متون الكتب :  
الفهارس :  
أسماء الكتب والمؤلفين :  
الشبهة الثانية
الكتاب : ظلامة الزهراء عليها السلام في روايات أهل السنة    |    القسم : مكتبة رد الشبهات

الشبهة الثانية

 

قال الدمشقية: > حدثنا ابن حميد قال: حدثنا جرير عن مغيرة عن زياد بن كليب، قال: أتى عمر بن الخطاب منزل علي وفيه طلحة والزبير ورجال من المهاجرين، فقال: والله، لأحرقنّ عليكم أو لتخرجنّ إلى البيعة، فخرج عليه الزبير مصلتاً السيف، فعثر فسقط السيف من يده، فوثبوا عليه فأخذوه< (تاريخ الطبري2/233).

 

في الرواية آفات وعلل منها:

جرير بن حازم: وهو صدوق يهم وقد اختلط، كما صرح به أبو داود والبخاري في التاريخ الكبير (2/2234).

المغيرة: وهو ابن المقسم. ثقة إلا أنه كان يرسل في أحاديثه لاسيما عن إبراهيم. ذكره الحافظ ابن حجر في المرتبة الثالثة من المدلسين وهي المرتبة التي لا يقبل فيها حديث الراوي إلا إذا صرح بالسماع.

جواب الشبهة:

أولاً: نقول لصاحب الشبهة: إن علم الرجال علم دقيق، ولابد من الاطلاع والبحث فيه ومعرفة طبقات الرواة ومعرفة الراوي والمروي عنه، ومعرفة وفيات الرجال، وكذلك دراسة أساليب النقد ومتابعة علماء الجرح والتعديل في ذلك فهم أهل الخبرة في هذا الفن، وما هو الجرح الذي يؤخذ به، هل هو المفسر أو لا؟ وما هي العلة فيه؟ وما هي الضوابط لو وقعنا في التعارض؟ وكيف نرجّح بينهما؟ ثم إنه ليس كل حديث هو ضعيف، فلعل هناك متابعات له صحيحة، أو شواهد أو غير ذلك، فلعل هناك أحاديث تجدها لأول وهلة ضعيفة، ولكن بعد التأمل تجدها ترتقي إلى الصحة أو الحسن لغيرها.

فهناك أحاديث حسنة بذاتها، وهناك بغيرها. وهذا الفن بطبيعة الحال يحتاج إلى سنوات من الدراسة للوقوف على هذه المعارف الدقيقة والجليلة.

ونعتقد أنّ صاحب الشبهات قاصر عن إدراك هذه المعاني الدقيقة؛ لأننا نجده لا يشخّص الرجال الذين يقعون في السند، وهذه هي المرتبة الدنيا في معرفة الرجال، ثقتهم من ضعيفهم.

فهنا نجد أن صاحب الشبهات في هذه الرواية قد أخطأ في معرفة وتشخيص (جرير) وبنى على أنّه (جرير بن حازم) وحكم على طبق ذلك بضعف الرواية في حين أن (جرير بن حازم) لم يكن شيخاً لابن حميد ولم يرو عن المغيرة البتة.

والصحيح هو جرير بن عبد الحميد، المتوفى سنه (188هـ). روى له البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه.

قال عنه ابن سعد في الطبقات: >وكان ثقة، كثير العلم<([1]). وقال عنه العجلي: >كوفي ثقة<([2]). وقال ابن حجر: >ثقة، صحيح الكتاب<([3]).

وقال الذهبي: >الحافظ الحجة... رحل إليه المحدثون لثقته وحفظه وسعة علمه([4]).  وعليه فالرجل ثقة.

 

ترجمة السند:

1- ابن حميد شيخ الطبري والذي سكت عنه (الدمشقية) هو: محمد ابن حميد أبو عبد الله الحافظ، روى له أبو داود والترمذي وابن ماجه.

قال المزي في تهذيبه والذهبي في تأريخه وابن حجر في لسانه: >وثقه يحيى بن معين، قال: ثقة. ليس به بأس، رازي كيّس.

ووثقه أبو زرعة: من فاته ابن حميد يحتاج أن ينزل في عشرة آلاف حديث، وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: سمعت أبي يقول: لا يزال بالري علم ما دام محمد بن حميد حياً.

وقال أبو قريش محمد بن جمعة بن خلف الحافظ: قلت لمحمد بن يحيى الذهلي: ما تقول في محمد بن حميد؟ قال: ألا تراني هو ذا أحدث عنه.

وقال علي بن الحسين بن الجنيد الرازي: سمعت يحيى بن معين يقول: ابن حميد ثقة.

وقال أبو العباس بن سعيد: سمعت جعفر بن أبي عثمان الطيالسي يقول: ابن حميد ثقة، كتب عنه يحيى، وروى عنه من يقول فيه: هو أكبر منهم.

و قال يحيى بن أحمد بن زياد: ذكر محمد بن حميد عند يحيى بن معين فقال: ليس به بأس<([5]).

أما ما ورد من تضعيف الجوزجاني وغيره كما ذكر ذلك المزي في تهذيبه([6]). فهو مردود بما تقدم من توثيق أساطين الفن وأهل الصناعة له كابن معين وأبي زرعة. وعليه فالرجل ثقة.

2- أما جرير فقد تقدم الكلام عنه وهو ثقة.

3- أما المغيرة: فهو ابن مقسم الضبي:  روى له البخاري، مسلم، أبو داود، الترمذي، النسائي، ابن ماجه.

