8/266) ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً ولم أجد من وثقه أو ذمه.
ثانياً: الانقطاع الكبير من ابن عون وهو: عبد الله بن عون توفي سنة 152 هجرية. ولم يسمع حتى من أنس ـ والصديق من باب أولى ـ الحادثة مع التذكير بأن الحادثة وقعت في السنة الحادية عشرة من الهجرة.
وكذلك سليمان التيمي لم يدرك الصديق توفي سنة 143 هجرية.
جواب الشبهة:
أولاً: أنقل كلمات أهل التراجم الذين تحدثوا عن البلاذري؛ لأن الناقل للحدث التأريخي أو الروائي إذا كان ثقةً فإن ذلك يورث الاطمئنان بنقله كما أكدنا ذلك في المقدمة.
ترجمة البلاذري
هو أحمد بن يحيى البغدادي المعروف بالبلاذري، يعد من العلماء الكبار الذين يَعتمدُ عليهم الذهبي وابن حجر وغيرهم في كثير من الأحداث التاريخية والروائية، وكذلك في طبقات الرجال. فهو عَلمٌ في الأنساب والرواية والحديث والأدب؛ لذا وصفه الذهبي وغيره بالعلامة، وواضح أن كلمة العلامة صيغة مبالغة لكثرة وغزارة علمه.
قال الذهبي في سير أعلام النبلاء:
>البلاذري العلامة، الأديب، المصنف، أبو بكر، أحمد بن يحيى بن جابر البغدادي البلاذري، الكاتب، صاحب، التاريخ الكبير<.
وقال أيضاً في تذكرة الحفاظ، عن الحاكم بقوله: >كان واحد عصره في الحفظ وكان أبو علي الحافظ ومشايخنا يحضرون مجلس وعظه يفرحون بما يذكره على رؤوس الملأ من الأسانيد، ولم أرهم قط غمزوه<([2]).
وقال ابن كثير: نقلاً عن ابن عساكر: >كان أديباً، ظهرت له كتب جياد<([3]).
إذن فالرجل ثقةٌ ومن الحفاظ الكبار وكتبه تعد من الجياد وهذا كافٍ حسب اعتقادنا بوثاقة رواياته.
ثانياً: قولكم: >هذا إسناد منقطع من طرفه الأول ومن طرفه الآخر، فإن سليمان التيمي تابعي والبلاذري متأخر عنه، فكيف يروي عنه مباشرة بدون راو وسيط؟ وأما ابن عون فهو تابعي متأخر وبينه وبين أبي بكر انقطاع<.
نقول: هذا الإسناد ليس منقطعاً من طرفه الأول ومن طرفه الآخر...الخ؛ وذلك لجهلكم أو للتدليس الذي نقلتموه؛ وذلك لأن البلاذري قال في أول حديثه: >المدائني عن مسلمة بن محارب عن سليمان التيمي وعن ابن عون.....الحديث< ().
والمدائني شيخ البلاذري، فأين الانقطاع؟ فلو نقلت لنا الواسطة التي(حذفتها) لزال اللبس والغموض.
ترجمة السند:
1- المدائني هو: علي بن محمد بن عبد الله بن أبي سيف، أبو الحسن المعروف بالمدائني: وثقه الخطيب البغدادي (توفي/ 463 هـ) قال: >عن يحيى بن معين قوله: ثقة، ثقة، ثقة. قال فسألت أبي فقلت من هذا الرجل؟ قال: المدائني.
ثم قال: أخبرنا الصيمري، حدثنا علي بن الحسن الرازي، حدثنا محمد بن الحسين الزعفراني، حدثنا أحمد بن زهير، قال: قال لي يحيى ابن معين - غير مرة - اكتب عن المدائني كتبه. وقال عن أبي العباس أحمد بن يحيى النحوي: من أراد أخبار الجاهلية فعليه بكتب أبي عبيدة، ومن أراد أخبار الإسلام فعليه بكتب المدائني.
توفي في ذي القعدة سنة أربع وعشرين ومائتين، وكان عالما بأيام الناس، وأخبار العرب وأنسابهم، عالماً بالفتوح والمغازي ورواية الشعر، صدوقاً في ذلك<([5]).
ووثقه الذهبي قائلاً: >العلامة الحافظ الصادق أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الله بن أبي سيف المدائني الإخباري. نزل بغداد، وصنف التصانيف، وكان عجبا في معرفة السير والمغازي والأنساب وأيام العرب، مصدقاً فيما ينقله، عالي الإسناد... قال يحيى بن معين ابن معين ثقة ثقة ثقة<([6]).
أما ما نقله ابن عدي أنّه ليس بالقوي ([7]) فليس له وجه، ولا يصمد أمام توثيق ابن معين، لذلك نجد أن الخطيب البغدادي والذهبي لم ينقلوا تضعيف ابن عدي، بل زادوا في الثناء عليه ومدحه ووصفه بكونه العلامة الصادق المصدق فيما ينقله، وهذه شهادة قل نظيرها، وهي شهادة لصدق هذه الرواية.
2- مسلمة بن محارب، وثقه ابن حبان في كتاب الثقات().
أما قولكم: إنّه مجهول، فلا عبرة به بعد هذا التوثيق.
3- سليمان التيمي الذي سكت عنه (الدمشقية) فهو: سليمان بن طرخان التيمي روى له البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، قال الذهبي: >أحد السادة سمع أنساً وأبا عثمان النهدي<().
وقال ابن حجر: >ثقة<().
وقال أيضا: >روى عن أنس بن مالك وطاووس وغيرهم، قال الربيع ابن يحيى عن سعيد: ما رأيت أحداً أصدق من سليمان التيمي. وقال عبد اللّه بن أحمد عن أبيه: ثقة. وقال ابن معين والنسائي: ثقة. وقال العجلي: تابعي ثقة، فكان من خيار أهل البصرة<().
4- ابن عون هو:ابن أرطبان المزني البصري، قال عنه الذهبي في الكاشف: >أحد الأعلام، قال هشام بن حسان: لم تر عيناي مثله. وقال الأوزاعى: إذا مات ابن عون و سفيان استوى الناس<
وقال عنه ابن حجر في تقريب التهذيب: >ثقة، ثبت، فاضل، من أقران أيوب في العلم و العمل و السن<().
وأما قولكم: عبد الله بن عون توفي سنة (152) هجرية. ولم يسمع حتى من أنس والصديق.
فنقول: عدم سماع ابن عون من أبي بكر لا يضر في المقام؛ لأننا نعامل هذه الرواية كأثر عن ابن عون نفسه، وهو كما ترجمناه من الأعلام الكبار والثقات الأثبات، فنقله لا يخلو من المصداقية، فإذا كان الرجل بهذا القدر من التثبت، فما يحدثنا به يكون موجباً للإطمئنان بصحة أحاديثه.
وعليه فالرواية بهذا اللحاظ صحيحة ويعتمد عليها.
|