قال المزي في تهذيبه: >قال أحمد بن سعد بن أبي مريم عن يحيى بن معين: ثقة مأمون. وقال أبو حاتم عن يحيى بن معين: ما زال مغيرة أحفظ من حماد بن أبي سليمان. وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم: سألت أبي فقلت: مغيرة عن الشعبي أحب إليك أم ابن شبرمة عن الشعبي؟ فقال: جميعاً ثقتان. وقال العجلي: مغيرة ثقة، فقيه الحديث، إلا أنه كان يرسل الحديث عن إبراهيم، وإذا وقف أخبرهم ممن سمعه<([7]).

قال الذهبي في الكاشف: >الفقيه، حكى جرير عنه، قال: ما وقع في مسامعي شيء فنسيته<([8]).

وقال ابن حجر في التقريب: >ثقة متقن إلاّ أنّه كان يدلّس ولا سيما عن إبراهيم<([9]).

 

شبهة تدليس المغيرة

قال ابن حجر في طبقاته: >وقال أبو داود: كان لا يدلس، وكأنه أراد ما حكاه العجلي، أنه كان يرسل عن إبراهيم، فإذا وقف أخبرهم ممن سمعه<([10]).

والإخبار بالسماع أمر قابل للتصديق، قال الغزالي (توفي 505هـ) في المستصفى في مسألة التعبد بخبر الواحد في الدليل الثالث: >فالذي يخبر بالسماع الذي لا يشك فيه أولى بالتصديق<([11]).

 

نقول: أولاً: على فرض الإرسال، فهنا المغيرة لم يرو عن إبراهيم لتأتي هذه الشبهة. فالرجل روى عن زياد بن كليب التميمي.

 

ثانياً: إن المغيرة إذا توقف في الحديث، فهو يخبر من أين سمعه، ولذا نجد أبا داود ينفي التدليس عنه، كما يقول ابن حجر.

 إذن قول ابن حجر (عن أبي داود) يرفع عنه شبهة التدليس، فهو الرجل المتقن الفقيه الذي لا ينسى ما وقع في مسامعه، كما قال الذهبي آنفاً.

 

أما قولكم: إن ابن حجر ذكره في المرتبة التي لا يقبل فيها حديث الراوي إلا إذا صرح بالسماع.

فهذا مدفوع بقول العجلي: إنّ المغيرة إذا توقف في الحديث فهو يخبر من أين سمعه، وكذلك قول الذهبي: إنه لا ينسى ما وقع في مسامعه، فبتلك القرينتين ينتفي هذا القول.

أضف إلى ذلك أن ابن حجر أدرج الكثير من العلماء والحفاظ الثقات في هذه المرتبة، كالزهري وغيره([12]). فإذا التزمنا بقول ابن حجر يلزم إسقاط جل أحاديث الزهري التي لم يصرح بها في السماع مع إنهم قالوا بصحتها، وهذا واضح لمن تتبع أحاديث الزهري.

4- أما زياد بن كليب: فهو التميمي الحنظلي، أبو معشر الكوفي من الطبقة السادسة روى له مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي، قال الذهبي: حافظ متقن([13]). وقال ابن حجر: ثقة([14]).

إذن فالرواية صحيحة وليس فيها آفات، كما ادعى صاحب الشبهة.



([1]) ابن سعد: الطبقات الكبرى، ج7 ص381، دار صادر – بيروت.

([2]) العجلي: معرفة الثقات، ج1 ص267، مكتبة الدار – المدينة المنورة، ط1، 1405هـ.

([3]) ابن حجر: تقريب التهذيب، ج1 ص158، تحقيق مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية – بيروت، ط2، 1415هـ.

([4]) الذهبي: تذكرة الحفاظ، ج1 ص271-272، مكتبة الحرم المكي.

([5]) يوسف المزي: تهذيب الكمال، ج25ص100-101، الذهبي: تاريخ الإسلام ج18 ص425، ابن حجر: لسان الميزان، ج7 ص 492 / 5741.

([6]) تهذيب الكمال ج25ص100-101. تحقيق: الدكتور بشار عواد معروف، مؤسسة الرسالة، ط1، 1413هـ .

([7]) تهذيب الكمال، ج28 ص400.

([8]) الذهبي: الكاشف في معرفة من له رواية في الكتب الستة، ج2 ص288، تحقيق محمد عوامة، دار القبلة للثقافة الإسلامية – جدة، ط1، 1413هـ 1992م.

([9]) ابن حجر العسقلاني: تقريب التهذيب، ج2 ص208، تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية – بيروت، ط2، 1415هـ.

([10]) ابن حجر العسقلاني: طبقات المدلسين، ص46، تحقيق د.عاصم بن عبد الله القريوتي، مكتبة المنار – عمان، ط1، 1403هـ 1983م.

([11]) محمد بن محمد الغزالي: المستصفى، ص121، دار الكتب العلمية - بيروت،1417 هـ.

([12]) قال ابن حجر فيمن ذكرهم في المرتبة الثالثة: >محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري الفقيه المدني نزيل الشام مشهور بالإمامة والجلالة من التابعين وصفه الشافعي والدار قطني وغير واحد بالتدليس< طبقات المدلسين ص45.

([13]) الذهبي: الكاشف في معرفة من له رواية في الكتب الستة ج1ص412.

([14]) تقريب التهذيب، ج1 ص220.


 شبكة البتول عليها السلام  @ 11-2006  -  www.albatoul.net

إنتاج : الأنوار الخمسة للإستضافة والتصميم @ Anwar5.Net